التاريخ : 30/5/1428 هـ

الدروس العلمية

د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

الدرس الثاني والعشرون - من قوله: «ومن أحسن القول في...»

الدرس الثاني والعشرون

من قوله: «ومن أحسن القول في...»

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

شيخنا الكريم طرحتم سؤالين في الحلقة الماضية السؤال الأول: ما الواجب تجاه النزاع الواقع بين الصحابة رضوان الله عليهم؟

وكانت الإجابة: الجواب الذي قرره أهل العلم هو الإمساك عن الخوض فيما شجر بين الصحابة -رضوان الله عليهم- وأن نقول: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [الحشر: 10] والدخول في الشجار يؤدي إلى الفتنة والزيغ والغل لاسيما وأن جملة من الأخبار التي وردت بهذا الصدد هي أخبار أغلبها كذب وموضوع.. إلى آخر كلامه.

إجابة الأخت إجابة صحيحة وموفقة ومسددة.

السؤال الثاني: تحقيق الخلافة في أبي بكر رضي الله عنه؟

وكانت الإجابة تقول: الجواب فيها ذكره ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن يقال هذا قول جميع أهل السنة، بل ذهبت طوائف من أهل السنة إلى أن إمامة أبي بكر ثبتت بالنص، والنزاع في ذلك معروف، في مذهب أحمد وغيره، وقد تقول إن أحمد عنده روايتان أحدها أنها ثبتت بالاختيار والرواية الثانية أنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة.

أي.. لكن التحقيق في هذا أننا ذكرنا الخلاف الذي وقع بين أهل السنة هو خلاف سائغ، هل ثبت بالنص ولا ثبت بالإجماع، ثم ذكرنا كلام شيخ الإسلام أنه ثبت بهذا وذاك، أن خلافة الصديق ثبتت بالنص والإجماع، من جهة صحتها فالبنص، ومن جهة انعقادها فبالإجماع.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق).

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

ما ذكره الإمام أبو جعفر الطحاوي -رحمه الله- في شأن أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- وزوجاته وآله، هذه العبارة التي سمعناها عندما قال: (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله..) إلى أن قال: (..فقد برئ من النفاق) هذه العبارة التي قالها الإمام الطحاوي قد قررها بعض المتقدمين من أمثال أيوب السختياني، فأيوب السختياني -رحمه الله- يقول: «من أحسن الثناء في أصحاب رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فقد برئ من النفاق» هنا قال: في أصحاب رسول الله، والصحابة -لا يخفى عليكم- تعريف الصحابي، هو أن الصحابي من لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به ومات على ذلك.

ثم قال: (وأزواجه) نعم أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- هن أمهات المؤمنين، قال تعالى: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ [الأحزاب: 6] فزوجات النبي -عليه الصلاة والسلام- هن أمهات المؤمنين، وهن -رضي الله عنهن- أمهات المؤمنين من جهة التحريم لا من جهة المحرمية، يعني هن أمهات المؤمنين من جهة التحريم فلا يجوز التزوج عليهن بعد النبي -عليه الصلاة والسلام- كما هو معلوم، فهن أمهات المؤمنين من هذه الحيثية، من جهة التحريم، لا من جهة المحرمية، يعني لا يكون كل مسلم محرمًا لتلك الأمهات. هذه المسألة.

ثم قال: (وذريَّاته) يبقى الكلام عندنا هنا في الحديث عن المراد بآله -عليه الصلاة والسلام- من آل النبي عليه الصلاة والسلام؟ التحقيق في ذلك والذي يختاره بعض المحققين: أن آل محمد -صلى الله عليه وسلم- يشمل زوجاته -رضي الله عنهن- ويشمل الذين تحرم عليهم الصدقة من آل محمد -عليه الصلاة والسلام-، فزوجاته من آل بيته وكذا أيضًا من تحرم عليهم الصدقة وهم المذكورون في حديث زيد بن أرقم -رضي الله عنه- حديث لما خطب النبي -عليه الصلاة والسلام- في غدير يدعى "خمًا" فقال -عليه الصلاة والسلام-: في هذا الحديث: (أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، فقال السائل - قال الراوي عن زيد- قال يا زيد: أليس نساؤه من أهل بيته؟ فقال زيد رضي الله عنه: بلى نساؤه من أهل بيته، لكن أهل بيته من تحرم عليهم الصدقة، فقال الراوي: من هم؟ فقال زيد -رضي الله عنه- قال: هم آل علي وآل جعفر وآل عباس وآل عقيل) هذه البيوت الأربعة هم الذين تحرم عليهم الصدقة، تحرم عليهم الزكاة الواجبة، آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس.

إذن نخلص من هذا أن آل محمد -عليه الصلاة والسلام- يشمل زوجاته ويشمل الذين تحرم عليهم الصدقة وهم البيوت الأربعة: آل علي وآل العباس وآل جعفر وآل عقيل.

هؤلاء هم الذين ذُكروا في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ [الأحزاب: 33] قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ ﴾ وقد مر بنا أن الإرادة قد تكون كونية وقد تكون شرعية دينية، فهنا الإرادة على ماذا تحمل؟ أهي الإرادة الكونية القدرية بمعنى المشيئة؟ أم الإرادة الشرعية الدينية بمعنى المحبة؟

هي الإرادة الشرعية الدينية، فيكون المعنى بالنسبة للآية الكريمة أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ ﴾ أي يحب ذلك، ويأمركم بذلك، إذن هذا أمر ومحبة مثل ما قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ﴾ [البقرة: 185] يعني أنه يحب ذلك، فلا يتوهم متوهم أن ذلك خبر، ويظن ظان أن كل شخص من آل البيت أنه يحصل فيه هذا الطهر، ليس الأمر كذلك؛ لأن آل البيت منهم من المطيع ومنهم من ليس كذلك، منهم الصديق ومنهم من ليس كذلك، وكما قال سيد الخلق -عليه الصلاة والسلام-: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) هكذا قال -عليه الصلاة والسلام-.

