التاريخ : 30/5/1428 هـ

الدروس العلمية

د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

الدرس العشرون - من قوله: (ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون)

الدرس العشرون

من قوله: (ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مالك يوم الدين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

أسئلة الحلقة الماضية:

السؤال الأول: أكمل ما يلي: الجنة والنار مخلوقتان... والجنة لا تفنى خلافًا...؟

وكانت الإجابة:

الجنة والنار مخلوقتان خلافًا للمعتزلة والقدرية، فإنهم أنكروا أنها مخلوقة الآن، والجنة لا تفنى خلافًا للجهم بن صفوان إمام المعطلة فإنه قال بفناء الجنة والنار.

الإجابة صحيحة.

السؤال الثاني: الفروق بين الاستطاعة الكونية والاستطاعة الشرعية؟

وكانت الإجابة:

الاستطاعة الكونية هي من التوفيق التي يختص بها الله دون الخلق، وأما الشرعية فهي سلامة الصحة والوسع وسلامة الآلات، وكذلك الكونية موجبة يتحقق بها الفعل، والشرعية مجوزة للفعل، فقد يفعل وقد لا يفعل، وكذلك الكونية مقترنة مع الفعل، والشرعية تكون قبل الفعل.

إجابة سديدة وموفقة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى- في عقيدته: (ولم يكلفهم الله -تعالى- إلا ما يطيقون، ولا يطيقون ما كلفهم، وهو تفسير: لا حول ولا قوة إلا بالله، نقول: لا حيلة لأحد ولا تحول لأحد ولا حركة لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله تعالى، وكل شيء يجري بمشيئة الله -تعالى- وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون).

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

قال الإمام أبو جعفر الطحاوي -عليه رحمة الله-: (ولم يكلفهم الله -تعالى- إلا ما يطيقون) هذه العبارة فيها أمور:

الأمر الأول: دل عليها قوله تعالى: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286] وقوله -سبحانه وتعالى-: ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ [الأنعام: 152] فقال -عز وجل-: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ في هذه الآية قال الإمام سفيان بن عيينة في قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ إلا يسرها، فالله -سبحانه وتعالى- من رحمته أنه -سبحانه وتعالى- لم يكلف عباده إلا ما فيه اليسر، كما قال -عز وجل-: ﴿ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، هذا أمر.

الأمر الآخر: ينبغي أن ننبه الإخوة وننبه من يشاهد هذه الحلقة: أن الشرائع ليس كما يظن البعض أن فيها معنى الكلفة والمشقة لا.. ليس الأمر كذلك، فهذه الشرائع من صلاة وحج وزكاة وسائر هذه الأمور هي قرة العيون، وبهجة النفوس، فلا نجد الراحة والطمأنينة إلا بالالتزام بشرع الله؛ ولهذا كان المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يقول: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) فالمقصود أن هذه لا يقال عنها تكاليف، نعم هي فيها ما تكرهه النفوس وحظوظ النفوس كما قال -عليه الصلاة والسلام-: (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار الشهوات) لكن هذا الشيء الذي تكرهه النفوس من جهة الشهوات هذا الأمر الذي تفعله ويفعله المؤمن من صلاة، وإن خالف هواه سيجد من انشراح الصدر وقرة العين وبهجة النفس ما لا يوصف؛ ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام- كما سمعنا: (وجعلت قرة عيني في الصلاة).

فهنا بعدها قال -رحمه الله-: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) يقول الطحاوي: لا يطيق العباد إلا ما كلفهم، هذه العبارة كما أشار ابن أبي العز -رحمة الله عليه- هذه العبارة فيها قلق، بمعنى أن الطحاوي لم تكن عبارته دقيقة في هذه الجملة وهو الآن يقول: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) وليس الأمر كذلك، فالله -سبحانه وتعالى- لو فرض علينا صلاة سادسة نطيق أم لا نطيق؟ نطيق، ولو فرض الله علينا صيام شهر غير رمضان لأطقنا ذلك، لكنه -سبحانه وتعالى- من رحمته وكرمه -عز وجل- أنه -سبحانه وتعالى- لم يكلفنا إلا ما فيه اليسر كما سمعنا في قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، وقال -عليه الصلاة والسلام-: (بعثت بالحنفية السمحة) فهذه الشريعة فيها السماحة واليسر ولله الحمد والمنة، هذا ما ينبغي أن ينبه عليه في هذه العبارة.

يقول: ما الأفضل في مثل هذه العبارة؟

يعني هذه العبارة ليست دقيقة؛ ولهذا ابن أبي العز تعقبها، هو لو قال: ولم يكلفهم الله -تعالى- إلا ما يطيقون، ثم استمر دون هذه العبارة استغني عنها لكان أليق؛ لأنه لما يقول: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) -كما ذكرنا- أن الله -تعالى- لو كلفنا بصلاة سادسة، لو فرض الله علينا مثلًا الزكاة أكثر من مرة في العام لكان هذا في مقدور الناس، لكن الله -سبحانه وتعالى- لم يكلفنا ما فيه طاقتنا، وإنما كلفنا ما فيه اليسر والسهولة علينا ولله الحمد.

يبقى عندنا هنا في تفسير الحوقلة (ولا حول ولا قوة إلا بالله) ذكر عندكم الطحاوي -رحمه الله- التفسير الذي سمعناه قال: (لا حيلة لأحد ولا حركة لأحد ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله) هذا المعنى الذي ذكره الإمام الطحاوي جاء بمعناه عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فابن مسعود الصحابي الجليل فسر هذه العبارة بما يلي:

يقول ابن مسعود -رضي الله عنه- في تفسير الحوقلة قال: «لا تحول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله تعالى» وهذا الكلام الذي قاله الصحابي الجليل ابن مسعود، قال عنه الخطابي في شأن الدعاء قال: هذا أحسن ما فسرت به الحوقلة، وكلام الطحاوي هنا فيما سمعناه قريب من كلام ابن مسعود -رضي الله عنه-.

