التاريخ : 30/5/1428 هـ

الدروس العلمية

د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

الدرس الثامن عشر - البعث والنشور ومنازل الآخرة

الدرس الثامن عشر

البعث والنشور ومنازل الآخرة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مالك يوم الدين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فضيلة الشيخ طرحتم سؤالين في الحلقة الماضية، وقد كان السؤال الأول عن الكرام الكاتبين، هل يكتبون نيات القلوب مع الدليل؟

وكانت الإجابة: نعم الحفظة تكتب نيات القلوب، وأن الله -تعالى- أطلعهم على قلوب العباد، ويستدل بقوله تعالى: ﴿ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴿11﴾ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 11] وهذا هو ظاهر مفهوم الآية.

نعم إجابة الأخ إجابة صحيحة، والآية الكريمة هي ما ذكره، لكن وجه الاستدلال -كما مر بنا- أن الله -تعالى- قال: ﴿ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴿11﴾ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ وقلنا "ما" اسم موصول يفيد العموم، والنية هي فعل القلب.

السؤال الثاني: هل تموت الروح؟ مع التعليل؟

وكانت الإجابة: حكت عن ابن القيم أنه حكى الخلاف في هذه المسألة وقالت: أن الموت إذا أراد مفارقة الروح للبدن فهي بمعنى أنها تموت، أما إذا أريد بالمعنى العدم أي أنها تعدم كما يعدم البدن فليس الأمر كذلك، والله تعالى كتب الخلود للروح.

إجابة الأخت إجابة صحيحة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى- في عقيدته: (والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة والعرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب والصراط والميزان).

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مالك يوم الدين، وأصلي وأسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

قوله -رحمه الله-: (القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار) قد مر بنا في الدرس الماضي الحديث عن عذاب القبر ونعيمه، وهذه العبارة التي قالها الإمام الطحاوي -رحمه الله- جاء منصوصًا عليها في حديث أخرجه الترمذي وغيره، لكن ذكر الشيخ الألباني -رحمه الله- وأيضًا ذكر غيره أن هذا الحديث بهذا اللفظ لا يثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، وعلى كلٍ المعنى صحيح، فلا شك أن القبر إما نعيم وإما عذاب -كما مر بنا- وكما جاء في حديث البراء بن عازب وحديث ابن عباس وغيرهما، فالمقصود أن القبر إما أن يكون نعيمًا وإما أن يكون عذابًا كما جاءت بذلك الأحاديث المتواترة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-.

لما انتهى الإمام الطحاوي -رحمه الله- من الحديث عن القيامة الصغرى وعن حياة البرزخ انتقل إلى الحديث عن القيامة الكبرى، والتي تبدأ بالبعث وتنتهي بدخول الجنة أو دخول النار أعاذنا الله من النار وأهلها.

هنا قبل أن نبدأ في الحديث عن شيء من أحوال اليوم الآخر التي ذكرها الطحاوي -رحمه الله- نحب أن نذكر أنفسنا وأن نذكر الإخوة ومن يشاهدوا هذه الحلقة على ضرورة العناية وتحقيق الإيمان باليوم الآخر، فلا يخفى عليكم أن الإيمان باليوم الآخر هو ركن من أركان الإيمان، لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بهذا الركن العظيم، وكثيرًا ما يقترن هذا الركن بالإيمان بالله -سبحانه وتعالى- في آيات كثيرة مثل ما قال تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ﴾ [البقرة: 177].

وأمر آخر: أن الإيمان باليوم الآخر له من الآثار وله من الثمرات الشيء الكثير في سلوك العبد وفي استقامته وصلاحه.

إن من أعظم آثار الإيمان بالقدر ألا وهو ما ذكره العلامة عبد الرحمن السعدي -رحمة الله عليه-: أن الإيمان باليوم الآخر يفتح للعبد باب الرجاء وباب الخوف، وإذا خرب القلب وخلا من الخوف والرجاء حصل له من الخراب والفساد ما لا يوصف.

ما وجه ذلك؟ وجه ذلك أن العبد إذا استصحب ما في اليوم الآخر من العذاب والنكال وما فيه من الخزي في حق من عصى وكفر عندئذ هذا يوجب الخوف والخشية، وهذا الخوف يزجره عن الوقوع في المحرمات والمنهيات، وكذا العكس إذا تذكر العبد ما في الجنة من النعيم المقيم وتذكر ما جاء في قوله -عليه الصلاة والسلام- فيما يرويه عن ربه -تبارك وتعالى-: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) عندما يستصحب نعيم الجنة، هذا النعيم المقيم، هذا النعيم الدائم الذي لا ينقطع، هذا يبعثه على العمل، يبعثه على الرجاء وحسن الظن بالله -سبحانه وتعالى- وهذا الرجاء يسهل له الطاعة، وييسر له فعل المأمورات.

أيضًا من ثمرات الإيمان باليوم الآخر -أيها الإخوة-: ألا وهو أن الإيمان باليوم الآخر يحقق جملة من الأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة، ومن ذلك مثلًا خلق البذل والإنفاق في سبيل الله، فالذي يوقن في هذا اليوم، وأن الله -سبحانه وتعالى- سيخلف له ما أنفقه في سبيل الله، ويعوضه ما هو خير وأنفع وأبقى وأدوم، عندئذ هذا يبعثه على الإنفاق في سبيل الله، ولا يبخل كما يقع عند أصحاب الإيمان الضعيف، أو من عدم الإيمان باليوم الآخر.

أيضًا الإيمان باليوم الآخر يبعث على خلق التواضع ولين الجانب؛ لأن المؤمن إذا استصحب حال المتكبرين يوم القيامة هذا يزجره عن الكبر، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أخبر أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة على هيئة الذر -نسأل الله العافية- ويطأهم الناس، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) وقال الله في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما عذبته) أو كما جاء في الحديث، المقصود أن الإيمان باليوم الآخر يبعث على هذه الأخلاق الطيبة سواءً من جهة البذل أو من جهة التواضع ونحوها.