إذن نخلص من هذا أنها إرادة شرعية دينية، وأن المراد من ذلك أن الله -تعالى- يأمرهم بما يوجب الطهارة، هذا أمر بما يوجب الطهارة. انتهينا من هذه المسألة.

بعدها قال: (فقد برئ من النفاق) يقول: (من أحسن القول في أصحاب رسول الله وأزواجه وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق) قبل أن نتحدث عن كلمة (فقد برئ من النفاق) طبعًا قولهم: (من كل دنس) الدنس هو الوسخ، (وذرياته المقدسين) أي المطهرين (من كل رجس) والرجس كذلك هو بمعنى القدر.

نشير قبل هذا إلى زوجات النبي -عليه الصلاة والسلام- وأنهن تسعة من النساء -رضي الله عنهن- أفضلهن خديجة بنت خويلد وعائشة بنت الصديق -رضي الله عنهن- جميعًا لكن أيهما أفضل؟ خديجة -رضي الله عنها- أم عائشة رضي الله عنها؟

في هذا خلاف، والذي يراه بعض المحققين أن لخديجة -رضي الله عنه- من الفضل في أول الإسلام ما ليس لعائشة، ولعائشة -رضي الله عنها- من إظهار السنة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- ونشرها ما ليس لخديجة، فهذه فضلها في الأول وتلك فضلها في الآخر، فضل خديجة واضح، لما قالت للنبي -صلى الله عليه وسلم- في أول البعثة: (كلا والله لا يخزيك الله أبدًا..) إلى آخر الحديث، وأيضًا هي من أوائل من أسلم كما هو معلوم، وأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- لها جهدها الظاهر البيِّن من خلال أنها روت الكثير من الأحاديث ونشرتها وبلغت سنن النبي عليه الصلاة والسلام.

هنا لما قال: (فقد برئ من النفاق) إذن الذي يحسن في حق الصحابة ويترضى عنهم قد سلم من النفاق، بين العلماء وجه ذلك فقالوا:

الأمر الأول: الذين يطعنون في الصحابة -رضي الله عنهم- هذا الطعن وهذا التطاول على الصحابة إنما نشأ من عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أسلم نفاقًا، وهو الذي وضع بذرة مذهب الرفض والتشيع، هذا وجه كونه قد سلم من النفاق، من جهة أن الطعن في الصحابة ابتدأه عبد الله بن سبأ، فأصل الرفض هو إنما أحدثه هذا المنافق الذي أسلم نفاقًا وطعن في الصحابة -رضي الله عنهم- وهذا الطعن استمر للأسف عند الرافضة إلى هذه الساعة. هذا أمر.

الأمر الثاني: أن الطعن في الصحابة هو نوع من النفاق كما بينه الإمام أبو زرعة الرازي -رحمه الله- في عبارته المشهورة لما قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحد أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاعلم أنه زنديق، ما وجه ذلك؟ وجه ذلك بيِّن كما بينه أيضًا أبو زرعة؛ لأن القرآن حق، وسنن النبي -عليه الصلاة والسلام- وما جاء به الرسول الكريم حق، فإذا طعنوا في الصحابة -وهم النقلة- الطعن في النقلة يؤدي إلى الطعن في المنقول، فإذا طعنوا في الصحابة وهم الشهود وهم الرواة هذا يترتب عليه الطعن في صحة القرآن، والطعن في صحة أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى كلٍ الطعن في الصحابة هو طعن في القرآن وطعن في سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- وطعن في هذه الرسالة التي جاء بها نبينا الكريم -عليه الصلاة والسلام- هذا أمر.

الأمر الثالث: أيضًا نحب أن نشير أيضًا إلى أن الذين يطعنون في الصحابة من أمثال الروافض -كما جاء ذلك في التاريخ القديم والحديث- أن عندهم من المشابهة لأهل النفاق الشيء الكثير، فإذا جئت مثلًا حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- لما قال -عليه الصلاة والسلام-: (أربع من كن فيه كان منافقًا أو كانت فيه خصلة من أربعة كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ) فهذه الخصال التي جاءت في حديث عبد الله بن عمرو وجاءت في حديث أبي هريرة: (آيات المنافق ثلاث) نجد أن للرافضة من هذه الصفات أوفر الحظ والنصيب، لا من جهة الكذب ولا من جهة الخيانة ولا من جهة الخصومة، هذا ظاهر لمن قرأ تاريخ الرافضة في القديم والحديث، بل الأمر أشد من ذلك الرافضة الآن يدَّعون أنهم يحبون آل البيت أليس كذلك؟ يدعون ذلك، وهذه في الواقع هي مجرد دعوة، لكن إذا نظرنا إلى كتبهم نجد أنهم حتى آل البيت لم يسلموا منهم، فسبق أن مر في الدرس الماضي أن القوم يحكمون على جمهور الصحابة بالتضليل والتفسيق والتكفير ويدخل في ذلك جملة من آل البيت؛ ولهذا نجدهم أنهم يطعنون في العباس عم النبي عليه الصلاة والسلام، يطعنون في العباس على سبيل الخصوص، يطعنون في ابنه حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- هذا موجود في كتبهم المعتبرة، بل وصل الأمر هذا النفاق إلى أن طعنوا في بنات النبي -عليه الصلاة والسلام- ما عدا فاطمة، يعني طعنوا مثلًا في زينت في أم كلثوم ولا يخفى أنهن زوجات عثمان -رضي الله عن عثمان ورضي الله عنهن- فطعنوا في بنات النبي -عليه الصلاة والسلام- ما عدا فاطمة، بل وصل الحمق في الواقع إلى أن ينكروا ويقولون: النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يكن له إلا فاطمة، يعني لاحظ المكابرة إنكار البديهيات، وهذا أمر ظاهر عند القوم، قضية إنكار البديهيات إنكار ما كان ظاهرًا بينًا تجده عند القوم، يعني عامة المسلمين يعرف أن من بنات النبي -صلى الله عليه وسلم- زينب وأم كلثوم، من إنكار البديهيات عندهم مثلًا ينكرون أن الصديق -رضي الله عنه- ولا عمر -رضي الله عنه- أنهما دفنا عند النبي -عليه الصلاة والسلام-، ينكرون ذلك، هذه من حماقات القوم أن ينكروا مثل هذه البديهيات المعلومة عند كل مسلم. هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

