التاريخ : 30/5/1428 هـ

الدروس العلمية

د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

الدرس السابع عشر - من قوله: «ونؤمن بالكرام الكاتبين»

الدرس السابع عشر

من قوله: «ونؤمن بالكرام الكاتبين»

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونؤمن بالكرام الكاتبين فإن الله قد جعلهم علينا حافظين).

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

نبدأ حيث وقفنا كان بقي عندنا مسألة يسيرة تتعلق بالمسألة السابقة، وهي مسألة الحج والجهاد مع أولي الأمر سواءً كانوا أبرارًا أم فجارًا، نحب أن نشير إلى أن ما قرره علماء أهل السنة من الجهاد مع الأئمة وإن كانوا فجارًا من جهة قاعدة المصالح والمفاسد مثل ما مر بنا في مسألة الصلاة خلف كل بر وفاجر، وأن الشخص بين مفسدتين: بين مفسدة الصلاة خلف الفاسد، وبين مفسدة ترك الجمعة والجماعة، واتضح لنا ولكم -أيها الإخوة أيها المشاهدون والمشاهدات- أن مفسدة ترك الجمعة والجماعة تربوا وأشد من مفسدة الصلاة خلف الفاسق، كذلك أيضًا في هذه المسألة عندنا، مسألة الجهاد مع الإمام أو الإمام الفاسق فهما أمران، أن يجاهد مع هذا الفاسق، وهذا لا يخلو من مفسدة، لكن مفسدة ترك الجهاد في سبيل الله ومفسدة استيلاء العدو لاشك أنها تربو وتعظم على مفسدة الجهاد مع الإمام الفاجر؛ ولهذا عقد الإمام البخاري بابًا بهذا العنوان "باب الجهاد مع كل إمام سواءً كان برًا أو فاجرًا" وذكر الحديث الذي أورده في صحيحه قوله -عليه الصلاة والسلام-: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم).

المسألة التي سمعناها من أخينا الشيخ هذه العبارة لما قال -رحمه الله-: (ونؤمن بالكرام الكاتبين) المراد بالكرام الكاتبين هم الحفظة الذين يكتبون عمل العبد، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴿10﴾ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴿11﴾ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 10- 12].

فهؤلاء الملائكة الكرام الكتبة الحفظة يكتبون أعمال العبد سواءً كانت حسنة أو سيئة، وهذا أيضًا جاء في قوله تعالى: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴿17﴾ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 17، 18] رقيب: يرقب العبد، وعتيد: أي حاضر مُعِد، فهما ملكان كريمان -عليهما السلام- قد وكلا بكتابة أعمال العباد، وهذا أيها الإخوة الكرام ومن يشاهد هذه الحلقة، هذا الإيمان بهؤلاء الكرام الكاتبين يوجب علينا أن نخشى الله -سبحانه وتعالى-، وأن نستحيي منه -سبحانه وتعالى- فإذا كان هؤلاء الكرام لا يفارقوننا، وكما ورد في بعض الآثار: «إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع فأكرموهم واستحيوهم» أو كما ورد في الأثر، فالمقصود أن الإيمان بالكرام الكاتبين هذا يوجب الحياء من الله -سبحانه وتعالى- والانزجار عن المعاصي والحرص على الطاعات، هؤلاء هم الحفظة.

يبقى عندنا مسألتان تتعلق بالحفظة وهو: هل هؤلاء الكرام يكتبون كل شيء حتى المباح؟ هذه مسألة فيها خلاف، وظاهر الآية الكريمة التي سمعناها في قوله تعالى: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴿17﴾ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ظاهر الآية ماذا؟ أنهما يكتبان الحسنات والسيئات أو يكتبان كل شيء حتى المباح؟ ظاهر الآية نعم؛ لأن هنا في قوله تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ "قول" كما تلحظون نكرة جاءت في سياق النفي فهي تفيد العموم، هذه مسألة.

المسألة الأخرى: وهي مسألة هل الكرام الكاتبون يكتبون النوايا وما في القلوب من أعمال؟ فأيضًا ظاهر الآية الكريمة التي سمعناها لما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴿10﴾ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴿11﴾ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ والنية هي فعل القلب فالله -سبحانه وتعالى- على كل شيء قدير، أقدر هؤلاء الكرام أقدرهم على الاطلاع على ما في قلب الشخص من نوايا حسنة ومن نوايا سيئة، فالمقصود أنهما يكتبان ما يعزم عليه العبد من الهم بحسنة أو الهم بسيئة، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

يبقى عندنا حديث أورده الشارح لكن ننبه عليه بإيجاز، الحديث الذي أخرجه مسلم أنه -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّلَ به قرينه من الجن وقرينه من الإنس) فقال الصحابة -رضي الله عنهم- قالوا: (وإياك يا رسول الله؟) قال -عليه الصلاة والسلام-: (وإياي) قوله -صلى الله عليه وسلم- (وإياي) يعني أنا لي قرين من الجن، (وإياي) ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: (ولكن أعانني الله عليه فأسلم).

هنا وقع خلاف بين شراح الحديث من جهة ضبط الحديث، والذي يظهر -والله أعلم- أنه يضبط هكذا (فأسلم) الذين هما من الفاعل؟ (ولكن أعانني الله عليه فأسلم) الذي هو القرين، إذن الذي أسلم هو القرين.

أسلم يعني دخل في الإسلام؟.