أيضًا كذلك من آثار الإيمان باليوم الآخر: عدم الركون للدنيا، لا نركن إلى الدنيا، فهذه الدنيا زائلة.

ألا كل شيء ما خلا الله باطل** وكل نعيم لا محالة زائل

فكل نعيم زائل إلا نعيم الجنة الذي لا يفنى ولا يبيد، فعندما يستصحب العبد اليوم الآخر يعلم أن هذه الدنيا متاع، وأنها ما هي إلا أيام معدودة وتنقضي، فالقصد أن اليوم الآخر يورث تعلقًا بالدار الآخرة، فلا يتعلق العبد بهذه الدنيا ولا بحطامها الزائل.

هذه جملة من الآثار، والآثار في هذا كثيرة، والحديث عن اليوم الآخر مبسوط في موضعه عن أحواله، وقد أفرد له العلماء بكتب مستقلة، كما فعل عبد الحق الإشبيلي في كتاب "العاقبة" أو القرطبي في كتابه "التذكرة" أو ابن كثير -رحمه الله- في "النهاية" أو السفاريني في "البحور الزاخرة" وغيرها من الكتب والمصنفات.

نبدأ بالحديث عن الموضوع الأول: وهو البعث. البعث -أيها الإخوة- المراد به هنا: البعث طبعًا في اللغة: هو الإثارة والتحريك، والمراد به هنا: هو إخراج الموتى من قبورهم وإعادة أرواحهم إلى أجسادهم من أجل الحساب والجزاء. هذا ما يتعلق بتعريف البعث.

وعلى كلٍ تقرير البعث جاءت له أدلة كثيرة يمكن أن نقف عندها فنقول:

أولًا: البعث إنما يكون بعد أن ينفخ إسرافيل -عليه السلام- في الصور النفخة الثانية، أو النفخة الثالثة على قول وهي نفخة البعث، قال -عز وجل-: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ [الزمر: 68] فإذا نفخ إسرافيل -عليه السلام- هذه النفخة نفخة البعث عندئذ يقوم الناس من قبورهم لرب العالمين.

هذا البعث أثبته أهل الإسلام بعث الأجساد وعود الأرواح إلى أبدانها أثبته أهل الإسلام، وأنكره مشركو العرب -كما لا يخفى عليكم- وأيضًا ممن أنكره الفلاسفة فالفلاسفة أنكروا معاد الأجساد، لما نأت إلى الفلاسفة الذين يسمون بفلاسفة الإسلام كابن سينا والفارابي ونحوهم، نجد أن هؤلاء ينكرون بعث الأجساد، يقولون: بمعاد الأرواح، لكنهم ينكرون بعث الأجساد، ولا شك أن هذا يعد كفرًا وإنكارًا لليوم الآخر، وإنكارًا للبعث والنشور.

أيضًا من صور الإنكار: إنكار المعاد والبعث، ما يقوله بعضهم من عقيدة التناسخ، كما هو موجود عند الهندوس، ومن تأثر بهم، فهؤلاء الذين يقولون بتناسخ الأرواح، وأن الشخص إذا مات انتقلت روحه إلى كائن آخر، وليست ثم قيامة كبرى ولا بعث ولا نشور، فالقول بالتناسخ يعد إنكارًا للبعث والنشور.

المقصود -أيها الإخوة-: أن إنكار المعاد له صور متعددة، ذكرنا أهمها وهي: إنكار بعث الأجساد والأرواح كما هو عند مشركي العرب، أو إنكار معاد الأجساد وإثبات معاد الأرواح كما هو عند الفلاسفة، طبعًا لاحظ هذا عند الفلاسفة أو ملاحدة الفلاسفة سواء الذين ينتسبون إلى الإسلام أو حتى بعض الملاحدة الذين هم عند اليهود والنصارى، فذكر عند اليهود شخص اسمه موسى بن ميمون كان ممن على هذا المذهب الفاسد، وأيضًا أحد النصارى اسمه متى ويوحنا ممكن كانوا في العصور الأولى من الإسلام هؤلاء النصارى، وكانوا على هذا المذهب الفاسد من إنكار معاد الأجساد، والصنف الثالث: الذين قالوا بعقيدة التناسخ، هذه تقريبًا أهم صور إنكار المعاد.

نقف عند الحديث عن الأدلة على المعاد، نؤكد أيها الإخوة الكرام ومن يشاهد هذه الحلقة أن القرآن حافل بالأدلة العقلية السمعية على إثبات البعث والنشور، وسبق أن مر بنا مرارًا التأكيد على هذه المسألة، أن القرآن حافل بالأدلة العقلية لا كما يقوله المتكلمون ومن شابههم: إن القرآن مجرد أدلة خبرية، لا ليس الأمر كذلك، فالقرآن فيه من الأدلة العقلية والبراهين ما هو أبلغ وأكمل تقريرًا وأبلغ حجة.

من هذه الأدلة العقلية السمعية في تقرير المعاد ما يلي:

الدليل الأول: أن من قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر، جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾ [يس: 78] جاء الرد: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ ﴾ [يس: 79] فالذي قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر والله على كل شيء قدير، فإذن هذا الدليل العقلي وهو دليل عقلي سمعي.

الدليل الثاني من الأدلة العقلية السمعية: وهو من قدر على خلق العظيم فهو على ما دونه أقدر، وهذا جاء في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [غافر: 57] فلاحظ هنا الذي يقدر على خلق السماوات والأرض على عظمها وعلى سعتها وعلى بديع صنعها على ما دونه أقدر من البعث والنشور.

الدليل الثالث: أيضًا من الأدلة العقلية السمعية: ألا وهو إحياء الأرض بعد موتها، فأنت تأتي إلى المكان تجد هذا المكان عبارة عن صحراء قاحلة ذات جدب لا ترى فيها لا خضرة ولا نباتًا فإذا نزل عليها المطر اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فهذا لا شك أنه دليل من الأدلة على البعث والنشور، وهذا جاء في آيات كثيرة منها في قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى ﴾ [فصلت: 39].