يبقى عندنا في قضية الكلام عن الطعن في عائشة وسبق أن مر بنا الكلام في هذا أن من قذف عائشة وهي الطاهرة المبرأة بنص القرآن في عشر آيات أن من قذفها فقد كفر؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿ يَعِظُكُمُ اللهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [النور: 17] والإمام مالك -رحمه الله- إمام دار الهجرة يقول: من سب عائشة -رضي الله عنها- قُتل، فسئل لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن، من رماها -يعني رماها بما برئت منه فقد القرآن- قال الإمام ابن حزم معلقًا على كلام الإمام مالك، قال: وقول مالك هاهنا صحيح، قال: وهي ردة تامة وتكذيب لله -تعالى- في قطعه ببراءتها.

فالمقصود أن آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يسلموا من الرافضة، وحسبك أن تعلم أيضًا أن سقوط بغداد سنة ستة وخمسين وستمائة من الهجرة على يد التتار كان بتواطؤ من الرافضة، وكان الرافضة لهم دور وكانوا لهم سبب رئيس في تسلط التتار على قتل بني هاشم، فالتتار لما أسقطوا بغداد قتل الكثير من بني هاشم، والسبب في ذلك الرافضة؛ لأن ابن العلقمي الرافضي هو الذي حرض التتار على دخول بغداد وإسقاطها، هذه جملة مما يبين أن القوم أن عندهم من النفاق ما عندهم.

يبقى عندنا مسألة نحب أن نشير إليها في ختام هذا الأمر: أن علينا أن نبين دين الله، وأن ننشر الدين الصحيح ونبلغ سنة سيد المرسلين -عليه الصلاة والسلام- فهذه السنة إذا ظهرت وانتشرت فسرعان ما تزيل هذه البدع تلقائيًا، هذه البدع التي هي بدع الرفض ونحوها لا تظهر إلا في الأماكن التي يغلب فيها الجهل، وتختفي فيها الحجج الرسالية، لكن إذا ظهرت السنن وبلغنا دين الله -سبحانه وتعالى- وبلغنا سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- سرعان ما تزول هذه البدع وتتقشع.

يقولون: "لا تتحدثي في مكان فيه سراج" يشير إلى العالم وطالب العلم، فمذهب القوم لا يكون في الأماكن التي فيها نور النبوة، وإنما في أماكن الضلال ومستنقعات الجهل، فهذا يؤكد علينا نحن معشر المنتسبين للسنة أن نبذل قصار جهدنا في تبليغ دين الله، وفي هذا إقامة الحجة وفي ذلك إنقاذ لهؤلاء القوم ولغيرهم من هذه البدعة، ونحن نخاطب هؤلاء الذين تلبسوا وتلوثوا بهذا الرفض وبهذا التطاول، نقول لهم: أين تذهب عقولكم؟ نقول: فكروا بعقولكم حرروا عقولكم من رق واستعباد هؤلاء الذين يسمون "آيات" أو يسمى أحدهم "مُلا" أو نحو ذلك، فكروا بعقولكم نقول: انظروا إلى القرآن إن كنتم تحتجون به، تأملوا في سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- فمن فكر بعقله عرف ما في هذا المذهب أي مذهب الرافضة من التناقض والاضطراب، وأنه لا يقبله لا صاحب عقل ولا صاحب دين، هذا أمر.

الأمر الأخير: أن هؤلاء الذين ينصرون البدع ويفترون على الله أن هؤلاء يُخشى عليهم من غضب الله وعذابه في الدنيا والآخرة، وهذا أمر ظاهر، وأيضًا قضية الذل والمهانة، دائمًا -أيها الإخوة الكرام- الذين يتطاولون على دين الله ويفترون على الله ويفترون على نبيه -عليه الصلاة والسلام- نجد أن هذا الوعيد ينالهم غضب الله وعذابه، وأيضًا كذلك الذل، وكل ذلك ذكره العلماء وأشاروا إليه عند قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ﴾ [الأعراف: 152] قال بعض السلف ومنهم أبو قلابة -رحمه الله- قال: "هذه الآية في كل مفترٍ"، كل من افترى على الله تجد أن له نصيب من هذا الوعيد، ومن هذا الخزي والمهانة، و لهذا لما ظهر العبيديون في مصر وكانت لهم في مصر وفي بلاد المغرب والذين سموا بالفاطميين كذبًا وزورًا مع أنه كانت لهم دولة وشوكة وقوة ومع ذلك كانوا أذلاء، وسبب هذا هذه البدع التي تلبسوا بها، هذه تذل صاحبها وإذا كانت المعصية -كما لا يخفى عليكم- توقع العبد في الذل، المعصية تذل مثل ما قال الحسن البصري -رحمه الله-: "إنهم وإن طغت بهم البغال وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعصية في أعناقهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه" -عافانا الله وإياكم- فإذا كان المعصية تفعل ذلك فما بالك بالبدعة، وجنس البدعة أشنع وأشد من المعصية، والله أعلم.