قال بعضهم هذا، والبعض يرى خلاف ذلك ومنهم الشارح تبعًا لشيخ الإسلام ابن تيمية، فهم يرون أن معنى (أسلم) يعني خضع وانقاد، وإن لم يكون مؤمنًا، فإذن الذي يظهر والله أعلم من جهة الضبط أنه فأسلم والفاعل هو القرين، وأيضًا ما المعنى؟ هل معنى أنه صار مؤمنًا الذي رجحه شيخ الإسلام وكذا الشارح وجملة من الشراح أن المراد أنه استسلم وخضع، كما إذا استسلم الأسير وصار في قبضتك؛ ولهذا قال شارح الطحاوية -رحمه الله- قال: «من قال أسلم يعني سلم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد حرف لفظه، ومن قال: استسلم الشيطان وصار مؤمنًا فقد حرف معناه».

نخلص من هذا أن المسألة فيها كلام طويل لشراح الحديث، والذي رجحه الشارح وأيضًا من قبله شيخ الإسلام ابن تيمية وجملة من علماء الحديث أن الحديث يضبط هكذا (فأسلم) الذي هو القرين، طيب ما معنى أسلم؟ معناه أنه استسلم وخضع، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

يبقى مسألة ذكرها أيضًا الشارح وهي: الحفظة الذين يحفظون العبد من الآفات وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ﴾ [الرعد: 11]، فالله -سبحانه وتعالى- بمنه وكرمه ورحمته جعل ثمة معقبات يحفظون العبد من الآفات، يحفظونه -كما سمعنا- من أمر الله، ما معنى ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ﴾؟ يعني يحفظونه بأمر الله، والمعنى أيضًا ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ﴾ أن هذا الحفظ صادر عن أمره -سبحانه وتعالى-، والله أعلم. هذا ما يتعلق بهذه المسألة والله أعلم.

يقول: ما الفائدة من كتابة الملكين للأمور المباحة؟ لا شك أن الأمور المستحبة يؤجر عليها المرء، وكذلك يعاقب على الأمور المعاقبة؟ لكن الأمور المباحة ما الفائدة من كتابتها؟.

على كلٍ أنا ذكرت أن في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم، منهم من قال إنهم يكتبون كل شيء حتى المباح، ومنهم من قال: لا..، يكتبان ما للعبد وما عليه ما له من الحسنات، وما عليه من السيئات، أما الحكمة في ذلك فنحن ما علينا إلا أن نسلم للنص، وكما قلنا لكم ظاهر الآية الكريمة أن الآية تدل على العموم أليس كذلك؟ لأن هنا نكرة في سياق النفي تفيد العموم ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ فهذا الذي جعل البعض يرجح هذا القول؛ ولعل من الحكم أن في ذلك دلالة على ما هو -سبحانه وتعالى- موصوف من سعة علم -سبحانه وتعالى- وأن عمل العبد كله سواءً دق أو خفي سواءً كان محبوبًا أو مسخوطًا أو مباحًا كل ذلك مكتوب عنده، هذا لا شك أنه يستوجب على العبد أن يضبط أموره حتى المباح، أن المباح أيضًا يضبطه؛ لأن التوسع في المباحات قد يؤول به إلى ما لا يُحمد من المحرم والمكروه، وإذا علم العبد أنه مكتوب عليه حتى المباح لاشك أن هذا يستوجب مزيدًا من الخشية والحياء منه -سبحانه وتعالى- والله أعلم.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: (ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين).

هنا قال -رحمه الله-: (ونؤمن بملك الموت) المقصود بملك الموت هو كما قال: (الموكل بقبض أرواح العباد) أرواح الناس، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ [السجدة: 11]، أما تسميته عزرائيل فقد سبق أن مر بنا في درس قديم أن هذا لا يثبت وإنما جاء ذلك في بعض الإسرائيليات، فنحن نلتزم بما جاء به القرآن في قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ ﴾ فنسميه ملك الموت ولا نسميه عزرائيل، هذا أمر.

هنا في قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ ﴾ وجاء في آية أخرى قال تعالى: ﴿ اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾ [الزمر: 42] وفي آية ثالثة قال: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ [الأنعام: 61] فهنا أضاف الموت إلى ملك الموت، ومرة أضافه إلى الرسل من الملائكة -عليهم السلام- ومرة أضافه إليه سبحانه قال: ﴿ اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ ﴾ فهنا نقول: لا إشكال ولا تعارض، فالذي يتولى قبض الأرواح هو ملك الموت كما جاء ذلك في حديث البراء بن عازب أن ملك الموت هو الذي يتولى قبضها، فملك الموت هو الذي يتولى قبض الأرواح، فإذا قبضها كما جاء في حديث البراء في رواياته يعني لم يدعوها -أي الرسل- وهم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب لم يدعوها معه طرفة عين، أليس كذلك؟ فمنذ يقبض ملك الموت الروح في الحال، يقبضها يعني تنتقل من ملك الموت إلى الرسل الذين هم ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب على حسب حال الشخص، إن كان مؤمنًا أخذها ملائكة الرحمة، وإن كان كافرًا أو منافقًا أخذها ملائكة العذاب، وكل ذلك قبض الأرواح وانتقالها إلى ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب كل هذا بأمره -سبحانه وتعالى- وتقديره، فصحت الإضافة إلى كلٍ من هذه الأمور الثلاثة المذكورة في الآيات الكريمات، هذه مسألة.

المسألة الثانية: جاء الكلام عن مسألة الروح، من المسائل التي نؤكد عليها في هذا المقام أن الروح لاشك أنها مخلوقة من جملة المخلوقات التي خلقها الله -سبحانه وتعالى- قال -عز وجل-: ﴿ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الرعد: 16] فقوله تعالى: ﴿ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ و"كل" من أبلغ صيغ العموم، فيدخل في ذلك الروح وسائر المخلوقات، فالروح مخلوقة، خلافًا لزنادقة الفلاسفة والصوفية الذين زعموا أن الروح قديمة، ومقصودهم لما يقولوا: الروح قديمة، أي أنها قديمة كقِدم الله -سبحانه وتعالى- تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

إذن نخلص من هذا أن الروح مخلوقة من جملة المخلوقات التي خلقها الله -سبحانه وتعالى-.