هذه ثلاثة أدلة يمكن أن نضيف دليلًا رابعًا وهو دليل عقلي وهو أن وقوع الشيء يدل على وقوع نظيره، طيب: وقع بعث في الدنيا ولا ما وقع؟ وقع. مثل ماذا؟ مثل طيور إبراهيم -عليه السلام- أليس كذلك، أو كما جاء في قصة عزير أليس كذلك؟ أو ما جاء في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ﴾ [البقرة: 243] فالمقصود لما تأتي إلى قضية طيور إبراهيم -عليه السلام- وقضية عزير أو قضية مثلًا هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله ثم بعثهم، هذا وقع في هذه الدنيا، فوقوعه في الدنيا يدل على وقوع نظيره. هذه بعض الأدلة العقلية السمعية الدالة على البعث والنشور.

يبقى أن نضيف أمرًا مهمًا وهو أمر ينبغي أن نهتم به وسبق الإشارة إليه: ألا وهو الاستدلال بصفات الله على إثبات المعاد، سبق أن مر بنا في موضوع النبوات أنه يمكن إثبات النبوة من خلال الاستدلال بصفات الله، فمثلًا من صفات الله -تعالى- الحكمة -كما لا يخفى عليكم- ولهذا استدلت خديجة أم المؤمنين بهذه الصفة من صفات الله على أن الله -تعالى- لا يخزي نبيه أليس كذلك؟ لما قالت -رضي الله عنها-: (كلا والله لا يخزيك الله أبدًا...) الحديث.

كذلك أيضًا قرر العلماء المحققون أنه يمكن والقرآن أيضًا حافل بالاستدلال بصفات الله على البعث والنشور، من هذه الأدلة مثلًا:

الدليل الأول: الاستدلال بصفة العلم على البعث، هذا جاء في مثل قوله تعالى: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ [ق: 4].

الدليل الثاني من الاستدلال بصفات الله على المعاد: الاستدلال بصفة القدرة، قال تعالى: ﴿ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ [القيامة: 4].

الدليل الثالث: الاستدلال بصفة الحكمة، قال تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون: 115].

فلاحظ كيف العلماء كابن القيم وغيره كيف استدل بهذه الصفات من صفات الله -سبحانه وتعالى- على وقوع البعث والنشور؛ ولهذا قال العلماء: إن إثبات المعاد هو مقتضى الحكمة، وهذا دليل عقلي أيضًا؛ لأننا نلحظ الآن في الدنيا كثير من الناس ظُلموا أليس كذلك؟ وكثير من الناس ظَلموا أليس كذلك؟

نجد أن هؤلاء الذين ظُلموا قد فارقوا الدنيا ولم ترد لهم مظالمهم، ونجد أن هؤلاء الظلمة أو هؤلاء المستبدون ظَلموا وطغوا ولم ينالوا عقاب ظلمهم وطغيانهم، فالحكمة الإلهية ومقتضى العقل والقياس يقتضي أن يكون ثمة يوم يجازى فيه المظلوم وترد للمظلوم مظلمته، ويعاقب الظالم والمسيء على ظلمه وإساءته.

هذه جملة -أيها الإخوة- من الأدلة التي جاء بها القرآن في تقرير البعث والنشور، وأيضًا نجد أن الله -سبحانه وتعالى- أمر نبيه الكريم -عليه الصلاة والسلام- بالإقسام على وقوع المعاد في ثلاث آيات:

قال تعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ﴾ [التغابن: 7].

وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي ﴾ [يونس: 53].

بقي الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ ﴾ جاء الرد ماذا؟ ﴿ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ [سبأ: 3].

فهذه ثلاث آيات كما قال الحافظ ابن كثير: «ثلاث آيات لا رابع لها في أن الله -تعالى- أمر نبيه الكريم -عليه الصلاة والسلام- أمره بالإقسام على وقوع المعاد وتحققه ووقوعه».

يقول: سبب الضلال في إنكار البعث، لا شك أن بعض المسائل العقدية تحتاج إلى نقاش وحوار مع من ينكر بعض المسائل، هل هناك مجال للحوار مع تلك الفرق؟ ثم أيضًا ما سبب ضلالهم؟ مثل هذه المسألة الظاهرة عند أهل السنة وغيرهم من يؤمن بهذا الشيء؟ هل هناك سبب مقنع أو حجة أو شبهة تحتاج إلى المناقشة؟.

يعني هو لاحظ الذين أنكروا البعث والنشور كمشركي العرب أو حتى الذين يسمون بالفلاسفة أو فلاسفة الإسلام هم مثلما قال تعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ [يونس: 39] فهم بعقولهم القاصرة قاسوا قدرة الله بقدرة المخلوق، فقالوا: كيف هذا الشخص إذا مات وصار رميمًا واستحال جسمه وقد بلى هذا الجسم فكيف يبعث؟!! لكن الذي يوقن بأن الله -تعالى- على كل شيء قدير، وينظر كما سمعنا في هذه الأمور المذكورة يعني كيف أن الأرض الآن تأتي إليها وهي في غاية الجدب والقحط، ثم تصبح هذه الأرض في غاية الخضرة ﴿ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى ﴾، قضية الخلق الابتداء الاستدلال بالابتداء على الإعادة، الآن لو جئت إلى أي شخص مثلًا -ولله المثل الأعلى- لما مثلًا يصنع هذا الجهاز الذي بين يديك هذا الجهاز جهاز الحاسب الآلي لا شك أن ابتداءه وصنعه يدل على أن صاحبه عنده علم وعنده قدرة، لكن أيهما أسهل بالنسبة للذي صنعه؟ أن يبتدئه أم أن يعيده؟ الأسهل هو الإعادة ولا الابتداء؟ أيهما أسهل؟ الإعادة أسهل، فنقول: مشكلة هؤلاء القوم أنهم -كما سمعنا-: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ هذه مشكلة القوم، أنهم قاسوا قدرة الله -سبحانه وتعالى- بقدرة المخلوق مع أن الله على كل شيء قدير، وعندهم هذه الأدلة.