يقول: بالنسبة للتقية معنى التُقْيَة أو التَقِيَة هل في الإسلام هذا الشيء؟ مع أن الرافضة يعتقدون هذه المسألة؟.

يعني هو التَقِيَة والتُقْيَة هي تعتبر دين عند الرافضة، يعني يتدينون بالكذب -نسأل الله العافية- فإذا كان أهل الإسلام لاسيما أهل السنة على سبيل الخصوص يدينون الله -تعالى- بصدق ويلتزمون بالوصية التي مرت بنا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119] أو ما جاء في وصف المهاجرين: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحجرات: 15] فالقوم يتدينون بالكذب الذي يسمونه التقية، وهم يقولون: التقية تسعة أعشار الدين، وهذه التَقِيَة أو التُقْيِة تجد أنهم يستخدمونها في كل حال، فلا يعاشرون أحدًا إلا استعملوا معه هذا النفاق، بل تجدهم ينافقون مع الضعفاء ومن لا حاجة لهم إليه، هذا أمر.

أما أحيانًا البعض منهم بعض الناس يعني قد يشكل عليه ما جاء في قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ [آل عمران: 28] فالأمر ليس كما يزعم هؤلاء؛ لأن هنا ما جاء في قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ أن على الإنسان أن يظهر دين الله على حسب استطاعته، وما لا يقدر على إظهاره فنحن نقول: ﴿ فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16] ونقول: ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ ففرق بين أن الشخص شيء من دين الله قد لا يستطيع إظهاره وبين أن يكذب، فالقوم يكذبون في السراء والضراء وفي كل حال، ويتدينون بالكذب، فهذا مما يذكر عن هؤلاء القوم وهذا موجود في كتبهم، لا نتقول عليهم بل في كتبهم المعتمدة المعتبرة تجد هذا النفاق الذي يسمونه التَقِيَة أو التُقْيِة.

يقول: نسمع كثيرًا في كلام العلماء: "الزنديق والزنادقة" فما معنى "الزندقة" ومن هم الزنادقة؟.

يعني الذي أنا أعرفه في الزنديق هي طبعًا الكلمة -كما لا يخفى عليكم- الكلمة ليست عربية، لكن الزنديق عندما تطلق هنا- في كلامنا هنا- المراد بها المنافق، الزنديق عند الفقهاء هو المنافق، هذا معناها عند الفقهاء، وقد تطلق الزنديق على الثانوية الملاحدة الذين يقولون: بإله النور وإله الظلمة، وقد تطلق على ما هو أوسع من ذلك، فقد تطلق أحيانًا على من يكون صاحب فجور وانحلال، لكن المعروف عند الفقهاء إذا قيل: الزنديق أراد به المنافق.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل).

هنا قال الإمام الطحاوي: (وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير) مكتوب عندكم (أهل الخير) لكن في بعض النسخ (أهل الخبر) هذه العبارة (أهل الخبر) جاءت في كتاب "نور اليقين في أصول الدين" لحسن البسنوي وهو من العلماء المتأخرين الذين شرحوا هذه العقيدة المباركة، وأيضًا ممن نقلها على أن المقصود (أهل الخبر) أيضًا ابن العطار -رحمه الله- من تلاميذ النووي -رحمه الله- فابن العطاء في كتابه في الاعتقاد نقل عبارة الطحاوي وأثبتها على أنها (أهل الخبر) ولعل الذي يبدو -والله أعلم- أنها كذلك، أن المراد والأدق أن يقال: (أهل الخبر) بقرينة أنه قال: (الأثر) أما أنهم (أهل الخير) فهذا تحصيل حاصل أليس كذلك؟ أهل الخير هذه تطلق على من دونهم بمراحل، فلعل الأقرب والذي يتفق مع السياق أن يقال: (أهل الخبر) باعتبار أن العلماء اعتنوا بالأخبار والآثار كما هو معلوم في مذهب أهل الحديث.

الواجب عليهم تجاه العلماء كما أشار الطحاوي -رحمه الله- أن نجلهم ونحن تجاه العلماء وسط بين الإفراط والتفريط بين الذين ينتقصون العلماء ويحصل منهم الجفاء وبين الذين غلوا في العلماء فجعلوهم مشرعين يحللون ويحرمون، فالمسلك هو الوسط بين الغلو والجفاء.

يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: (العلماء ورثة الأنبياء) أخرجه أحمد، وجاء في الحديث قال -عليه الصلاة والسلام-: (ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا قدره أو حقه) هكذا أخرجه الحاكم وحسنه الألباني.