لكن الذي يبدو -والله أعلم- الذي عليه الجمهور أن الحوقلة أعم من ذلك كله، تلحظون في تعريف الطحاوي ومن قبل الصحابي الجليل ابن مسعود أنهم جعلوا التحول عن المعصية والقوة على الطاعة، لكن الذي يبدو من خلال لفظ الحوقلة أن الأمر أعم من ذلك كله، فأنت الآن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فهنا لما تنظر إلى "لا" وهذه نافية للجنس، و"حول" هنا نكرة جاءت في سياق النفي فتفيد العموم، إذن هنا الحوقلة لما نقول: "لا حول" أي لا تحول من أي حال إلى حال، لا تحول مثلًا من المرض إلى الصحة إلا بالله، ولا تحول من المعصية إلى الطاعة إلا بالله، ولا تحول من الفقر إلى الغنى إلا بالله.. وهكذا، فلا تحول من أي حال من الأحوال سواءً الدينية أو الدنيوية إلا به -سبحانه وتعالى- فهو المستعان وعليه التكلان.

ثم نأتي إلى كلمة "ولا قوة" "لا حول ولا قوة إلا بالله" فالمعنى بالقوة هنا: القدرة على ذلك، يعني القدرة على ذلك التحول، القدرة على التحول من الفقر إلى الغنى، القدرة على التحول من الجهل إلى العلم، القدرة على التحول من المرض إلى الصحة، فكل ذلك به -سبحانه وتعالى- فهو المستعان، المقصود أن الذي نقل عن الجمهور واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذه الكلمة كلمة عامة أم تختص بما جاء عن الصحابي الجليل أو ما قاله الطحاوي؟ أنها عامة، لا تحول من أي حال إلى حال، ولا قوة على هذا التحول إلا به -سبحانه وتعالى-، وهنا في ختام الكلام عن الحوقلة نذكر بكلام مهم ذكره ابن القيم -رحمة الله عليه- في كتابه "الوابل الصيب" لما تكلم عن الحوقلة، قال -رحمه الله- كلامًا ما معناه أن هذه الكلمة كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله" لها تأثير عجيب في ركوب الأهوال واقتحام الأمور، فالإنسان إذا كان عنه أمور عظيمة يريد أن يؤدي عملًا عظيمًا ومشروعًا كبيرًا وعملًا جسيمًا فعليه بالحوقلة، للأسف أن كثير من الناس أو الكثير من المسلمين لا يقولون الحوقلة إلا في حال المصائب، لا.. ليس الأمر كذلك، هذه الحوقلة تقال عندما يريد الإنسان أن يعزم على عمل، أو يعزم على أمر عليه أن يستعين بالله -سبحانه وتعالى-، وكما كان -عليه الصلاة والسلام- يقول:(اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين) هذا ما يتعلق بهذه الحوقلة.

الكلام الذي بعده ظاهر وبيِّن، ومر بنا في موضوع القدر، لما قال الطحاوي -رحمه الله-: (وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه) قضائه طبعًا الكوني (وقدره) نعم، قال تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ ﴾ [الإنسان: 30] ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ﴾ [الأحزاب: 38] قال بعدها: (وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا، لا يسأل عما يفعل وهو يسألون) هنا تحدث -رحمه الله- عن أنه -سبحانه وتعالى- منزه عن الظلم، وهذا الموضوع -كما قلنا- هو من موضوعات القدر، ونتحدث الآن في هذه المسألة عن معنى الظلم، ما معنى الظلم الذي ينزه الله -تعالى- عنه؟

بإيجاز شديد: الظلم معناه في لغة العرب ومعناه عند أهل السنة أيضًا: الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، والله -سبحانه وتعالى- منزه عن الظلم، قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49] وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا ﴾ [يونس: 44]، وجاء في حديث أبي ذر الحديث القدسي، قال -عليه الصلاة والسلام-: قال الله -تعالى-: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالمو) فإذن الله -سبحانه وتعالى- منزه عن الظلم وموصوف بأنه -سبحانه وتعالى- أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين -سبحانه وتعالى-.

إذن اتضح لنا ولكم أن الظلم معناه الصحيح الذي جاء في كتب اللغة والذي قرره أهل السنة هو وضع الشيء في غير موضعه؛ ولهذا الذي أشرك بالله هذا يعد ظالمًا، ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]؛ لأنه وضع العبادة في غير موضعها وهكذا، هذا ما يتعلق بالظلم عند أهل السنة.

أما الجبرية بما فيهم الأشاعرة، فقالوا: إن الظلم هو التصرف في ملك الغير. وقالوا: إن الظلم ممتنع عن الله، يقولون: يستحيل، ممتنع عن الله -سبحانه وتعالى-، فنأتي نناقش هذا الكلام، وهو لما نقول: إن الظلم هو التصرف في ملك الغير، ويقولون: هذا الظلم ممتنع مستحيل، فقولهم: إن الظلم ممتنع مستحيل، نحن نسألكم أيها الطلاب: أيهما أحق بالكمال، لما يكون هناك أمير أو ملك لا يظلم أو شخص صعلوك لا قدرة له ولا قوة ولا يستطيع أن يظلم لضعفه ومهانته؟! أيهما أكمل؟!