طبعًا بعض أصحاب الشبهات والذين في قلوبهم مرض يقولون: إن الروح ليست مخلوقة، وربما يتعللون ببعض الآيات القرآنية فيقولون أن الله -تعالى- قال: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ [الحجر: 29] فأضاف الروح إلى نفسه -سبحانه وتعالى-، فيحتجون بهذا فيقولون: الروح مضافة إلى الله كإضافة الصفات، واضح الشبهة عند القوم، فيقولون: كما يضاف مثلًا الكلام والسمع والبصر إلى الله فأيضًا إضافة الروح مثل إضافة السمع والبصر والكلام، وأنتم تعرفون أن السمع والبصر إذا أضيف إلى الله مثل ما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ﴾ [التوبة: 6] هذه إضافة صفة إلى الموصوف ولا إضافة مخلوق إلى الخالق؟ جزمًا إضافة صفة إلى الموصوف، فهؤلاء زعموا أن إضافة الروح إلى الله في قوله: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ من جنس إضافة الصفة إلى الموصوف، فنقول لهؤلاء: كلامكم هذا تلبيس، وكلام باطل بل إضافة الروح هنا هي من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، وهي إضافة تقتضي التشريق والتكريم.

قد يقول قائل: ما الضابط؟ كيف نعرف أن هذه الإضافة من باب إضافة المخلوق إلى الخالق؟ أو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف؟

عندنا الآن -أيها الإخوة الكرام ومن يشاهد هذه الحلقة- عندنا إفراط وتفريط، هناك من إذا رأى شيئًا أضيف إلى الله يحكم مطلقًا أنه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وهناك العكس، يرى أن كل ما يضاف إلى الله هو من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، أهل السنة والجماعة يفرقون، ويقولون:

هناك أشياء تضاف إلى الله هي من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.

وهناك أشياء تضاف إلى الله هي من باب إضافة المخلوق إلى الخالق.

فما الذي يضبط المسألة؟ كيف نعرف أن هذا إضافة صفة للموصوف أو أن هذا من باب إضافة المخلوق إلى الخالق؟

الجواب بإيجاز وينبغي أن تنتبهوا وأيضًا كذلك من يشاهد هذه الحلقة: أن المضاف إلى الله إن كان من الأعيان، أو بعبارة أخرى: إن كان قائمًا بذاته فهو من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، لما تقول مثلًا عن الكعبة بيت الله، الكعبة الآن تراها قائمة بذاتها أليس كذلك؟ فلما نقول: الكعبة هي بيت الله فهذا من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، لما نقول عن ناقة صالح -عليه السلام-: إنها ناقة الله، فهذه أيضًا من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، الناقة قائمة بذاتها ويراها الناس آنذاك، كذلك أيضًا لما نقول مثلًا: إن عيسى -عليه السلام- قال: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ ﴾ [مريم: 30] فعيسى الآن شخص قائم بذاته ولا لا؟ كذلك، وهكذا، لكن لما نأتي للكلام كما سمعنا الآية الكريمة، ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ﴾ الكلام هل هو قائم بذاته ولا قائم بالموصوف؟ هل الكلام قائم بذاته؟ هل أحد منكم رأى الكلام قائم بذاته مثل هذه الطاولة أو مثل هذا الآدمي الذي أمامكم؟ لا، الكلام هو من المعاني التي تقوم بالموصوف، فخذوها قاعدة: إن ما كان قائمًا بذاته فإنه إذا ضيف إلى الله يكون من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، أما إذا كان معنى لا يقوم بذاته فإضافته إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.

نرجع إلى مسألة الروح التي وقع فيها الاشتباه، الروح الآن هي في الحقيقة والواقع هي قائمة بذاتها، الروح الآن تذهب وتصعد وتجيء ولا لا؟ لاحظوا الآية التي سمعناها: ﴿ اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ﴾ [الزمر: 42] إذن الروح تذهب، الروح تفارق البدن أليس كذلك؟ تفارقه عند الموت، وتفارقه أيضًا عند النوم أي نعم، وأيضًا هو -عليه الصلاة والسلام- قال: (إن الروح إذا قُبِضَ تبعه البصر) فالروح قائم بذاته وإن كنا لا نشاهده بأعيننا، إذن نقول: الروح إضافتها إلى الله هي من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، وهكذا، إذا قلنا: إن عيسى روح الله حتى ما يقع لبس في مسألة عيسى -عليه السلام- فهذا أيضًا من باب إضافة المخلوق إلى الخالق باعتبار أن عيسى قائم بذاته وأيضًا اعتبار أن الروح قائمة تذهب وتصعد وتجيء. هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

ننتقل إلى مسألة أخرى: الروح كما لا يخفى عليكم حصل فيها خوض وحصل فيها قيل وقال: والله تعالى قال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ [الإسراء: 85] والله -سبحانه وتعالى- في كتابه والنبي -عليه الصلاة والسلام- كما جاء في السنة الصحيحة ذكر شيئًا من صفات الروح وأنها تذهب وتصعد وتجيء وأنها تُقبض وأنها كما في حديث البراء بن عازب الطويل وأنها تُنزع، روح الكافر تُنزع كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، وروح المؤمن أنها تخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء فهذه كلها صفات جاءت بها نصوص الوحيين الواجب علينا أن نصدق بها وأن نؤمن.