يبقى عندنا مسألة أشار لها الشارح وهي: أنه قد نجد من العلماء الأكابر والأئمة الأفاضل من يخالف الدليل فبين العلماء ومنهم شيخ الإسلام في رسالته الرائعة "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" أننا إذا رأينا عالمًا من هؤلاء العلماء قد خالف الدليل فهؤلاء لهم عذر، وجماع أعذارهم تنحصر في ثلاثة أمور، يعني لما نأتي إلى عالم ويستغرب البعض كيف هذا العالم ما أخذ بهذا الدليل؟ فنقول: هذا العالم له عذر، وجماع هذه الأعذار تنحصر في هذه الثلاثة:

أولًا: إما أن هذا الدليل لم يبلغه.

والثاني: أنه ربما أنه بلغه لكنه ظن أن هذا الدليل لا يراد به تلك المسألة بعينها.

والثالث: أنه ربما ظن أن هذا الحديث أو هذا النص منسوخ.

وهذا مما ذكر في هذا المقام.

لما قال عندك هنا: (ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل) نعم هو على غير سبيل المؤمنين، فسبيل المؤمنين هو محبة العلماء وإجلالهم وتقديرهم وأن يعرف لهم حقهم وفضلهم والله أعلم.

قال -رحمه الله تعالى-: (ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء -عليهم السلام- ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء).

هنا قال: (ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء -عليهم السلام- ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء) هذه العبارة هي رد على الاتحادية، ورد على جهلة الصوفية، والمقصود بالاتحادية هذه الطائفة الغالية التي وقعت في الزندقة والكفر البواح وهم الذين يزعمون أن الخالق -سبحانه- اتحد مع المخلوق تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، فهؤلاء اتحادية أرباب وحدة الوجود يزعمون أن الأولياء أفضل من الأنبياء، ومن أشهر من أظهر هذه الزندقة ابن عربي الطائي، الذي فضل نفسه على خاتم الأنبياء نبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-.

فهنا لما يقول لك: (نبي واحد أفضل من جميع الأولياء) نعم لا شك، فالأنبياء هم أفضل الناس والأولياء إنما صارت لهم الولاية، وصارت لهم المنزلة بسبب اتباعهم للأنبياء -عليهم السلام- فإذن نقول: هذه العبارة رد على هؤلاء الصوفية الزنادقة الذين هم الاتحادية أتباع ابن العربي ومن سلك سبيله.

نحب أن نشير في هذه العجالة أن هؤلاء فضلوا الولي على النبي، وعندنا الفلاسفة فضلوا الفيلسوف على النبي، لو جئت مثلًا إلى الفارابي الذي يلقب بالمعلم الثاني نجد أن الفارابي -نسأل الله العافية- فضل الفيلسوف على النبي، وعندنا الطائفة المخذولة طائفة الرافضة هؤلاء فضلوا أئمتهم على الأنبياء -عليهم السلام- وقالوا في كتبهم لاسيما عند المتأخرين منهم مثل ما جاء عند الخميني وغيره لما قالوا: إن لأئمتنا مقامًا لا يصل إليه نبي مرسل ولا ملك مقرب.

فعندنا كم طائفة الآن؟ عندنا ثلاث طوائف:

- الاتحادية ونحوهم من زنادقة الصوفية فضلوا الولي على النبي.

- والفلاسفة فضلوا الفيلسوف على النبي.

- والرافضة فضلوا الأئمة على النبي، والمقصود بالأئمة الأئمة الإثنى عشر عندهم الذي يبدأ بعلي -رضي الله عنه- وينتهون بإمامهم الغائب المعدوم محمد بن الحسن العسكري، هؤلاء هم فضلوا أولئك على الأنبياء -عليهم السلام-.

ابن عربي مثلًا ونحن في هذا المقام قال بيتًا من الشعر -نسأل الله العافية- يقول:

مقام النبوة في برزخ ** فوق الرسول ودون الولي

هو الآن يجعل مرتبة الولي أو مرتبة الولاية هي أعلى شيء، ثم تأتي مرتبة النبوة؛ لأنه يقول: في برزخ، ثم تأتي مرتبة الرسالة، هذا الانتكاس، يعني عكس ما جاء به الشرع، نحن نعلم أيهما أفضل النبي ولا الرسول؟

الرسول -كما لا يخفى- فالترتيب الصحيح الذي جاءت به الأدلة عندنا: الرسول ثم النبي ثم الولي، لكن هذا الرجل وقع في هذه الزندقة التي ما سبقه إليها أحد، بل بلغت به الزندقة أنه فضل نفسه على النبي -صلى الله عليه وسلم-، زعم أنه خاتم الأولياء، يقول محمد -عليه الصلاة والسلام- خاتم الأنبياء، وأنا ابن عربي يتحدث عن نفسه يقول: إنه خاتم الأولياء، وقال: إن هذا النبي -عليه الصلاة والسلام- هو عبارة عن لبنة مثل ما جاء في حديث اللبنة لما قال: (مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فجمله وحسنه إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون بهذا البناء ويقولون: ما أجمله ما أحسنه لولا وضعت هذه اللبنة قال -عليه الصلاة والسلام-: فأنا هذه اللبنة وبي ختم النبيون) هكذا جاء الحديث بمعناه، فهنا يأتي ابن عربي وماذا يقول عن هذا الحديث؟ يقول: هذه اللبنة لها ظاهر وباطن، الظاهر هو النبي خاتم الأنبياء والباطن هو خاتم الأولياء، والظاهر فضة والباطن ذهب، كل هذا من أجل أن يفضل نفسه على النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل بلغ الحمق الذي لا يقبله عقل أنه يقول: إن خاتم الأنبياء يستفيد من خاتم الأولياء، يعني لاحظ الحمق هذا ما يقوله أي إنسان عنده ذرة عقل، يعني هل بالله عليك أيهما الذي يستفيد من الآخر المتقدم يستفيد من المتأخر ولا المتأخر يستفيد من المتقدم؟!! أكيد المتأخر، فهو الآن جعل المتقدم النبي -عليه الصلاة والسلام- يستفيد من هذا المتأخر، مثل ما قالوا: لا عقل ولا قرآن -نسأل الله العافية-.