وهذا الكلام الذي عند مشركي العرب هو نفس كلام الفلاسفة، يقولون: كيف الشخص مثلًا الآن هذا الشخص الذي مات أو شخص ابتلعه الحوت، وهذا الشخص الذي التقمه الحوت جسده يتحلل في بطن هذا الحوت، ثم نحن إذا أخذنا هذا الحوت وأكلناه وتحلل في أبداننا ما الذي يعود؟ يعود الحوت ولا يعود الشخص الذي ابتلع من قبل؟ نحن نقول: إن الله على كل شيء قدير، والبعث وقع في الدنيا، له نظائر -كما ذكرنا لكم- طيور إبراهيم -عليه السلام- كذا وكذا، فالخلاصة الذي حمل هؤلاء ما سمعناه، قال تعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ ولم يلتفتوا إلى هذه الأدلة العقلية نسأل الله العافية، هذا الذي يمكن أن يقال، ولا شك أن هؤلاء لو نوقشوا بالعقل من خلال الأدلة، وكانوا منصفين لآمنوا كما آمن غيرهم من المشركين في القديم والحديث.

يقول: السؤال الأول: هل الموتى يسمعون بعدما يتوفاهم الله -سبحانه وتعالى-؟

السؤال الثاني: ما صحة عقيدة من يقول: "إن عذاب البرزخ يكون على الروح والروح إما تكون في أعلى عليين أو تكون أسفل سافلين أما هذا الجسم فهو دفنه في القبر مجرد حفظًا لهذا الجسم" فما صحة هذا الاعتقاد؟.

هو الذي أعرف في مسألة أن الأموات يسمعون أم لا، ظاهر النصوص أن الأموات لا يسمعون، قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى ﴾ [النمل: 80]، وقال سبحانه: ﴿ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ ﴾ [فاطر: 22]، فالأصل أن الأموات لا يسمعون، أم أما جاء مثلًا في حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه- وما جاء في معناه أنه يسمع قرع نعالهم، فهذا سماع مخصوص، الأصل أن الميت لا يسمع وما جاء في مثل هذا الحديث ونظائره هذا يكون سماع مخصوص، وإلا فالأصل أن الميت لا يسمع كما هو ظاهر الآيات.

أما الكلام عن مسألة عذاب القبر ونعيمه وأن العذاب والنعيم على الأرواح دون الأجساد لا.. ليس الأمر كذلك، فقد مر بنا بالأمس أن ظاهر النصوص أنه يقع على هذا وذاك، مر مثلًا يمكن نسينا إلى أن نشير إلى هذا أنه جاء مثلًا في حديث البراء بن عازب في بعض رواياته أن الكافر والمنافق من العذاب الذي يصيبه أنه يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، فإذن الأضلاع تتعلق بالروح ولا بالبدن؟ بالبدن، نعم، فهذا العذاب يقع على البدن ويقع على الروح، لكن الحقيقة والكيفية لا نعلمها، لا يأت شخص ويقول: الآن القبور لو نبشناها لا نرى شيئًا بأعيننا، قلنا هذا من الغيب الذي استأثر الله به، لكن نحن نؤمن بما جاءت به النصوص والأحاديث المتواترة والتي ظاهرها أن العذاب يقع على هذا وذاك، يقع على الروح وعلى البدن والله أعلم.

لعلنا ننتقل إلى الموضوع الثاني أو نأخذ شيئًا مما يتعلق بمسائل اليوم الآخر وهو مسألة الحساب.

المراد بالحساب هو إطلاع الله -تعالى- عباده على أعمالهم، إطلاع الله -تعالى-، أن الله -تعالى- يطلع عباده على أعمالهم من خير وشر، هذا الحساب قد يكون حسابًا يسيرًا أو قد يكون حسابًا يسيرًا كما جاءت في ذلك الأدلة، قال -عليه الصلاة والسلام- كما جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها- أم المؤمنين، قال -عليه الصلاة والسلام-: (ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقالت عائشة -رضي الله عنها-: أليس الله -تعالى- يقول: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴿7﴾ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾ [الانشقاق: 7، 8] فقال -عليه الصلاة والسلام-: إنما ذلك العرض) ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: (ليس أحد يناقش الحساب إلا هلك) لاحظ هنا مرة قال: (هلك) ومرة قال: (إلا عُذِّبَ) وكما قال العلماء: المعنى متقارب سواءً قلنا: (ليس أحد يناقش الحساب إلا هلك) أو قلنا: (ليس أحد يناقش الحساب إلا عُذِّبَ) فالمعنى متقارب، فالهلاك والعذاب معناهم متقارب.

الأمر الآخر: دل هذا الحديث على أن الحساب حساب يسير وحساب عسير، فإذا قلنا: ما الحساب اليسير؟ فالحساب اليسير هو العرض، وهو أن الله -تعالى- يدني عبده المؤمن ويقرره بذنوبه والمؤمن يقر بهذه الذنوب ثم يقول الله -سبحانه وتعالى- وهو أرحم الراحمين يقول: (فإني قد سترتها عنك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) هذا هو الحساب اليسير، العرض، أما الحساب العسير -نسأل الله السلامة والعافية- ألا وهو: المناقشة، (من نوقش الحساب هلك) فالحساب العسير هو المناقشة، أو كما عرفها بعض العلماء: هو الاستقصاء في المحاسبة، والمطالبة بالجليل والحقير، وترك المسامحة، هذا هو الحساب العسير، إذن اتضح لنا ولكم أن الحساب على قسمين.