المقصود أن علينا أن نؤمن بهذه الصفات التي جاءت في نصوص الوحيين، كما هي العادة في جملة من المسائل يقع الإفراط والتفريط، هنا في مسألة الروح وقع إفراط وتفريط، وقع إفراط وتفريط عند الفلاسفة وعند المتكلمين، فالفلاسفة جعلوا الروح كالعدم، قالوا: الروح لا داخل العالم ولا خارجه، لا داخل البدن ولا خارجه طيب إذا كانت الروح لا داخل البدن ولا خارجه أو لا داخل العالم ولا خارجه أين ستكون؟!! هل ستكون موجودة؟!! إذن ستكون معدومة، ما فيه شيء إلا أن يكون إما داخل العالم الذي نراه وإما خارج العالم، لكنك تقول: لا داخل العالم ولا خارجه ولا داخل البدن ولا خارجه صارت عدمًا، فالفلاسفة غلب عليهم تجريد الروح، أنهم جردوا الروح عن صفاتها، يعني جردوا أنهم نفوا الصفات عن هذه الروح فوقعوا في هذا التعطيل المحض فجعلوها عدمًا، قابلهم المتكلمون، المتكلمون العكس تمامًا، فالمتكلمون جعلوا الروح كالبدن، فبعضهم يقول لك مثلًا: الروح هي الحرارة الغريزية، يقول لك الآن الشخص إذا مات يكون بدنه باردًا أم حارًا؟ باردًا فيقول لك: الروح هي الحرارة الغريزية، وبعض يقول لك: الروح هي الدم الصافي، الشخص الآن إذا مثلًا ضربت عنقه وخرج هذا الدم فيقول لك: هذه هي الروح، القصد أننا نجد أن أهل الكلام لهم أقوال متعددة يجمعها أنهم جعلوا الروح كالبدن، نحن لسنا مع هؤلاء ولا مع أولئك، نحن نقول: الروح وصفت بصفات يجب أن نثبتها خلافًا لمن؟ للمتكلمين ولا الفلاسفة؟ خلافًا للفلاسفة، لكن هل نقول: إن الروح مثل البدن؟ أبدًا، الروح ليست مثل البدن، الروح لها شأن عجيب، أنت الآن نائم والروح أيضًا تفارق بدنك ولا ما تفارقه؟ تفارقه، لكن بإطلاق ولا تفارقه بوجه؟ بوجه، فشأن الروح كونها تذهب تصعد تجيء، النبي -عليه الصلاة والسلام- رأى موسى في حديث الإسراء والمعراج أين؟ في أي سماء؟ السماء السادسة، وفي حديث مسلم أنه -عليه الصلاة والسلام- رآه يصلي في قبره، طبعًا رأى من؟ رأى هذه الروح، فلما رآه في السماء قلنا: هذه الروح، هذه أرواح الأنبياء شكلت بأبدانهم فهذا شأن الأرواح تصعد تذهب وتجيء على وفق تقدي الله -سبحانه وتعالى- ومشيئته.

إذن نخلص من هذا أن نشير إلى هذا المسلك الضال والمنحرف عند الفلاسفة وعند المتكلمين.

تبقى عندنا مسألة وهي مسألة: هل تموت الروح؟

هذه وقع فيها نزاع وابن القيم حكى الخلاف، وبين تحرير المسألة، والجواب في هذا بإيجاز شديد: أن نقول: ماذا يراد بالموت؟ إن أردت بالموت مفارقة الروح للبدن أن هذه الروح تفارق البدن فإذا أريد بالموت مفارقة الروح البدن، فهل الروح تموت بهذا المعنى ولا لا؟

تموت.

نعم تموت إذا أريد ذلك، أما إن أريد بالموت العدم، أنها تُعدم، فليس الأمر كذلك، فالله -سبحانه وتعالى- خلق هذه الروح وكتب لها الخلود، واضح الكلام في المسألة هذه؟ نقول: مسألة هل تموت الروح؟ إن أريد بالموت مفارقة الروح للبدن فنعم، فهي تموت بهذا المعنى، أما إن أريد بالموت العدم أن الروح تُعدم كما البدن يُعدم، ما هو الآن الشخص إذا مات هذا البدن يبلى ولا ما يبلى؟ فإن أريد بالموت العدم والبلاء فالروح كتب الله لها الخلود والله أعلم.

يقول: إذا قلنا بأن الروح تعدم، عندما يموت الإنسان يكون عذاب وأيضًا يكون نعيم في القبر هذا العذاب وهذا النعيم يكون على البدن والروح؟ وإذا قلنا بأن الروح تعدم فمعناه أن العذاب أيضًا ينعدم بانعدام الروح؟.

لا.. بس إحنا يا أخي الكريم هل قلنا أن الروح تعدم؟ ما قلنا هذا، الروح تفارق الجسد، لكن إذا وضع إنسان في قبره كما سيأتي بعد قليل -إن شاء الله- الروح تتصل بالبدن في القبر، لكن الروح ليس لا يقال إنها معدومة، لا تعدم، نحن الآن نريد أن نفصل في المسألة فنقول: إذا أريد بالموت مفارقة روح البدن نعم، لكن إذا أريد بالموت العدم فالروح تموت ولا ما تموت بهذا المعنى؟ هل تموت الروح بمعنى أنها تُعدم؟

لا أبدً.

لا، إجماعًا إذا أريد بالموت العدم أنها تعدم فلان، وإن أريد به مفارقة البدن فنعم، يعني هذا هو الخلاصة في هذا الكلام في هذه المسألة.

يقول: أنتم ذكرتم أقوال الفلاسفة والمتكلمين في تفسيرهم لمعنى الروح، لكن ما أدري هل أشرتم إلى قول أهل السنة والجماعة؟.