صاحب القدرة.

نعم لا شك؛ لأن صاحب هذا الملك أو هذا السلطان الذي لا يظلم عنده قدرة أن يظلم ولا ما عنده قدرة؟

نعم.

وأيهما أكمل؟ الذي يقدر أن يظلم فلا يظلم؟ أما الذي لا يظلم لعجزة؟ فهنا كذلك لما يقولون: الظلم ممتنع عن الله ليس كمالًا، لكن نحن نقول: الله -سبحانه وتعالى- يقدر على ذلك، لكنه -سبحانه وتعالى- حرم ذلك على نفسه -سبحانه وتعالى-، هذا أمر.

والله -سبحانه وتعالى- له الكمال، فإذا كان المخلوق مثلًا عندما يقال مثلًا في الحديث الصحيح: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) قال -عليه الصلاة والسلام-: (إمام عادل) لما يأتيك إمام صاحب ولاية وصاحب سلطة ولا يظلم، هذا يعد مدحًا.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- أثنى على النجاشي وقال: (إن فيها ملك لا يظلم)، المقصود أن الظلم ليس ممتنعًا عن الله ولا مستحيلًا فهذا لا يعد كمالًا ولا مدحًا، وإنما هو -سبحانه وتعالى- يقدر على ذلك، لكنه -سبحانه وتعالى- حرم ذلك على نفسه تكرمًا وتفضلًا وتحقيقًا لهذا الكمال المطلق له -سبحانه وتعالى-.

أمر آخر لما يقولون الظلم هو التصرف في ملك الغير، التصرف في ملك الغير ليس أمرًا دقيقًا، ليس أمرًا صائبًا، ما وجه ذلك؟ وجه ذلك لما يأتي شخص مثلًا الآن ويأخذ المال من جيبه، يخرج المال من جيبه، ماله الذي في جيبه يخرجه ثم يحرقه، هل هذا يعد عدلًا أم يعد سفهًا؟ سفهًا، طيب الآن هذا تصرف في ملكه ولا تصرف في ملك غيره؟ تصرف في ملكه، فهذا لا يعد عدلًا هذا يعد سفهًا، فليس كل تصرف في ملك الإنسان يعد عدلًا.

في المقابل أيضًا في الرد على من يقول: إن الظلم هو التصرف في ملك الغير، نرد على هؤلاء: لما القاضي مثلًا القاضي الشرعي لما يحجر على السفيه أليس كذلك؟ هذا رجل سفيه ليس عنده رشد في تصريف ماله، فيرى القاضي من باب المصلحة الشرعية أن يحجر على ماله، فالآن القاضي تصرف في ملك غيره ولا ما تصرف؟ هل يعد ظالمًا؟ لا..لا.. يعد ظالمًا بل هذا هو عين الحكمة أن يحجر على السفيه، فالمقصود أن تعريف الظلم التصرف في ملك الغير ليس تعريفًا دقيقًا ولا صائبًا، هذا تعريف الظلم عند الجبرية بما فيهم الأشاعرة.

ننتقل إلى الطرف المقابل: فإذا قلنا الظلم عند الجبرية ننتقل إلى الظلم عند القدرية، الذين هم المعتزلة ونحوهم، فهؤلاء ماذا يقولون؟ يقولون: الله -تعالى- منزه عن الظلم، لكن الظلم عندهم ماذا؟ يفسرون الظلم ويقيسون الخالق بالمخلوق قياس تمثيل، ما معنى هذا؟ يقولون: إن الله -سبحانه وتعالى- لو قدر المعصية على العبد وعاقبه لكان ظلمًا؛ ولهذا قالوا: العدل عند المعتزلة أن الإنسان يخلق فعل نفسه، وهل هذا مدح لله -سبحانه وتعالى-؟ لاحظوا الآن هم يقولون: الظلم، الظلم عندهم ماذا؟ إن الله -تعالى- يقدر على العبد المعصية ثم يعاقبه عليها، العدل عندهم ماذا؟ أن الإنسان يخلق فعل نفسه، فهم أرادوا أن ينزهوا الله -تعالى- عن الظلم لكن وقعوا في شر من ذلك، وهم أنهم أخرجوا أفعال العباد عن ملك الله -سبحانه وتعالى-، فجعلوا مشيئة العبد تغلب مشيئة الله -تعالى- تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

ونختم هذا الموضوع بحديث ذكره الشارح، وأورد كلام ابن القيم في معناه وهو حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (لو أن الله عَذَّبَ أهل سماواته وأهل أرضه لعذبه وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم) أخرجه أحمد وأبو داود.

نترك هذه المسألة وننتقل إلى ما بعدها.

يقول: كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله" هل هي ذكر أم دعاء؟.

هي لا شك أنها لو قلت دعاء، هي دعاء عبادة، فهي ذكر، قال -عليه الصلاة والسلام- لأبي موسى الأشعري قال: (ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله) فهي يجتمع أنها هي ذكر وهي دعاء، نعم هي ذكر لله -سبحانه وتعالى- لما فيها من الثناء على الله وأن الله -تعالى- هو المستعان وعليه التكلان، فهي ذكر وهي أيضًا دعاء، نعم هي دعاء عبادة، ودعاء العبادة هو الذكر، أنت الآن إذا قلت سبحان الله هو يجتمع فيه الأمران: أنه ذكر وأنه دعاء عبادة، وإذا قلنا إنه دعاء عبادة فدعاء العبادة يستلزم دعاء المسألة، أنت الآن لما تقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله" أنت الآن تثني على الله -سبحانه وتعالى- هذا الثناء وهذا الدعاء الذي هو دعاء عبادة يستلزم المسألة، يستلزم الافتقار والتضرع والانكسار بين يديه -سبحانه وتعالى-، فيجتمع فيه الأمران.