يبقى مسألة ذكرها أهل العلم وهي: هل الكافر يحاسب؟ فحرر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسألة في العقيدة الواسطية وغيرها وقال: إن كان المراد بالحساب وزن الحسنات والسيئات فالكافر ليس له ماذا؟ هل له حسنات يوم القيامة؟ لا...، ليس له حسنات، قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا ﴾ [الفرقان: 23]، فإن أريد بالحساب الذي هو أن توزن حسناته وسيئاته فلا، أما إن أريد بالحساب أن الله -تعالى- يقرره بذنوبه ويوقفه عليها ثم يعاقبه، فالحساب يقع عليه ولا ما يقع؟ يقع عليه، فإذا أريد بالحساب وزن الحسنات والسيئات فالكافر ليس له حسنات فلا يحاسب بهذا المعنى، أما إن أريد بالحساب أن الله -تعالى- يوقفه على أعماله ويقرره بها ويحصيها عليه ثم يجازيه ويعاقبه على ذلك فنعم، هذا ما يتعلق بمسألة الحساب.

يقول: بالنسبة لعذاب أهل القبر، هل الأحياء يسمعون عذاب أهل القبر؟.

نحن سبق أن قلنا بالأمس، ونؤكد ونذكر أنفسنا ونذكركم أيضًا ومن يشاهد هذه الحلقة، أيها الإخوة الكرام علينا أن نؤمن بالغيب ونوقن بذلك، والله -سبحانه وتعالى- أثنى على عباده المؤمنين بأنهم يؤمنون بالغيب، قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿2﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ [البقرة: 1، 2] فالواجب علينا أن نؤمن بالغيب عقلناه أو لم نعقله، وعذاب القبر ونعيمه كذلك هو من الغيب، لكن هل يشاهد هذا أو يسمع هذا العذاب أو ذاك النعيم؟ نعم ذكر جملة من العلماء منهم شيخ الإسلام، ومنهم ابن القيم في كتاب "الروح" وذكروا آثار حسنها بعض أهل العلم أن هذا العذاب قد يظهر وقد يراه الناس بأعينهم -نسأل الله العافية- فهذا العذاب قد يظهر ويشاهد كما وقع ذلك في عدة وقائع فقد يظهر هذا العذاب أو ذاك النعيم، لكن يبقى الأصل أنه غيب.

يقول: فضيلة الشيخ مثل هذه القصص التي ترد وتنتشر بين الناس هل من المشروع سردها وطرحها على الناس بشكل موسع أم أنه يقتصر على الموعظة بالموت دون الدخول في بعض التفصيلات؛ لأنه انتشر بعض الكتب للمشايخ وكذلك وبعض الصور؟.

هو نعم انتشر هذا والشريط الذي خرج قبل مدة ظهر وتداولته الأسماع والأيدي، يعني أنا أقول هنا ينبغي أن يكون فيه شيء من التوسط في هذا الباب عدم الإفراط والتفريط، الأصل بالنسبة لنا نحن معشر أهل الإسلام ونحن معشر أهل السنة على سبيل الخصوص أن نؤمن بالغيب، المسألة ما هي نحن متوقفين على قضية قصة وقعت ولا عذاب سمع أو شوهد، نحن نؤمن بذلك ونوقن، فالمدار في هذه القصص يعني لا نغرق في ذلك، أولًا أن بعض هذه القصص التي تتداول من جهة ثبوتها ومن جهة سندها فأحيانًا تجد هذه القصص فيها مبالغات وأحيانًا القصة في حد ذاتها لم تثبت، يعني قد يكون فيها شيء من اختلاق أو فيها شيء من المبالغة أو نحو ذلك، فهذا أيضًا مسألة مهمة؛ لأنه أحيانًا لما يتأثر بعض الناس ببعض هذا القصص، ثم يتبين أن هذه القصة مختلقة هذا قد يؤدي إلى اضطراب بعض الناس، فالأصل علينا أن نؤمن بالنصوص الشرعية، وهذا حق وهذه القصص يمكن ترد على سبيل الاستئناس على سبيل الاعتضاد لكن لا نعول عليها؛ لأننا أمة مأمورة بأن نؤمن بالغيب سواءً عقلناه أو لم نعقله، لاسيما ما يتعلق بالحياة البرزخية فهي من الغيب، لكن قد يظهر ذلك، في أوقات، فينبغي أن لا نغرق في مثل هذه القصص ويكفينا هذه النصوص التي هي أبلغ وأوضح وأظهر في الدلالة فهي نصوص صحيحة صريحة، نصوص قطعية الثبوت وأيضًا صريحة الدلالة والله أعلم.

يقول: الرؤى التي ترى في الميت بعد موته بأنه مثلًا سواءً يعذب أو أنه في نعيم هل يستند عليها أيضًا؟.

الرؤى أيضًا نحن لا نغرق في موضوع الرؤى، لكن على كلٍ هذه رؤيا الشخص مثلًا بعد وفاته في صورة حسنة هذه نعتبرها من المبشرات ويستأنس بها، لكن أيضًا لا يعول عليها، وكما مر بنا من قبل نحن نرجو للمحسنين لكن لا نؤمنهم، ونخاف على المسيئين ولا نقنطهم، فهذه قد تكون من الأشياء التي يعني الرؤى الحسنة يستبشر بها مثل ما كان العلماء عندما يترجمون للعالم أو للإمام فيقول: توفي كذا ورأيت له رؤى حسنة، فهذه مما يستأنس بها والله أعلم.

بقي عندنا الصراط والميزان.

نبدأ بموضوع الصراط، طبعًا معناه في اللغة واضح: هو الطريق الواضح هذا في اللغة، الصراط لغة: هو الطريق، أو الطريق الواضح والمراد بالصراط هنا هو الجسر المنصوب على متن جهنم -أعاذنا الله من جهنم-.