نحن قلنا أهل السنة والجماعة وسط بين الفلاسفة وبين المتكلمين فنحن لا نقول إن الروح كالبدن، بل نقول: أن الروح لها من الصفات والأحوال ما لا يماثل البدن، لكن أيضًا لما نقول إنها لها من الصفات والأحوال ما يخالف البدن لا يعني أننا ننفي جميع الصفات، البدن الآن الشخص مثلًا أنت الآن مثلًا في الدور الأرضي تصعد أحيانًا للدور الثاني، والروح تصعد ولا ما تصعد؟ تصعد وتذهب وتجيء، لكن هل يلزم من ذلك المماثلة؟ هل صعود الروح يماثل تمامًا صعود البدن؟ الجواب، لا. فالمقصود أن أهل السنة وسط بين الفريقين، وأهل السنة يثبتون الصفات التي جاءت في نصوص الوحيين، هذا هو المسلك الوسط أننا نثبت الصفات ونقتصر على ما جاء به الدليل، والله أعلم.

تقول: ما الفرق بين الروح والنفس؟.

هذا ذكرها الشارح عرض لها والشارح من باب الفائدة كلام الشارح -رحمة الله عليه- هنا في كلام ابن أبي العز هو ملخص من كتاب "الروح" لابن القيم، وابن القيم عرض لهذه المسألة، فمنهم من قال: إن الروح شيء والنفس شيء، والذي عليه الجمهور أن الروح هي النفس، هذا الذي عليه الجمهور، وإن كان ابن القيم فصل وقال: إن الروح لها إطلاقات تختص بها والنفس لها إطلاقات تختص بها هذا بسطه ابن القيم، لكن الذي عليه جمهور أهل السنة أنها قد تسمى النفس وقد تسمى الروح.

يقول: الروح هل هي منتشرة في الجسم؟ أم الروح هي شيء معنوي في مكان ما؟ قال الله تعالى: ﴿ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ﴾ [الواقعة: 83] معنى ذلك أنها تتجمع حتى تبلغ في مكان ما، والإنسان إذا قطع عضو منه هل قطعت شيء من الروح؟.

على كلٍ نحن كما قلنا لكم في البداية: إن الروح أيها الإخوة الكرام هي من الغيب الذي يجب علينا أن نؤمن به سواءً عقلناه أو لم نعقله، أما القضية التي ذكرتها أن الروح هل هي تكون في موطن أم أنها منتشرة؟ يعني ابن القيم -رحمه الله- كلامه في تعريف الروح يدل على أنه ربما يميل إلى أنها في البدن كله فهو قال: إن الروح هي جسم لطيف نوراني علوي يسري في البدن سريان الماء في الورد، فلما تأتي مثل الورد ونحوه الماء يسري في بعضه أو في جميعه؟ في جميعه، هذا يمكن أن يقال.

البعض يقول لك مثلًا: كون شخص قطع منه عضو هذا العضو تعطلت منافعه فالروح التي تسري فيه ذهبت، يعني مثلًا شخص عنده شلل في يده وعلى كلٍ نحن لا نريد أن نخوض في أمر هو مُغيب، أين موطن الروح؟ أنا ما عندي جواب في هذا، ويكفينا ما جاء في الآية الكريمة التي سمعناها ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ لكن أيضًا لما نقول: إن الروح هي من أمر ربي كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ [الإسراء: 85] لا يفهم من هذا ما يقع فيه البعض أحيانًا أن البعض لا يريد أنك تذكر من صفات الروح بحجة أنها من أمر ربي، لا. هي لاشك أنها من مأمورات الله ومخلوقاته، لكن الله -سبحانه وتعالى- ذكر في كتابه وعلى لسانه نبيه -عليه الصلاة والسلام- جملة من هذه الصفات التي يجب علينا أن نؤمن بها وأن نصدق والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعن الصحابة -رضوان الله عليهم- والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران).

هنا قال -رحمه الله-: (وبعذاب القبر) يعني نؤمن بعذاب القبر (لمن كان له أهلً) عذاب القبر -أعاذنا الله منه- عذاب القبر ونعيمه مما يقرره أهل السنة في عقائدهم كما جاءت بذلك الأدلة، والأحاديث المتواترة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- بل جاء ذكر عذاب القبر في كتاب الله -عز وجل-، هذا أمر قرره أهل السنة وأثبتوه في عقائدهم إتباعًا لنصوص الوحيين، أما الفلاسفة والزنادقة فقد أنكروا ذلك، فأنكر الزنادقة والفلاسفة عذاب القبر كما أنكره أيضًا الخوارج وبعض المعتزلة، فعندنا الزنادقة، وإذا قلنا: الزنادقة ينصرف للمنافقين ونحوهم، وعندنا الفلاسفة أنكروا عذاب القبر، وعندنا الخوارج وبعض المعتزلة، فالمعتزلة منهم ومنهم، منهم من يقر بعذاب القبر ومنهم من ينكر عذاب القبر، هؤلاء هم الذين أنكروا عذاب القبر.

أشرنا إلى أن عذاب القبر جاء ذكره في كتاب الله -عز وجل- ومنه ما جاء في قوله تعالى عن آل فرعون قال -عز وجل-: ﴿ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴿45﴾ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: 45، 46]، فهنا في قوله تعالى: ﴿ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴿45﴾ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ المراد بالنار كما قال جملة من المفسرين المراد بالنار هنا -أعاذنا الله منها- عذاب القبر، قال: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ إذن الأولى هي القيامة الصغرى، ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ ثم قال: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ﴾ التي هي القيامة الكبرى التي هي ما بعد البعث والنشور كما سيأتي -إن شاء الله-.

أيضًا جاء في سورة الطور إشارة إلى ذلك كما يقول بعض المفسرين قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الطور: 47] فهنا أشار بعض المفسرين إلى أن المراد بذلك عذاب القبر.