يقول: الطحاوي قال: (ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله إلا بتوفيق الله) فهل هناك فرق بين معونة الله وتوفيق الله؟.

إذا لم يكن عون من الله للفتى

فأول ما يجني عليه اجتهاده

لا..، هو يبدو لما قال هنا: (لا حيلة لأحد ولا حركة لأحد ولا تحول لأحد إلا بمعونة الله) فهنا لما جاء التحول من حال إلى حال، لابد فيه من عون الله سبحانه وتعالى.

ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليه إلا بتوفيق الله، التوفيق هنا بمعنى هو بمعنى الإعانة؛ لأننا نجد العلماء يفسرون التوفيق بالإعانة، والتوفيق يقابله الخذلان، الخذلان أن يكل الله -تعالى- العبد إلى نفسه، فإذا وُكِلَ إلى نفسه لا تتحقق له الإعانة، فيبدو أن المعنى متقارب، لكن نحن كلامنا في هذا يا أخي الكريم أن الطحاوي -رحمه الله- كأنه الآن جعل التحول فيما يتعلق بالمعصية والقوة على الطاعة قريب من كلام ابن مسعود -رضي الله عنه- والصواب العموم أنه يتناول التحول من أي حال إلى حال كما سمعنا كلام شيخ الإسلام، ونسبه إلى الجمهور والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات).

هذه المسألة هي كما تلحظون هي من مسائل الفروع، وسبق أن قلنا أو مر بنا أكثر من مرة: إن أهل السنة يضمنون متون الاعتقاد جملة من مسائل الفروع التي يخالف فيها البدع وتكون شعارًا لهم، وهنا لما يقول: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات) هذه المسألة تبحث في كتب الجنائز -كما لا يخفى- وفيها يهدى للميت من القرب والطاعات، فالطحاوي -رحمه الله- أوردها في كتابه مخالفة لأهل الكلام، والشوكاني -رحمه الله- في "نيل الأوطار" نص على أنهم المعتزلة، فالمعتزلة أو أهل الكلام عمومًا يرون أن الميت لا ينتفع بأي شيء، لا ينتفع لا بدعاء ولا بشيء مما يهدى إليه، لا ينتفع بالدعاء ولا بالصدقة ولا غير ذلك، فهذا فيه رد على أهل الكلام القائلين بأن الميت لا ينتفع بشيء من سعي الأحياء.

فهنا لاحظ الطحاوي قال: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات) فهذا أمر محل اتفاق، أننا إذا دعونا لهذا الميت أنه ينتفع بهذا الدعاء، وأيضًا إذا تصدقنا عنه ينتفع، وهذا محل اتفاق بين أهل السنة والجماعة أن الميت ينتفع بهذه الأمور، ينتفع بدعاء المسلمين، ينتفع بالصدقة، كما في الحديث في مسلم قال -عليه الصلاة والسلام-: (ما من مسلم يموت ويصلي عليه أربعون شخصًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه) أيضًا عندك الصدقة في حديث سعد بن عبادة لما ماتت أمه قال: (أن أمي أُفتتلت نفسها أفأتصدق عنها؟) فتصدق عنها، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أقر ذلك، فالميت ينتفع بما يهدى إليه من الصدقات، فهذا محل اتفاق، أيضًا الحج كما جاء في قصة الخثعمية الجهنية، لما غسلها قال: (حج عن أبيكِ واعتمري) فهذا محل اتفاق.

أيضًا من الأمور التي هي محل اتفاق بين أهل السنة والجماعة ما تسبب فيه الميت، يعني كون الميت أوقف وقفًا صدقة جارية ينتفع بهذا، قال -عليه الصلاة والسلام- كما في حديث أبي هريرة: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).

يبقى الخلاف الذي أطال فيه الشارح ونقله عن كلام ابن القيم في كتاب "الروح" قضية العبادات البدنية هل ينتفع بها؟ يعني هل يسوغ أن يصلي على الميت أو أن يقرأ القرآن ويهدى ثوابه إلى الميت، فنجد أن مثلًا مذهب أبي حنيفة وأحمد أنهم يتوسعون في ذلك من جهة إهداء ثواب العبادات البدنية ويلحقونها بالعبادات المالية، يعني العبادات المالية مثل الصدقة، الصدقة مشروعة ولا ما مشروعة؟ مشروعة يعني الدليل واضح في هذا، وبعض العلماء يمنعون ذلك، ومنهم مذهب مالك والشافعي، فيقتصرون على العبادات المالية، واضح الخلاف الآن؟ والذي يختاره بعض المحققين ويفتي به المشايخ عندنا هنا -مشايخ اللجنة الدائمة هنا في السعودية-: أن فعل القرب وإهداؤه للميت يقتصر فيه على ما جاء به الدليل، يقتصر فيه على ما ورد به الدليل، الصدقة جاء بها الدليل، الصيام قال -عليه الصلاة والسلام-: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) الحج كما سمعنا، الذي اختاره مشايخ اللجنة الدائمة هنا في السعودية، أن يختصر على ما جاء به الدليل، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