هذا بعض ما وقع فيه ابن عربي الطائي، ومع ذلك ومع هذا كله للأسف لا يزال أهل الإسلام ينخدعون بابن عربي الطائي وهناك من يعظمونه ويصفونه بأنه الإمام الأكبر وصاحب السر وإلى ذلك ونحو ذلك، ورحم الله الحافظ الذهبي لما قال عن كتاب ابن عربي كتاب "الفصوص" قال: إن لم يكن الفصوص فيه كفر وزندقة فما على وجه الأرض كفر، يقول: إن لم يكن هذا الكتاب فيه كفر وزندقة فما على وجه الأرض كفر، وهذا كلام واضح أن الكتاب طافح بالزندقة البينة الجلية الظاهرة والله المستعان.

يقول: كيف نعرف أن هذا المرء من الأولياء؟ وكيف نرد على بعض أهل البدع ممن يغالي في الأولياء ويعتقد بالكرامات الخرافية؟.

على كلٍ كيف نعرف أن هذا ولي؟ يعني عندنا المقياس الشرعي الذي هو الإيمان والتقوى، قال تعالى: ﴿ أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿62﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ [يونس: 62، 63] من كان مؤمنًا تقيًا كان لله وليًا ومن لا فلا، فهذا هو السبب وهو شرط الولاية، شرط الولاية الإيمان والتقوى؛ ولهذا قال إمام مصر الليث بن سعد -رحمة الله عليه- فقيه مصر الليث بن سعد من الأئمة المتقدمين قال: لو رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به، حتى تنظروا مدى اتباعه للكتاب والسنة، يقول: لو رأيتم الرجل يمشي على الماء، فبلغ ذلك الإمام الشافعي، بلغ الإمام الشافعي مقالة الليث فماذا قال: قال: قَصَّرَ الليث، ثم قال الشافعي قال: لو رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء أيهما أشد استحالة وأشد خرقًا للعادة؟ الطيران، يقول: لو صار الأمر أعظم من ذلك لو رأيتموه يطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، إذن هذا هو شرط الولاية عندنا، شرط الولي كما جاء في نصوص الكتاب والسنة ألا وهو الإيمان والتقوى.

أما قضية الكرامات سيأتي معنا في العبارة.

يقول: بعض الناس يَرد عليهم مثلًا بعض الأشياء المعجزة مثلًا يتنبأ بشيء فيحدث أو يؤول رؤية فتقع، هل يدخل هذا فيما نتطرق إليه الآن؟ أو أنه من توفيق الله؟.

يعني كيف أنه يحصل ماذا؟ أنه يرى رؤية ثم..؟

مثلاً يخبر بشيء في المستقبل يتنبأ بشيء في المستقبل قد يحدث كذا في وقت كذا...

إذا كانت المسألة قد تكون أحيانًا من باب الفراسة، يتفرس أنه سيحصل في المستقبل كذا سيحصل كذا، الفراسة العلماء تحدثوا عنها، وبينوا أن الفراسة قد تكون فراسة إيمانية سببها الإيمان والتقوى والصلاح وأكل الحلال والبعد عن الحرام والمشتبهات، فهذه فراسة إيمانية تقع لجملة من الصالحين وجملة من الأولياء، وقد تكون الفراسة النوع الثاني كما يقولون: فراسة رياضية، ما هي الرياضة المعهودة، وإنما المقصود أنه يروض بدنه، فبعض الناس مثلًا يروض بدنه لا يكثر من الأكل لا يكثر من النوم يتخفف من هذه الأمور الجسمانية الجسدية فيحصل عنده صفاء روح، فهذا يكون عنده فراسة، لكن هذه الفراسة التي يسميها العلماء الفراسة الرياضية هذه قد تكون للمؤمن والكافر والبر والفاجر، وهناك فراسة كما يقولون خلقية، يعني أنه من خلال الخلق يعرف الخُلق، مثلًا يقول لك: والله مثلًا هذا فلان رأسه كبير إذن هذا عقله كبير، يستنبطون من خلال توقد العينين على صفات تتعلق بأخلاقه وآدابه، العلماء يتحدثون عنه في موضوع الفراسة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم).

(قد نؤمن بما جاء من كراماتهم) يعني كرامات الأولياء (وصح عن الثقات من رواياتهم) يعني هذه العبارة (صح عن الثقات) كما نبه بعض العلماء هذه العبارة جميلة من الطحاوي من جهة أن الكرامات يقع فيها مبالغات، وأخبار لا تثبت، وأخبار لا تصح، فالعبرة بالكرامات بما ثبت وصح.

نبدأ بالحديث عن الكرامة من جهة التعريف: الكرامة هي أمر خارق للعادة، يظهره الله -تعالى- على يد عبد صالح إكرامًا له، إكرامًا لمن؟ إكرامًا لهذا العبد، الصالح.