هذا الصراط يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، ومن ثبت على صراط الله المستقيم في الدنيا سهل عليه المرور على هذا الصراط، أما من تنكب صراط الله المستقيم في الدنيا فهو عرضة للزلل وعرضة للسقوط من خلال هذا الصراط.

هذا الصراط أثبته أهل السنة والجماعة وأنكره بعض المعتزلة، وهذا الصراط يمكن نقول أنه هو جاء في مثل قوله تعالى: ﴿ وَإِن مِنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ﴾ [مريم: 71] وأن المراد بالورود هنا ﴿ وَإِن مِنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ المراد به على أظهر الأقوال هو المرور على الصراط، وجاء في حديث مسلم حديث طويل والشاهد فيه أنه -عليه الصلاة والسلام- سئل ما الجسر؟ الذي هو الصراط؟ قال -عليه الصلاة والسلام-: (دحض مزلة) فهو وصفه -عليه الصلاة والسلام- بأنه: (دحض مزلة) يعني أن الشخص عرضة لأن تزل قدمه على هذا الصراط، قال: (دحض مزلة عليه كلاليب) والكلاليب: جمع كلوب وهي الحديدة المعكوفة، فهذه الكلاليب، قد أذن الله -تعالى- لها أن تأخذ من شاء من العصاة، والناس على هذا الصراط يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كالطير، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، أو كالركاب أي الإبل، ومنهم من يمشي وهكذا.

قال -عليه الصلاة والسلام-: بعدها قال: (فناجٍ مُسَّلم) هذا الصنف الأول (وناج مخدوش) والثالث: (ومكدوس في نار جهنم) هكذا جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم، فالأول (ناجٍ مسلم) يعني لا يصيبه شيء من هذه النار أعاذنا الله منها ولا شيء من لهيبها، أما الثاني وهو: المخدوش المرسل، فهذا يصيبه شيء من هذه النار لكنه يرسل ويتجاوز الصراط أما الثالث فهو مكدوس في نار جنهم، أي أنه يسقط في هذه النار.

هؤلاء هم الذين يمرون على الصراط الذي حرره الحافظ ابن رجب -رحمة الله عليه- في كتاب "التخويف من النار": أن الذي يمر على هذا الصراط هم أهل الإسلام بما فيهم أهل النفاق؛ لأن أهل النفاق في الظاهر أنهم من الإسلام ثم يسقطون في هذا عبر هذا الصراط، أما الكفار فظاهر حديث أبي سعيد كما احتج به الحافظ ابن رجب حديث أبي سعيد الخدري الطويل: أن الكفار يلقون في جنهم ابتداءً، كما جاء في الحديث أنه قال: (من كان يعبد شيئًا فليتبعه) فالذين يعبدون الأصنام يتبعون أصنامهم ثم يلقون فيها مع أصنامهم، هذا الصراط يمر عليه أهل الإسلام كما حققه الحافظ ابن رجب في كتابه "التخويف من النار".

انتهينا من الكلام عن الصراط بإيجاز شديد، ننتقل إلى الحديث عن الميزان، الميزان المراد به هو الميزان الذي ينصبه الله -تعالى- يوم القيامة من أجل وزن أعمال العباد؛ إظهارًا لكمال عدله سبحانه، والأحاديث فيه ثابتة ومتواترة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وهو ميزان حقيقي لا يعلم قدره وكيفيته إلا الله -سبحانه وتعالى- هذا الميزان أثبته أهل السنة وأنكره بعض المعتزلة أيضًا، وتأولوا الميزان بأنه العدل، قالوا: الميزان المراد به العدل، لا.. ليس الأمر كذلك، فالميزان واضح من خلال النصوص الشرعية أنه ميزان حقيقي له كفتان كما جاءت في ذلك الأدلة كحديث البطاقة وغيرها، قال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ [الأنبياء: 47].

عندنا حديث البطاقة الذي أخرجه أحمد وغيره وهذا واضح أن الميزان له كفتان كفتة توضع فيها الحسنات، وكفة توضع فيها السيئات، ما الذي يوزن في هذا الميزان؟

العلماء لهم في هذا أقوال: منهم من قال:

القول الأول: أن الذي يوزن هو العمل، وهذا عليه جمهور العلماء، أن العمل هو الذي يوزن، يعني هذا العمل ليس جسمًا ليس جرمًا، لكنه يوم القيامة يكون جرم، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: (ليس شيء أثقل في ميزان العبد من تقوى الله وحسن الخلق) وفي الحديث الآخر قال -عليه الصلاة والسلام-: (كلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) فهذا نجد أن جملة من العلماء الذين كتبوا في اليوم الآخر من السابقين ومن المعاصرين يميلون إلى هذا الرأي إلى أن الذي يوزن هو العمل نفسه.

القول الثاني: أن الذي يوزن هو السجلات التي تكتب فيها الأعمال، ويدل على هذا حديث البطاقة الذي ليس معه إلا بطاقة فيها لا إله إلا الله له تسعة وتسعين سجل كل سجل مد البصر من السيئات فتوضع هذه السجلات في كفة وتوضع بطاقة لا إله إلا الله في كفة فترجح هذه البطاقة وتطيش تلك السجلات، فدل هذا الحديث على أن الذي يوزن هي السجلات أو تلك الكتب التي فيها ما كُتِبَ من حسنات أو سيئات.

القول الثالث: أن الذي يوزن هو الشخص نفسه، ويمكن الاستدلال بالحديث الذي أخرجه البخاري، قال -عليه الصلاة والسلام-: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، واقرءوا إن شئتم ﴿ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ [الكهف: 105]) وأيضًا استدل بأن ابن مسعود -رضي الله عنه- كان يجني سواكًا فهبت الرياح فكشفت عن دقة ساقيه فضحك من ضحك من حاله فقال -عليه الصلاة والسلام-: (أتعجبون من دقة ساقيه إنهما لأثقل في الميزان من جبل أحد) هكذا جاء في الحديث الصحيح.