أما الأحاديث: فالأحاديث في هذا متواترة -كما ذكرنا- منها حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- مرفوعًا قال -عليه الصلاة والسلام-: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيجلسانه فيقولانه له: ما تقول في هذا الرجل -يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم-؟ فيقول المؤمن: هو عبد الله ورسوله -عليه الصلاة والسلام- فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة) قال -عليه الصلاة والسلام-: (فينظر إليهما جميعً) ينظر إلى ماذا؟ إلى مقعد النار ومقعد الجنة، ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: (وأما الكافر المنافق فيقول: سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فيقال له: لا دريت ولا تليت ثم يضرب بمطرقة من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين) أخرجه البخاري ومسلم، هكذا جاء الحديث، وجاء حديث البراء بن عازب الطويل فيما هو أكثر بسطًا من ذلك.

أيضًا من الأحاديث التي ينبغي أن نذكرها في هذا المقام ونذكر أنفسنا ونذكر الإخوة ومن يشاهد هذه الحلقة أن نذكر بحديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، لما مر النبي -عليه الصلاة والسلام- بقبرين فقال -عليه الصلاة والسلام-: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما الأول فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ثم أخذ -عليه الصلاة والسلام- جريدة رطبة فشقها نصفين وجعل على كل واحدة منهما شقًا؛ وقال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبس) أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-، وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وحديث أنس السابق أيضًا أخرجه البخاري ومسلم.

المقصود أيها الإخوة أن أحاديث عذاب القبر ونعيمه أحاديث متواترة يجب علينا أن نؤمن بها وأن نصدق وأن نستعد لهذا المآل، وهذا المصير، غلب على الناس -ونحن منهم- الغفلة والانهماك في الحياة الدنيا.

الله -تعالى- يقول عن حال كثير من الناس قال-عز وجل-: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ [الروم: 7]، هذا غالب حال الناس، غالب حال المسلمين، الدنيا والملذات والقيل والقال، لكن تذكر الدار الآخرة، تذكر الموت وما بعده وهو حق اليقين وعين اليقين هناك غفلة، فيجب علينا نحن معشر المسلمين أن نتذكر الموت، وأن نستعد للقاء الله -سبحانه وتعالى-، فهذا الموت حتم لازم، وما من أحد منا إلا وله قريب أو صديق أو ابن أو كذا إلا وقد قربت منه المنية فهذه كلها نذر، كلها عبر لمن كان له قلب.

قال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ [آل عمران: 185]، ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ [القصص: 88] الرسول -عليه الصلاة والسلام- في حديث ابن عمر أخذ بمنكبي ابن عمر أو بمنكبه، وقال -عليه الصلاة والسلام- لابن عمر: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) ثم كان ابن عمر يقول: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وخذ من صحتك لمرضك ومن فراغك لشغلك» أو كما قال -رضي الله عنه-، فلابد من الاعتناء بهذا الأمر والاستعداد له.

كان أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- إذا وقف عند القبر يبكي حتى تبتل لحيته بالدموع، فسئل عن ذلك فقال -رضي الله عنه- قال: إني سمعت رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يقول: (القبر أول منازل الآخرة، من نجا منه فما بعده أيسر منه، ومن لم ينجو منه فما بعده أشد منه) ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: (ما رأيت منظرًا قط أفظع من القبر) أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-.

فيا أيها الإخوة ينبغي أن نتنبه لهذا الأمر، وأن نلتفت إلى هذا الموضوع، ما يتعلق بالموت وما يتعلق بعذاب القبر ونعيمه، هناك غفلة وهناك ركون للدنيا، وركون للملذات، والشهوات فينبغي للإنسان أن يحرك قلبه، وأن يتذكر هذا المصير الذي لا انفكاك عنه، وأن يتذكر أصحابه وأقرانه وآباءه وأجداده ممن اخترمتهم المنية، وصاروا الآن بين أطباق الثرى نسأل الله -تعالى- لنا ولكم العبرة ونسأله -سبحانه وتعالى- لنا ولكم حسن الختام.

تقول: بالنسبة لعلمكم بالكتاب والسنة هل ورد في الكتاب والسنة شيء بخصوص أيام القبر ولياليه هل هي كأيام الدنيا في طولها ولياليها؟ أم هي تعد من أيام الآخرة كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [الحج: 47]؟

الشق الثاني من السؤال: ورد حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في سورة "الملك" بأنها منجية من عذاب القبر إذا قرأت في كل ليلة، ما مدى صحة هذا الحديث؟ وهل يوجد شيء معروف في الكتاب والسنة إذا تمسك به المؤمن كان له منجيًا من عذاب القبر سواءً إذا تمسك مثلًا بصيام أو بصلاة أو بشيء من العبادات أكد عليه النبي أنه إذا تمسك به يكون منجيًا من عذاب القبر أو أنه لا يوجد؟.

أنا ما أدري عن السؤال الأول، ما أدري عن قضية هل أيامه كأيام الدنيا أو أيام الآخرة القيامة الكبرى ما أدري.

أما قضية ما الذي ينجي من عذاب القبر؟ نعم ما جاء في "تبارك" هذا ثابت، ويبقى هذا من نصوص الوعد، ونصوص الوعد يجب أن نثبتها كما نثبت نصوص الوعيد، لكن هذا الوعد أيضًا متحقق باجتماع الشروط وانتفاء الموانع، فلا يعني كون الشخص يحافظ عليها ويقصر فيما عداها، لا يعني أن يكون هذا منجيًا له، فالوعد والوعيد هو متحقق لكن باجتماع الشروط وانتفاء الموانع.

أما الذي ينجي من عذاب القبر فالعلماء تحدثوا منهم السفاريني -رحمه الله- أن الذي يمكن أن يقال على سبيل الإجمال والإطلاق أن فعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه هو الذي ينجي العبد من عذاب القبر هذا على سبيل الإجمال، فالعبد المؤمن الذي يفعل ما أمر الله به من الواجبات، وينتهي عما حرم الله لاشك أن هذا هو الذي ستتحقق له النجاة من عذاب القبر، فهذا هو الجواب الذي يمكن أن يقال على سبيل الإجمال.