يبقى عندنا مسألة نختم بهذا المسألة الجزئية، وهي قضية أن الذين منعوا أن الميت ينتفع بسعي غيره، احتجوا بآية النجم في قوله تعالى: ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ﴾ [النجم: 39] فاحتجوا بهذه الآية على أن الميت لا ينتفع بسعي الأحياء، فالعلماء لهم عدة أجوبة في الرد على هذا الاستدلال، فلعل أظهر وأقوى الردود في هذه المسألة: أن نقول هذه الآية ليس لهم أن يحتجوا بها على أن الميت لا ينتفع بسعي الأحياء، ما وجه ذلك؟ وجه ذلك تأملوا في الآية الله -تعالى- قال: ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ﴾ ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنْسَانِ ﴾ فهنا اللام لام الملك، فالإنسان إنما يملك سعيه، والملك شيء والانتفاع شيء آخر، فهذا الانتفاع ينتفع به الغير، وإن كنت مالكًا له، ومثال ذلك مثلًا لو أن شخص عليه دين ألف ريال، وأنت قضيت هذا الدين عنه، تبرأ ذمته ولا ما تبرأ؟ تبرأ ذمته، لكن من الذي يملك المال؟ أنت ولا هو؟ نعم الذي يملك المال هو الذي قضاه، وانتفع به هذا المدين، واضح الآن؟ إذن نحن نقول: الآية الكريمة هل نفت انتفاع الرجل بسعي غيره؟ أم نفت ملكه لسعي غيره؟ ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ﴾ نقت ماذا؟

نفت انتفاعه من سعي غيره.

لا.. ﴿ وَأَن لَّيْسَ ﴾ قلنا اللام لام الملك، إذن نفت أن يملك سعي غيره أو أن ينتفع بسعي غيره؟ ما الذي نفته الآية؟ نفت الآية الكريمة أن الشخص لا يملك سعي غيره، ولم تنف الآية الانتفاع، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

تقول: بالنسبة للحديث الذي ذكرته إن الله -سبحانه وتعالى- لو عذب أهل سمائه وأهل أرضه بعدله -سبحانه وتعالى- لما كان في ذلك شيء، يعني يا شيخ أنا حصل عندي نوع من التعارض كيف ذلك؟ في الآية الكريمة ذكر الله -سبحانه وتعالى- إن في السماء يسبحون له ولا يسئمون ولا يعصون الله ما أمرهم بخلاف أهل الأرض، يعني أهل الأرض ممكن ينطبق عليهم.. إنما أهل السماء هم لا يعصون الله ويسبحون لله، وهم دائمون العبادة، حتى إن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر: أن في السماء ما فيه موضع أربع أصابع إلا وملك راكع وملك ساجد نرجو من الشيخ توضيح ذلك؟.

الكلام الذي ذكرته السائلة ابن القيم -رحمه الله- ونقل ذلك الشارح شرح هذا الحديث بما يزيل هذا اللبس أو هذا الإشكال، وهو أن قوله -عليه الصلاة والسلام-: (أن الله -تعالى- لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم) هنا "لو" حرف امتناع، فالمقصود أن أهل السماء وأهل الأرض مهما عبدوا الله ومهما قاموا بحقه -سبحانه وتعالى- فيبقى أنهم قصروا ولا ما قصروا؟ ولهذا النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول لأبي بكر الصديق -أفضل شخص بعد الأنبياء- علمه ماذا أن يقول في صلاته: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)، فالمقصود أن العبد أو الشخص سواءً كان من أهل السماء أو من أهل الأرض إذا نظر إذا نعم الله وإلى فضله وعظيم عطائه -سبحانه وتعالى- ونظر إلى أنه مهما أدى من الطاعة ومهما فعل من الطاعات والصالحات ولو كان صالحًا تقيًا فإنه يبقى مقصرًا ومفرطًا، وصالح البشر هم أفضل من الملائكة على المذهب الذي قرره جمهور أهل السنة والجماعة، ومع ذلك هؤلاء الصالحون لو فعلوا ما فعلوا من الحسنات فيبقى الشخص في مقام التقصير، لكن متى يشعر الشخص بالتقصير؟

أولًا: إذا تذكر ما لله -سبحانه وتعالى- من الأسماء والصفات وما له من الفضل والعطاء قال تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ [النحل: 18].

أمر آخر يتعلق بموضوعنا: أن العبد إذا صلى وصام وتصدق ودعا إلى الله وجاهد في سبيل الله هذا كله عمل الله -تعالى- هو الذي وفقه أليس كذلك؟ فالله -سبحانه وتعالى- هو الذي وفقه وأثابه، وكون العبد مثلًا ترك المعاصي من الذي أعانه على ترك المعاصي ويسر له ذلك وجنبه ذلك؟ هو -سبحانه وتعالى-، فالفضل منه -سبحانه وتعالى- أولًا وانتهاءً فأقول: إذا استصحب الشخص هذه الأمور عرف أنه مقصر ومفرط سواءً كان من أهل السماء أو من أهل الأرض والله أعلم.

يقول: بالنسبة لحلقة الأمس: تحدثتم فيها بالقول بفناء النار، وأن هذا القول له حظ من النظر وكذلك الأثر، وأنه منسوب إلى بعض الصحابة، من خلال المراجع في النسخة التي حققها جماعة من العلماء على شرح الطحاوية وكذلك تخريج الشيخ الألباني -رحمه الله- أن يذكر لنا هذه الآثار كلها غير صحيحة في تعليق خمسمائة واحد وتسعين وكذلك في خمسمائة اثنين وتسعين؛ لأنه ليس كذلك الجهم بن صفوان في موضوع الجنة وكذلك النار ليس له سند، وكذلك تضعيف الآثار جميعً.

تقول: ما الحكمة من معرفة كلام المعتزلة والأشاعرة والمذاهب الأخرى؟.