الأمر الأول: كرامات الأولياء هي من آيات الأنبياء؛ ولهذا كما قال ابن القيم وغيره: لا حاجة إلى أن نشغل أنفسنا بالحديث عن الفرق بينهما؛ لأن هذه الكرامة التي تحصل للولي تعتبر معجزة للنبي، أليس كذلك؟ من جهة أن هذا الولي الصالح ما حصلت له هذه الكرامة إلا بسبب اتباعه لهذا النبي، بسبب إيمانه وتقواه والتزامه بسنة النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا أمر.

الأمر الآخر الذي نؤكد عليه: أن علينا وعليكم أن نحرص على الإيمان والتقوى، هذا هو المطلوب، الاستقامة على طاعة الله، لا يكون الإنسان يستشرف ويتشوف للكرامة، إنما عليه أن يحرص على ما طُلِبَ منه شرعًا، المطلوب منا الإيمان، المطلوب منها أن نتقي الله، ليس المطلوب منا أن تحصل لنا كرامات؛ ولهذا قال أبو علي الجوزجاني -رحمه الله- قال: كن طالبًا للاستقامة، لا طالبًا للكرامة، لماذا؟ لأن الله -سبحانه وتعالى- فرض عليك الاستقامة، وأما النفس فهي التي تميل وتستشرف إلى الكرامة.

هذه الكرامات أثبتها أهل السنة، وأنكرها المعتزلة ونحوهم، فهؤلاء أنكروا كرامات الأولياء وإنكارهم لكرامات الأولياء هو في الواقع إنكار لأمر محسوس؛ لأن هذا أمر ظاهر بين.

يقول: بالنسبة كنا قرأنا في كتب للأستاذ محب الدين الخطيب أنه قال عن الرافضة: إنهم يقولون: إنهم عندهم مصحف مثل مصحفكم ليس فيه آية من آياتكم، هذا كنا قرأناه من فترة، فهل لكل ما يعتقده الرافضة من أن الولي -كما ذكرت حضرتك في الحلقة الماضية- أعلى من النبي، أو لما يقولونه من سب الصحابة أو للمعتقدات الفاسدة كلها عندهم، هل هم على هذا الوضع يعتبرون ليسوا من ضمن طوائف المسلمين؟.

سؤال الأخ في قضية ما ذكره محب الدين الخطيب، يعني محب الدين الخطيب له جهده المشكور في الرد على الرافضة سواء من خلال رسالته "الخطوط العريضة" والرسائل المباركة الموجزة أو من خلال تعليقاته -رحمه الله- على كتاب "العواصم من القواصم" لابن العربي المالكي، نعم هذا المعروف في كتبهم، وأنا أنصح الإخوة في هذا الدرس بأن يرجعوا إلى رسالة الأصول أصول الشيعة الإثنى عشرية للدكتور ناصر القفاري، رسالة في ثلاث مجلدات عرض للمسألة التي ذكرها السائل في قضية معتقدهم في المصحف، فالموجود في جملة من كتبهم أنهم يرون أن هذا المصحف الذي بين أ يدينا هذا القرآن العظيم الذي يبدأ من الفاتحة وينتهي بسورة النساء، يرون أنه محرف ومبدل، وأن عندهم مصحف يسمى مصحف فاطمة، طبعًا هذا موجود عند جملة من أئمة الضلال منهم وإلا عوامهم وهؤلاء الهمج الرعاع لا يعلمون شيئًا، وربما أنك تجد عوام الرافضة بما عند بعضهم من بقايا الفطرة وبقايا الإسلام تجد أنهم يقرءون القرآن كما يقرأه سائر الإسلام فلا يظن البعض أن فيه تعارض من جهة أن هذا هو الموجود في كتبهم، وهذا المتقرر عند هؤلاء الروافض؛ ولهذا يندر في الروافض من يكون حافظًا للقرآن؛ لأنهم لا يعتبرون هذا القرآن له منزلة ولا قيمة، وبناءً على هذا نجد أن جملة من العلماء المحققين يحكمون على الروافض بخروجهم عن الملة، يعني هذه القضية يا إخوان دين نحن لا نريد أن نجامل أحدًا، والذي يقرأ كلام العلماء المتقدمين من أمثال الإمام البخاري -رحمة الله عليه- الذي كان يقول: «ما أبالي صليت خلف يهودي أو نصراني أو خلف جهمي أو رافضي» هذا الإمام البخاري ما أحد يقول: إنه وهابي، ولا يقول أحد: إنه كذا، هذا الإمام البخاري الذي توفي في زمن متقدم سنة ستة وخمسين ومائتين، وكلامه هكذا، فما بالك بما ظهر من عقائد الرفض التي فيها من الزندقة ما لم يظهر في العصور السابقة، جملة من عقائد الرافضة المضللة والزندقة المكشوفة لم تظهر إلا في عصور متأخرة، فكيف إذا انضم إلى ذلك قضية الطعن في الصحابة وتضليل الصحابة والاستغاثة بالأئمة وعبادة الأئمة كيف إذا انضم إلى ذلك عقيدة التقية وعقيدة البداء؛ ولهذا لو رجعتم إلى هذا الكتاب الذي ذكرته فقد عقد المؤلف فصلًا مستقلًا وتتبع كلام العلماء من المتقدمين والمتأخرين في مسألة الحكم على الرافضة وبيَّن أن القوم بعقائدهم هذه قد خرجوا من ملة الإسلام، والله المستعان.