يقول: عذاب القبر يكون للروح أو للجسم أو كلاهما؟ وبعض الناس يسألون عن نوعية العذاب في القبر؟ يعني يختلف عذاب القبر للمنافق للكافر أو هما سواء في العذاب؟.

يعني هو العذاب عذاب القبر -أعاذنا الله منه- على الروح والبدن معًا، هذا الذي يظهر وهذا الذي أشار له ابن القيم -رحمه الله- في كتاب "الروح" أيضًا ما دام أنك ذكرت المسألة هذه نحن نؤكد أيها الإخوة أن ما يتعلق بالحياة البرزخية أو ما يتعلق بعذاب القبر ونعيمه أيها الإخوة هذا من الغيب الذي استأثر الله به فيجب علينا أن نؤمن بذلك وأن نوقن بما جاء في النصوص الشرعية وإن كنا لا نعقل كيفية هذا العذاب أو ذاك النعيم، الواجب علينا نؤمن بذلك وأن نصدق؛ لأن هذا كلام الله -سبحانه وتعالى- وكلام النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي لا ينطق عن الهوى، أما العذاب فيقع عليهما.

يبقى أيضًا في مسائل يمكن نذكرها بمناسبة هذا السؤال أيضًا حتى السؤال. العبد يسأل عن من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ فأيضًا الذي يظهر أن هذا السؤال عام، يعني سؤال عام للمؤمن والكافر والمنافق، وحديث البراء يدل على ذلك، أنه قال في رواية قال: (أما الكافر) وفي رواية قال: (أما المنافق) وفي رواية قال: (أما المرتاب) فالذي يظهر أنه يسأل جميع هؤلاء سواء كانوا مؤمنين أو كفار أو منافقين.

أيضًا هناك مسألة: هل عذاب القبر أو السؤال وما يتبعه من العذاب هل السؤال من ربك؟ ومن نبيك؟ يختص بأمة محمد -عليه الصلاة والسلام- وما معها من منافقين وكافرين؟ أم يشمل الأمم كلها؟ فالذي استظهره ابن القيم ورجحه ابن القيم -رحمه الله- أن السؤال عام، يعني لهذه الأمة ولغيرها، وقال إنهم إذا كانوا يُسألون يوم القيامة ماذا كنتم تعبدون؟ ماذا أجبتم المرسلين؟ فأيضًا هم يسألون أيضًا في قبورهم، ومن أهل العلم من يرى أن هذا السؤال يختص بهذه الأمة بناءً على الأحاديث: (إن هذه الأمة تبتلى في قبوره) لكن الذي رجحه ابن القيم هو ما سمعناه من جهة أن السؤال لجميع الأمم ليس خاصًا بأمة محمد -عليه الصلاة والسلام-، والله أعلم.

الكلام الذي أنت أشرت إليه في قضية العذاب -أعاذنا الله من عذاب القبر- نعم هو العذاب يتفاوت فليس الناس في عذاب القبر على حد سواء ومر بنا ما ذكر عن آل فرعون، لما قال تعالى: ﴿ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴾ فالذين في القبر يتفاوت عذابهم ليسوا على حد سواء، وهذا مقتضى حكمة الله -سبحانه وتعالى- وعدله، أنهم ليسوا على حد سواء.

انتهينا من مسألة أن العذاب للروح والبدن، وأيضًا كذلك السؤال للروح والبدن، طبعًا لا ننسى أنه جاء في حديث البراء بن عازب الطويل أنه جاء فيه أنه: (فترد روحه إلى بدنه) الميت فبعض الناس يفهم أنه ترد كما هو في الحياة الدنيا، لا ليس الأمر كذلك، هذا كما قال العلماء: هذا رد عارض ليس أمرًا مستقرًا ولا مضطردًا ترد له من أجل هذا السؤال، ومن أجل الامتحان.

أيضًا نحب أن نشير كما ذكر العلماء: أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ سواءً الشخص دُفَنِ أو لم يُدْفَن، يعني هذا الشخص مات غريقًا أو أكلته السباع أو إلى آخره كل من مات فله نصيب من هذا العذاب وذاك النعيم؛ لذلك قد تجد هذا الرجل مصلوب أمامك أو قد تجده مثلاً قد أكلته السباع هذا الشخص ندين الله -تعالى- أنه يعذب أو ينعم على حسب حاله، لكن هذا من الغيب الذي لا نطلع عليه ولا نعلم حقيقته ولا كيفيته، هذا ما يتعلق بأهم المسائل.

يبقى عذاب القبر هل يدوم؟ يعني أن الشخص يعذب في قبره حتى تقوم الساعة الكبرى حتى يأتي البعث والنشور حتى ينفخ إسرافيل -عليه السلام- نفخة البعث؟ أم أن العذاب أوقات وينقطع؟

الذي حرره أيضًا ابن القيم وبناءً على أدلة أن عذاب القبر على قسمين: منه ما هو دائم لا ينقطع كما هو في حال الكفار، ومنه ما هو ينقطع كما هو حال بعض عصاة الموحدين، فالعذاب الدائم كما هو حال الكفار كما سمعنا الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴿45﴾ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ فهذا العذاب مستمر -أعاذنا الله من ذلك- وهناك عذاب في القبر لكنه ينقطع يكون في حق بعض عصاة المسلمين، وعلى كلٍ لعل مما ينج من هذا العذاب أن المسلم يحافظ على هذا الدعاء الذي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلمه الصحابة كما يعلمهم سورة من القرآن، أن يقول الشخص في دبر كل صلاة قبل أن ينصرف وقبل أن يسلم من صلاته أن يقول: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيى والممات، ومن فتنة المسيح الدجال).