على كلٍ هو ما ذكره السائل قضية الآثار، نعم الآثار فيها كلام، والشيخ الألباني -رحمه الله- وغير الألباني منهم من يطعن في هذه الآثار ومنهم من يثبتها، ابن القيم يثبت شيئًا من هذه الآثار، وعلى كلٍ لا نزيد عما قلناه بالأمس: إن هذا القول -القول بفناء النار- هو قول له حظه من الأثر والنظر، والمسألة ما هي آثار صحابة فقط، بل عندنا أدلة من القرآن وعندنا أدلة مثلًا قضية النظر أن رحمة الله سبقت غضبه، وذكرنا أن القول الراجح في هذا: إن النار لا تفنى ولا تبيد، فالقصد أن هذا القول له حظ، وقال به أئمة، ونجد أن ابن القيم مثلًا في "شفاء العليل" ونجد أن ابن القيم في "حادي الأرواح" يذكرون أدلة ظاهرة لهذا القول وأدلة قوية كاد أيضًا شيخ الإسلام في الرسالة التي طبعت أخيرًا بعنوان "الرد على من قال بفناء الجنة والنار" ذكر أقوالًا وحججًا قوية في هذا، ومع هذا كله يبقى القول الراجح في هذه المسألة إن النار لا تفنى ولا تبيد، أقصد لو قلنا بأن الآثار ما ثبتت عن الصحابة هذا لا يعكر في قوة هذا القول، يبقى هذا القول أيضًا له أدلة من القرآن ذكرنا شيئًا منها، له أدلة من النظر قضية من جهة ما يتعلق بحكمة الله ورحمته، وأن رحمته سبقت غضبه، هذا كله مما يعزز هذا القول، وعلى كلٍ يبقى الراجح أن النار -أعاذنا الله منها- لا تفنى ولا تبيد.

تسأل عن الحكمة من معرفة كلام المعتزلة والقدرية؟.

هو لا شك التعرف على أقوال هؤلاء هو جزء من معرفة سبيل المجرمين، والله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأنعام: 55] وحذيفة -رضي الله عنه- كان يقول: (كان الناس يسألون رسول الله -عليه الصلاة والسلام- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني) فمذهب الأشاعرة هذا مجود وقائم وله مؤسساته وله جامعاته وهو يقرر هذا المذهب الفاسد، وأيضًا كذلك هناك من تلوث بآراء المعتزلة قديمًا وحديثًا فكون طالب العلم يعرف هذه الأقوال مثل ما مر بنا -يعرفها عرضًا- هذا من معرفة الشر الذي يعينه على أن يعرف الحق، وكما قال الفاروق -رضي الله عنه- عمر قال: (إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) فمعرفة هذه الجاهلية مما يجعل الإنسان يزداد انشراحًا لهذا الحق وتمسكًا به والله أعلم.

يقول: هل يجوز ختم القرآن عن الميت مثل ما يجوز الحج عن الميت أو العمرة؟.

نحن ذكرنا يعني مثلًا هنا عند الحنابلة يرون أن يقرئ القرآن ويهدى ثوابه إلى الميت، لكن ذكرنا لكم في كلام اللجنة الدائمة وهو كلام قوي في هذا أن يقتصر على ما جاء به الدليل، وهذا لم ينقل عنه -عليه الصلاة والسلام- ولا عن الصحابة الكبار أنهم فعلوا ذلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وهذا لو كان مشروعًا فهذا مما تتوفر الدواعي لنقله، كونه ما نقل مع توفر الدواعي دل ذلك على أن تركه سنة فيقتصر على ما جاء به الدليل.

يقول: بالمناسبة يا فضيلة الشيخ كثير من الإخوة طرح تساؤل عن هذا الموضوع بالتحديد: ثواب الأعمال للميت وكذا؟.

والله الذي سمعناه أنه يقتصر على ما جاء به الدليل، ويمكن يسأل أهل الفقه في هذا، لكن في هذه المسألة علينا أن نتمسك بما جاء به الدليل، الصدقة جاء بها دليل، الحج جاء به دليل، مات شخص وعليه صيام فرض أو صيام نذر عندنا الحديث: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) فهذه عبادات وقربات والعبادات والقربات مبنية على التوقيف، فليس لنا أن نهدي شيئًا إلا بدليل، والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات، و يملك كل شيء ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله -تعالى- طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر، وصار من أهل الحين، والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى).

في قوله -رحمه الله-: (والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات) هذا أمر معلوم وأمر ثابت شرعًا ومعلوم فطرة ومعلوم عقلًا أن الدعاء سبب في حصول الاستجابة، وهذا أمر متقرر، والشخص بفطرته إذا اضطربت عليه الأمور تجده يدعو الله -تعالى- ويسأله، بل هذا معروف عند الفلاسفة من قبل، الفلاسفة الوثنيون مثلًا بطليموس كان يقول عن الدعوات يقول: هذه الدعوات في هياكل العبادات تحلل ما عقدته الأفلاك المؤثرات، هكذا يقول بطليموس وهو وثني من فلاسفة اليونان، يقول: "ضجيج الأصوات بالدعوات يحلل ما عقدته الأفلاك المؤثرات"، هكذا قال هذا المشرك، المقصود أن الدعاء سبب في حصول الاستجابة قال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60] وقال سبحانه: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ [البقرة: 186].