على كلٍ من أهل العلم من يرى أنه يجمع هذا وهذا، يعني يجمع بين هذه الأمور أن الوزن يكون للعمل وللعامل والسجلات، والواجب علينا أن نشتغل بما ينفع وأن نسعى إلى تثقيل موازين أعمالنا بالحسنات فهذا هو الأنفع، وفي هذا حصل قصة طريفة وهو أن أحد الملوك سأل أحد علماء المالكية عن الميزان أهو من ذهب أو ورق؟ يقول: من ذهب ولا من فضة؟ فكتب هذا الإمام من أئمة المالكية وقال: حدثنا مالك ثم ساق بسنده أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، وستقدم عليه وتعرف، فنقول: أحيانًا يمكن المشكلة التي قد نقع فيها ويقع البعض فيها أن الاستغراق في بعض جزئيات الحديث عن اليوم الآخر وبعض مسائله العلمية قد يشغل عما يجب أن نشتغل به من قضية الاستعداد لهذا اليوم وأن نحاسب أنفسنا، ورضي الله عن الفاروق إذ يقول: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 18]».

يقول: بالنسبة لفلاسفة الإسلام فهم مع إنكارهم للباطل لا زالوا في دائرة الإسلام وكفرهم -إذا كانوا كفار- كفرهم هل دون كفر اليهود والنصارى يوم القيامة يكون عندهم مثقال ذرة من إيمان أو أنهم يخلدون في النار؟.

لا.. هو يا إخواني حتى لا يصير فيه لبس حتى لما نقول: فلاسفة الإسلام، يعني هذا مصطلح وإلا هذه الفلسفة التي وقعوا فيها التي هي تسمى... يعني لما نقول مثلًا ابن سينا الفارابي هؤلاء وقعوا في هذه الفلسفة، اتبعوا أرسطو وأرسطو الفيلسوف اليوناني كان وثنيًا يقول بِقِدم العالم وعنده من الوثنيات ما عنده، فنحن لما نقول: فلاسفة الإسلام المقصود الفلاسفة الذين عاشوا في بيئة المسلمين، ولا الإسلام ما فيه هذه الفلسفة التي هي الزندقة؛ لأن فلسفة ابن سينا قائمة على إنكار بعث الأجساد -كما سمعنا- إنكار أن الله -تعالى- يعلم الجزئيات -كما مر بنا في مسألة العلم الإلهي- على أنه يقول: أن العالم قديم كقِدم الله -سبحانه وتعالى- فلما نقول: فلاسفة الإسلام المقصود بأنهم فلاسفة عاشوا في بيئات المسلمين، فالعلماء يقولوا فلاسفة الإسلام مرة يقول زنادقة الإسلام، الإسلام ما فيه زندقة، لكنه يقول: هؤلاء الزنادقة عاشوا في مجتمع المسلمين لما نقول: زنادقة الإسلام "المعري ولا الراوندي ولا أبو حيان التوحيدي" هذا المراد، فهذا المقصود وإلا هؤلاء الفلاسفة مثل ابن سينا وغيره، نجد أبو حامد الغزالي وهو أبو حامد الغزالي كفر ابن سينا، كفر لمقالاته الثلاثة، فهؤلاء مذهبهم مشركو العرب يعني مذهب المشركين أقل سوءًا وانحرافًا من مذهب هؤلاء. يعني لما عندهم مثلًا من قضية إنكار الصفات والأسماء؛ لأنهم حتى قضية إثبات توحيد الربوبية لا يثبتونها، يجعلون العالم قديم كقدم الله.

يقول: بالنسبة للحساب والعرض والميزان هل يكون هنا في الأرض على العالم الأرضي أو يكون في السماء؟.

لا.. ما يخفى عليك أن الله -تعالى- قال: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ﴾ [الرعد: 48]، وأن الحساب كما ورد في بعض الأحاديث والآثار: أنه في أرض بيضاء كالفضة، فالأرض تتبدل، لكن هل تتبدل عينها أم تتبدل صفاتها؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم، المقصود أنه لا يظن ظان أنها نفس الأرض هذه تمامًا، وعلى كلٍ يجب أن ننبه إلى مسألة مهمة أشار لها أو نستأنس بأثر ابن عباس -رضي الله عنهما- لما قال: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء» وفي رواية أنه قال: «ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء» فكون هناك مثلًا تذكر أسماء في الدنيا وأسماء في الآخرة لا يعني التماثل من كل وجه، وإنما هو اتفاق في القدر المشترك وإلا الحقائق والكيفيات بينها من التباين ما لا يعلمه إلا الله -سبحانه وتعالى-.

يقول: يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ [الحاقة: 19]، ويقول: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ ﴾ [الحاقة: 25]، ويقول في مقام آخر: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ﴾ [الانشقاق: 10]، السؤال يا شيخ: من هم الذين يأخذون الكتاب وراء ظهورهم؟ والسؤال الثاني: ممكن توضح لنا القنطرة أو قِنطرة نسمع من بعض الشيوخ؟.

الناس على قسمين: إما أن يأخذ كتابه بيمينه أو يأخذ كتابه بشماله، أما ما ذكرت من الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ﴾ فالذي استظهره بعض العلماء أنهم يجمعون بالأمرين أن الكفار يأخذون كتبهم بشمالهم من وراء ظهورهم، يعني يجتمع فيهم الوصفين، بعض العلماء شذوا وقال: إن الكافر يأخذ كتابه بشماله، والمؤمن يأخذ كتابه بيمينه نعم هذا لا إشكال فيه، قال: والعاصي يأخذ كتابه وراء ظهره، هذا قاله ابن حزم، ولكنه قول مردود؛ لأنه أيهما أشد في العذاب؟ أن يأخذ بشماله فحسب، ولا يأخذه من وراء ظهره، فكيف يكون؟ فالذي أذكره من كلام أهل العلم أن الكفار يجمعون بين الأمرين -نسأل الله العافية- فهم يأخذون كتابهم بشمالهم ومن وراء ظهرهم، كيف يكون هذا؟ العلماء لهم أقوال في هذا، لكن المقصود أنه يجتمع فيهم الوصفين.