أختم بمسألة فيما يتعلق بمسألة الأرواح وهي مستقر الأرواح، أين تكون الأرواح في البرزخ؟ في هذه الفترة التي هي بين الحياة الدنيا والقيامة الكبرى؟ الناس لهم في هذا أقوال متعددة، والذي حرره ابن القيم ولخصه ابن القيم أن هذه الأرواح متفاوتة ليس مستقرها واحد، فمن الأرواح ما هو في أعلى عليين، كأرواح الأنبياء -عليهم السلام- ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت كما جاءت في ذلك الأحاديث، وهي أرواح الشهداء الذين ماتوا في سبيل الله قتلوا في سبيل الله ومنها أرواح محبوسة على باب الجنة ومنها أرواح محبوسة عند القبر ومنها أرواح في تنور من نار، وهي أرواح الزناة أعاذنا الله من هذا الحال ومن هذا المآل، فالمقصود أن هذه أرواح متفاوتة بحسب أحوال هؤلاء الأشخاص من العمل والسعي والله أعلم. هذا تقريبًا أهم المسائل الواردة في هذا الموضوع.

تقول: هل صحيح أن أجساد الصالحين لا تبلى؟ وهل هذا خاص بالصالحين دون غيرهم؟.

والله ما أدري عن هذا، هو الأصل الحديث الذي يجب أن نستصحبه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (كل شيء في ابن آدم يبلى إلا عجو الذنب) هذا الأصل في بني آدم أن هذا الجسم يبلى، لكن جاء من الوقائع والأحداث أن جملة من عباد الله الصالحين أو الشهداء أو قبل هذا كله الصحابة -رضي الله عنهم- أن بعض قبورهم حصل لها أنها انكشفت فكما لو كانوا قد ماتوا في هذا الوقت، نعم جاء الحديث ورد: (أن الله حرم الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) فالمقصود أن هذا وارد، وارد أن يحصل هذا الأمر لكن ليس هذا أمرًا مقطوعًا به، نعم عندنا نصوص عندنا وقائع تدل على هذا، لكن هل هو أمر مضطرد؟ أنا ما أستطيع أن أجزم بشيء من هذا.

تقول: هل ورد أن أرواح المؤمنين تتزاور في القبور؟ وهل ورد أن العبد يخبر بما يفعل أهله من بعده؟.

والله ما ذكرته الأخت يعني ابن القيم أورده، قضية أن الأرواح تتزاور، وقضية أنهم يسألون عن أحوال من هم في الدنيا أو يعرفون شيئًا من ذلك، ذكر ذلك ابن القيم، وذكر جملة من الآثار لكن هذا أيضًا موقوف على ثبوت هذه الأشياء، فلا نستطيع أن نجزم بهذا إلا إذا ثبتت هذه بالآثار، ابن القيم أورد جملة من ذلك وعقد لها فصلًا مستقلًا أن الأرواح تتزاور لكن هذا مداره على الثبوت، هل ثبتت هذه الآثار صحت؟ إن صحت فما لنا إلا أن نسلم، إذا ما صحت فلا نستطيع أن نجزم بأنها تتزاور أو أنها مثلًا يعرفون ما يقع من أحوال الناس، والأصل في الميت أنه قد انقطع عمله وأنه لا يدري ما يحصل، والنبي -عليه الصلاة والسلام- لما يذاد من يذاد عن الحوض فيقول: (أصيحابي) فيقال: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) -عليه الصلاة والسلام-، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لا يعلم فغيره من باب أولى، والله أعلم.

يقول: إن كثير من الناس يخافون من الموت ومن الدخول في القبر؟ فيسأل أولًا: هل هذا الخوف مشروع؟ وأيضًا كيف يمكن التخلص من هذا الخوف؟.

يعني كون الواحد يخاف الموت هذا أمر جبلت النفوس عليه أنت رأيت أحدنا الآن يحب الموت، إلا من بلغ به الإيمان ما بلغ وأحب لقاء الله، وإلا النفوس كلها تكره الموت النفوس جبلت على حب الدنيا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لما يعني الحديث قالت عائشة: (كلنا يكره الموت) فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)، فأقصد كون الإنسان يكره الموت حتى المؤمن يكره؛ لأن هذا الموت يجعله مفارقًا لأهله وولده وأصحابه وهذا الموت يقطعه عن العمل الصالح فكون الإنسان يخاف الموت لا إشكال فيه، لكن هذا الخوف ينبغي أن يستثمر، لا يكون هذا الخوف يؤدي بالإنسان إلى الهلع، وأن تتفرق مشاعره ويستحوذ عليه هذا الخوف الذي يفرق عليه جهده فلا ينام ولا ينتفع بوقت ولا بحياة، لا..، هذا ليس محمودًا، وإنما الخوف هو الذي يحملك على طاعة الله، هذا الخوف من الموت هو الذي يحمل على طاعة الله على ترك المحرمات مثل ما مر بنا فقي الخوف، الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله، فإذا خفت الموت أو خفت من عقاب الله، أو خفت من الله -سبحانه وتعالى- إن حملك الخوف على فعل المأمور وترك المحذور هذا هو المحمود والله أعلم.

أسئلة الحلقة.

السؤال الأول: هل الكرام الحافظون يكتبون نوايا العبد أو نوايا القلب؟ مع الدليل؟

السؤال الثاني: هل تموت الروح؟ مع التعليل؟

 

 

طباعة

1244  زائر

إرسال


الترك المطلوب : قال شريح : فو الله لا تجد فَقْد شيء تركته لوجه الله. طبقات ابن سعد 6/136
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 

الوهابية في مواجهة الغلاة
***

نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية
***

نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية
***

سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها
***

خدمة الواتس اب
***

صفة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ونفعها للعصاة
***