الدعاء أيها الإخوة هو من أقوى الأسباب في حصول المطلوب، سواءً من جلب المنافع أو دفع المضار، من الذي أنكر ذلك؟

الذي أنكر أن الدعاء سبب وأبطل الدعاء هم قوم من زنادقة الفلاسفة وغلاة الصوفية، فعندنا قوم من المتفلسفة والصوفية أبطلوا الدعاء، بل إن بعضهم ألف كتابًا في إبطال الدعاء، انظروا إلى الخذلان -نسأل الله العافية- ألف كتاب في إبطال الدعاء، يقول: الدعاء ما فيه فائدة، إذا كان الله -تعالى- مقدر أنه يعطيك مال سيأتيك المال، ولا حاجة للدعاء، وإذا كان الله -تعالى- مقدر أنه لن يعطيك مال فلن يعطيك مال ولو دعوت، فنحن نقول: لا.. هذا كلام فاسد، هناك أمورًا الله -تعالى- قدرها بسبب أو بشرط، فالله -تعالى- قدر أن فلان يرزقه مالًا إن دعا، فإن دعا جاء المال، وإن لم يدعو لم يأتي المال، فلان قدر الله له العلم إذا دعا، فإذا دعا الله -تعالى- أن يرزقه العلم النافع حصل له ذلك، وإذا لم يدعو الله انتفى عنه هذا الأمر، المقصود أن الدعاء سبب في حصول الإجابة، وهذا أمر دلت عليه الأدلة وأمر ثابت فطرة وعقلًا.

الأمر الآخر الذي نذكره في هذا الباب: إن الله -تعالى- هو الذي له المنة والكرم عندما يوفق العبد للدعاء، فالله -سبحانه وتعالى- عندما يحرك العبد إلى الدعاء ويجعل عنده شعور بالفقر والاحتياج هذه نعمة عظيمة؛ ولهذا كان عمر -رضي الله عنه- عمر الفاروق يقول: (إني لا أحمل هم الإجابة، ولكني أحمل هم الدعاء)؛ لأن عمر يعلم أنه إذا وفق للدعاء ستأتي الإجابة، هذا أمر، وفي هذا المقام نذكر أنفسنا ونذكر الإخوة بالحرص على الدعاء.

مطرف بن عبد الله بن الشخير -رحمه الله- من كبار التابعين يقول: تذاكرت ما جماع الخير، فإذا الخير كثير، الصلاة الصيام الصدقة.. كل هذا خير فإذا هذا الخير بيد الله -سبحانه وتعالى-، وما بيده -سبحانه وتعالى- لا ينال إلا بالدعاء، فإذا جماع الخير الدعاء، هكذا جاء عن مطرف -رحمه الله تعالى-.

هنا نؤكد على مسألة سبق أن مر بنا وهي قضية التلازم بين توحيد العبادة والصفات، فالدعاء -كما لا يخفى- عبادة، ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: 18] هذا الدعاء أيها الإخوة يقترب بالصفات؛ ولهذا قال ابن عقيل الحنبلي -رحمه الله- قال: الدعاء فيه معانٍ منها الرحمة، فالقاسي لا يدعى، منها الكرم، فالبخيل لا يدعى، منها الغنى فالفقير لا يدعى؛ ولهذا أنت الآن لما تدعو الله -تعالى- هذا الدعاء لا ينفك عن إثبات هذه الأسماء، أنت تدعو الغني تدعو الكريم الذي قال -عليه الصلاة والسلام-: (يمين الله ملأى سحاء الليل والنهار) فالمقصود أن جملة من المعاني الأسماء والصفات تندرج في هذه العبادة الجليلة ألا وهي عبادة: الدعاء.

يبقى عندنا: (ويملك كل شيء) نعم الله -سبحانه وتعالى- هو يملك كل شيء هذا أمر معلوم، قال تعالى: ﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [المؤمنون: 88]، هو -سبحانه وتعالى- هو المالك وهو الغني ونحن الفقراء، والغنى وصف ذاتي له -سبحانه وتعالى-، والفقر وصف ذاتي لنا نحن معشر البشر، ولا يمكن أن نستغني عن الله -تعالى- طرفة عين.

وكما قال شيخ الإسلام -رحمة الله عليه-: فقر العبد إلى الله ليس له نظير، لكن يشبه -من باب التقريب- فقر العبد إلى الطعام والماء، ما أحد يستغني عن الماء، لكن فقر العبد إلى الله أعظم من فقره إلى الماء؛ لأن الشخص إذا فقد الماء يهلك هذا البدن، لكنه إذا لم يفتقر إلى الله يفقد روحه وبدنه، يفقد روحه، والروح هي الأصل؛ فلهذا تجد الذين أعرضوا عن الله تجد أن عندهم من الشقاء والنكد والقلق ما لا يوصف، فصدق الله -سبحانه وتعالى- لما قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: 15] نحن فقراء إلى الله، والفقر إلى الله على قسمين: فقر إلى ربوبيته، وفقر إلى إلهيته، الفقر إلى الربوبية هذا يشترك فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر، ما أحد من الناس يستغني عن الهواء الذي خلقه الله ولا أحد يستغني عن الماء الذي أنزله الله، فالجميع فقراء إلى أنه -سبحانه وتعالى- هو الرب المالك المصرف، والفقر إلى عبادته هذا يختص به أهل الإيمان، فأهل الإيمان يفتقرون إلى الله ويعبدون الله ويتضرعون إليه، ويصرفون جميع أنواع العبادة له -سبحانه وتعالى- وحده لا شريك له.

يقول: ذكرتم أن الله -عز وجل- لو عذب أهل الأرض وأهل السماء لم يكن ظالمًا لهم، وذكرتم في معنى هذا النص، أن الإنسان إذا قام بطاعة الله -عز وجل- فإنه لا يمكن أن يضع هذه الطاعة في الموضع الذي يليق بالله -عز وجل- ومن ثم جاء الحديث، هل نقول: إن الله -عز وجل- يجوز له أن يعذب الورى من غير ما ذنب ولا جرم جرى كما ذكر ذلك السفاريني في عقيدته وهذا البيت، يعني سوى إشكالًا وأنتم على علم بذلك عند كثير من العلماء فهم ردوه، لكن الكلام الذي ذكرتموه قد أوقع في نفسي نوعًا من المشابهة بين هذا البيت وبين ما قلتم؟ أو أن البيت يختلف عن المعنى الذي قلتموه؟.