نرجع إلى موضوع كرامات الأولياء، نحب أن نشير إلى أن بعض كرامات الأولياء، يعني الكرامة التي حصلت: مثلًا أسيد بن حضير -رضي الله عنه- أنه لما كان يقرأ سورة الكهف تنزلت السكينة أو تنزلت الملائكة لقراءته -رضي الله عنه- ومن ذلك مثلًا أن عمران بن حصين -رضي الله عنهما- كانت الملائكة تسلم عليه، هذا من كرامات بعض الصحابة، أيضًا كان سلمان الفارسي -رضي الله عنه- وأبو الدرداء -رضي الله عنه- كان متآخين كانا يأكلان في صحفة طعام -في وعاء طعام- فسبح هذا الوعاء أو سبح ما فيه.

أيضًا نجد مثلًا خبيب بن عدي -رضي الله عنه- لما كان أسيرًا عند المشركين في مكة كان يأكل العنب ولم يكن في مكة ولا عنبة واحدة.

أيضًا نجد مثلًا أم أيمن -رضي الله عنها- خرجت مهاجرة فأدركها العطش وكادت أن تهلك فإذا بها بدلو من ماء ينزل فتشرب منه وبعد هذا الشرب لم تظمأ بعد ذلك أبدًا.

هذه جملة من كرامات هؤلاء الصحابة الكرام، والكرامات في التابعين أكثر منها في الصحابة، وهذا يؤكد أن الكرامة ليست شرطًا في الوَلاية، لاحظ أن الكرامة في التابعين أكثر منها في الصحابة، ولا أحد يشك أن الصحابة أفضل، وكما قال بعض العلماء -رحمة الله عليهم- قال: مشى أقوام على الماء من باب الكرامة، وهلك بالعطش من هو أفضل منهم، فالكرامة ليست هي علامة وليست شرطًا، وإنما الشرط هو الإيمان والتقوى، وإن حصلت الكرامة فهذا من عاجل بشرى المؤمن، وإلا على المؤمن أن لا يستشرف لها، هذا أمر.

الأمر الآخر الذي نحب أن نؤكد عليه أنه أحيانًا في بعض كتب العقائد يفرقون بين الكرامة وبين المعجزة بتفريق ينبغي أن نقف عنده، فيقولون: المعجزة شرطها التحدي والكرامة ليس من شرطها ذلك، وهذا كلام غير صحيح، أولًا من جهة المعجزة، معجزات الأنبياء، أو بالأحرى آيات الأنبياء قد تقع بدون تحدي، أليس كذلك؟ يعني كونه -عليه الصلاة والسلام- في حضرة الصحابة -رضي الله عنهم- والطعام يسبح في يده الشريفة في يده الكريمة -عليه الصلاة والسلام-، هذا ما فيه تحدي، أيضًا العكس لما يقولون: إن الكرامة يجعلونها من شرطها عدم التحدي، ليس الأمر كذلك فقد يقع في الكرامة يقع التحدي، ومن ذلك قصة خالد بن الوليد لما حاصر قوم من الكافرين وطلبوا من أجل أن يتأكدوا من صدقه أن يتعاطى السم فتعاطاه -رضي الله عنه- ولم يضره، هذا تحدي، أيضًا مثلًا أبو مسلم الخولاني في قضية النار التي أوقدت له من الأسود العنسي، وغلام الأخدود هذه من قبل، غلام الأخدود تحداهم ولا ما تحداهم؟

كذلك أيضًا البعض يقول لك: إن الكرامة ليس فيها إظهار، يعني ويقول لك: إن المعجزة فيها إظهار، نقول أيضًا هذا غير دقيق، بل أيضًا يحصل في الكرامة إظهار، يعني عندك العلاء بن الحضرمي لما مر بهم هذا البحر وهو يغزو في سبيل الله أظهر كرامته، أليس كذلك؟ واستطاع أن يتجاوز هذا البحر دون أن يصيبهم غرق.

أيضًا مثلًا قضية عمر لما قال الفاروق: يا سارية الجبل، هذا أمر ظاهر ولا خفي؟ أمر ظاهر بدليل أن سارية وهو بينه وبين عمر مسافات شاسعة، سمع قول عمر وهذا كرامة لعمر، سمعه وفعلًا لزم الجبل وحصل له الخير والنصر.

يقول: هناك ما يعرف بتصنيف "ديوي" للكتب، ونجد في تصنيفه تقديم كتب الفلسفة وعلم النفس على كتب الدين الإسلامي، فما واجب المسلمين تجاه ذلك؟.

يعني هذا التصنيف معروف تصنيف عالمي الذي يسمونه تصنيف "ديوي" في الكتب، على كلٍ أقول هذا التصنيف ليس توقيفيًا وليس له قداسة كما يقال يعني يمكن يعدل ويوظف فتجده مثلًا هو يجعل الدين يجعل له رقم معين، فنحن مثلًا بالنسبة لنا أصحاب العلوم الشرعية أصحاب العقائد أصحاب الحديث نجد أن ما يتعلق بالتراث الشرعي الديني هو أهم شيء عندنا، لكن هو مثلًا يضع لك الفلسفة يضع لك ما يسمونه مثلًا الفنون الجميلة، فيمكن يعدل أقول يعدل وما كان حقه التقديم يقدم وما كان حقه التأخير يؤخر.

أسئلة الحلقة القادمة.

السؤال الأول: من آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام؟

السؤال الثاني: ما تعريف الكرامة؟

 

 

طباعة

2938  زائر

إرسال


الترك المطلوب : قال شريح : فو الله لا تجد فَقْد شيء تركته لوجه الله. طبقات ابن سعد 6/136
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 

الوهابية في مواجهة الغلاة
***

نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية
***

نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية
***

سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها
***

خدمة الواتس اب
***

صفة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ونفعها للعصاة
***