أما قضية القنطرة: نعم هذا الحديث ثابت، أن أهل الإيمان إذا عبروا الصراط أنهم يحبسون في قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فبعض العلماء يرى أن هذا صراط آخر، يعني هذا صراط ثاني والبعض يقول: لا.. أن هذه قنطرة كما هو ظاهر الحديث، المقصود أنهم إذا تجاوزوا هذا الصراط عندئذ يمكثون في هذه القنطرة ويقتص حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، نعم هذا ثابت في الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام-.

يقول: يسأل عن أحداث يوم القيامة لا شك أن الجدل يكثر فيها ما هو الحدث الذي يبتدئ به العباد؟ هل يحاسبون أو... إلى آخره، فبودنا يا فضيلة الشيخ أن تذكر لنا ترتيبًا يسيرًا لأحداث يوم القيامة؟.

والله أنا ما أجزم أني أعرف شيء في هذا، لكن فيه أحوال نقول يمكن دلت عليها الأدلة، يعني مثلًا الأحوال التي مرت بنا الآن يمكن أن يكون الترتيب ظاهرًا، فلاشك أن البعث هو أسبق فعندنا البعث يليه مثلًا لما نأتي المسألة التي عندنا نقول: يأتي بعده الحساب، ثم يأتي بعده الميزان، ثم إذا حوسبوا الميزان من أجل معرفة مقادير الأعمال، ثم يأتي الصراط، فهذه واضحة من خلال النصوص تدل على شيء من ذلك، فنقول مثلًا: البعث والنشور ثم الحساب ثم الميزان ثم الصراط ثم الجنة والنار، هذا الذي يبدو، هناك تبقى جملة من أحوال اليوم الآخر كما مر بنا فيها خلاف بين أهل العلم أيهما أسبق؟ مثل ما مر بنا في الحوض، فبعضهم يقول لك مثلًا: إن حوض النبي -عليه الصلاة والسلام- قبل الصراط، وبعضهم يقول: بعد الصراط، والذي يظهر -كما مر بنا- أن الحوض هو قبل الصراط، فالناس عندما يخرجون من قبورهم عطشى يكون هذا الحوض، فيمكن نقول هنا: عندنا البعث والنشور ثم الحوض؛ لأن الحوض يكون؟ في عرصات القيامة، فالمقصود أننا عندنا جملة من أحوال يوم القيامة هي محل اتفاق بين العلماء، الجنة والنار آخر مطاف ما أحد ينازع في هذا، ما بعد الجنة والنار شيء، وهناك أحوال يعني يمكن يظهر الترجيح فيها مثل ما ذكرنا، وهناك أحوال تبقى محل نزاع والله أعلم بالقول الراجح في مثل هذه المسائل التي يقع فيها اختلاف.

يقول: يسأل عن حديث البطاقة يقول: هل يلزم أن تتحقق لا إله إلا الله بشروطها؟ وما رأيكم في من يقول أن هذا العدد ليس له دليل؟.

العدد؟

عدد الشروط وحصرها ليس له دليل.

لا.. ليس كذلك يعني هو صاحب البطاقة هذا كما ذكر أهل العلم، هذا الرجل صاحب البطاقة الذي عنده لا إله إلا الله الذي جعل هذه البطاقة ترجح؛ لأنه قال هذه الكلمة وعنده من اليقين والإخلاص وتحقيق شروطها ما جعلها تثقل بهذه التسع وتسعين سجل، وإلا كل شخص عنده بطاقة من أهل الإسلام، هناك أهل الإسلام عندهم هذه البطاقة، عندهم بطاقة لا إله إلا الله ومع ذلك ترجح سيئاتهم على تلك البطاقة، فما كل صاحب بطاقة لا إله إلا الله ترجح حسنته بسيئاته، فالمقصود أنه كما ذكر ابن القيم وذكر ذلك أيضًا من قبل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليهم-: أن صاحب البطاقة قد قام في قلبه من الإخلاص واليقين ما جعل هذه الحسنة ترجح، وعلى كلٍ الواجب علينا أن نجمع بين النصوص فنقول: ما جاء من الأحاديث مطلق ولم يذكر فيه شروط لا إله إلا الله يضم إلى المقيد، مثلاً حديث: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) نقول: هذا الحديث جاء ما يقيده من جهة الإخلاص، مثل ما قال -عليه الصلاة والسلام-: (إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) فمسلك أهل العلم ومسلك أهل السنة على سبيل الخصوص أن يؤخذ بالنصوص كلها، ما يؤخذ بنص وتترك سائر النصوص. هذا الذي يمكن أن يقال.

والأمر الآخر الذي قال بعض أهل العلم بالنسبة لحديث البطاقة: أن هذا الرجل وفق لقولها عند موته، وقد ورد في الحديث: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) فهذه بعض الأقوال التي ذكره بعض أهل العلم في شأن حديث البطاقة والله أعلم.

أسئلة الحلقة.

السؤال الأول: اذكر دليلين عقليين سمعيين في القرآن على إثبات المعاد؟ يعني أريد أن تذكر دليل يجمع بين الوصفين أنه دليل عقلي وسمعي في نفس الوقت على إثبات المعاد. هذا ما يتعلق بالمسألة الأولى.

السؤال الثاني: ما الحساب اليسير؟ وما الحساب العسير؟ مع الدليل؟

 

 

طباعة

1486  زائر

إرسال


الترك المطلوب : قال شريح : فو الله لا تجد فَقْد شيء تركته لوجه الله. طبقات ابن سعد 6/136
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 

الوهابية في مواجهة الغلاة
***

نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية
***

نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية
***

سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها
***

خدمة الواتس اب
***

صفة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ونفعها للعصاة
***