لو تعيد البيت؟

وجاز للمولى يعذب الورى

من غير ما ذنب ولا جرم جرى

هذا البيت للسفارينية أحدث إشكالًا عند العلماء، والمعنى الذي ذكره فضيلة شيخنا، ونحن لا إشكال أننا نعرف مقدار علم الشيخ، هذا البيت أحدث إشكالًا عند العلماء، فهل معنى هذا البيت هو نفس المعنى الذي ذكر في النص أن الله -عز وجل- لو عذب أهل السماوات وأهل الأرض لم يكن ظالمًا لهم؟ وهذا بمعنى الذي فسره شيخنا قلنا: العبد الصالح إذا قام بالطاعة فمهما قام بالطاعة فإنه لا يمكن أن يضع هذه الطاعة في الموضع الذي يليق بالله -عز وجل-، ومن ثم فهو مفرط ومقصر، وهذا المعنى فعلًا أنا قرأته عن شيخ الإسلام ابن القيم، لكن نريد البيان من شيخنا؟.

يقول: عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: كنت عند النبي -صلى الله عليه وسلم- وعنده علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يا علي: سيكون في أمتي قوم ينتحلون حبنا آل البيت لهم.. يسمون الرافضة فاقتلوهم فإنهم مشركون) رواه الطبراني، أريد أعرف ما صحة هذا الحديث؟.

مسألة أخينا الكريم هي مسألة دقيقة، وينبغي ألا نخلط بين ما سمعناه من كلام ابن القيم -رحمه الله- في الحديث الذي مر: (لو أن الله -تعالى- عذب أهل السماوات وأهل الأرض لكان غير ظالم لهم) عرفنا أن هذا معناه بإيجاز أن العبد مهما فعل من النعم، مهما أدى من الطاعات، ومهما أدى من القربات فهو لا ينفك عن التقصير، وعرفنا أن الطاعة التي يوفق لها العبد هي من الله -سبحانه وتعالى-، فالله -تعالى- هو الذي يوفق العبد وفقه وأثابه، وهو -سبحانه وتعالى- هو الذي ألهمه الدعاء واستجاب له، إذا تقرر ذلك ما قاله السفاريني في البيت الذي سمعناه قبل قليل لا يتفق مع ما سمعناه، ما قاله السفاريني هو قريب من مذهب الجبرية ونفس الجبرية، هم ينطلقون من جهة أن الظلم هو التصرف في ملك الغير، فهو الآن يقول لك: الكون كله ملك لله -سبحانه وتعالى-، كله ملك لله -سبحانه وتعالى-، يبقى ما دام أنه ملك لله -سبحانه وتعالى- فكونه مثلًا يدخل هؤلاء كلهم النار بغير جرم يقول هذا يعد عدلًا، لا.. ليس كذلك، فالله -سبحانه وتعالى- منزه عن الظلم، فالمقصود أن ما قاله السفاريني فيما أفهمه والله أعلم أن ما قاله قائم على مذهب من يفسر الظلم بالتصرف في ملك الغير؛ ولهذا يقول لك: إنه لو عذبهم من غير جرم، حكمة الله -تعالى- تأبى ذلك، يعني كيف الله -تعالى- يعذب الخلائق من غير جرم؟!! حكمة الله -تعالى- تأبى ذلك ولا يمكن، وحديث أبي ذر مر بنا: (يا عبادي: إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمً)، وإذا كان صاحب البطاقة ما معه إلا بطاقة فقط وعنده تسعة وتسعين سجل، كل سجل مد البصر ومع ذلك يقال: (لا تُظلم) ويؤتى بهذه البطاقة وتطيش بتلك السجلات ويغفر له.

المقصود أن كلام السفاريني بإيجاز: أنه مبني على أن الظلم التصرف في ملك الغير، وكونه يقول: إنه -سبحانه وتعالى- له أن يعذب الورى يعذبهم جميعًا من غير جرم فهذا ليس كذلك وحكمة الله -تعالى- تأبى ذلك.

الحديث الذي ذكرته السائلة أنا لا أعرفه.. الحديث الذي جاء في الكلام عن الرافضة، الذي أعرفه أن الأحاديث في ذم الرافضة لا تثبت يعني بهذا الاسم، نعم الأحاديث جاءت في ذم الخوارج، الأحاديث الصحيحة في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) لكن كما ذكر شيخ الإسلام: هذه الأحاديث التي جاءت في الخوارج وهي أحاديث في الصحيحين يدخل فيها من هو أسوأ منهم ومن هو أشد انحرافًا كالرافضة، لكن حديث جاء في الرافضة بأنفسهم لا يثبت في ذلك حديث فيما أعلم والله أعلم.

أسئلة الحلقة.

السؤال الأول: ما تفسير الحوقلة؟

السؤال الثاني: من أنكر تأثير الدعاء؟

 

 

طباعة

1349  زائر

إرسال


الترك المطلوب : قال شريح : فو الله لا تجد فَقْد شيء تركته لوجه الله. طبقات ابن سعد 6/136
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 

الوهابية في مواجهة الغلاة
***

نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية
***

نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية
***

سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها
***

خدمة الواتس اب
***

صفة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ونفعها للعصاة
***