التاريخ : 30/5/1428 هـ

الدروس العلمية

د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

الدرس السادس عشر - من قوله : «ونحب أهل العدل...»

الدرس السادس عشر

من قوله : «ونحب أهل العدل...»

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أما بعد:

أسئلة الحلقة الماضية.

كان السؤال الأول: لم جوز أهل السنة والجماعة الصلاة خلف كل بر وفاجر؟

وكانت الإجابة: جوز أهل السنة والجماعة الصلاة خلف كل بر وفاجر؛ لأن المسلم بني أمرين إما أن يترك الجمعة والجماعة؛ لأجل عدم الصلاة وراء هذا الفاجر، وإما أن يصلي وراء كل بر وفاجر، ولاشك أن ترك الجماعة والجمعة أكثر وأعظم خطرًا من الصلاة وراء الفاجر والفاسق.

نعم.. إجابة الأخ صحيحة وإجابة موفقة.

السؤال الثاني: لم لا نشهد على معين من أهل القبلة بجنة أو نار؟

وكانت الإجابة: لأن حقائق الأمور وما في قلوب العباد لا يعلمه إلا الله -جل وعلا- قال تعالى: ﴿ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ [هود: 31]، ومن أهل السنة من قال: لا نشهد إلا للأنبياء، ومنهم من قال: نشهد لمن شهد له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كالصحابة العشرة -رضي الله عنهم- ومنهم من قال أيضًا: نشهد لمن شهد له الناس بالثناء الحسن أو بالثناء السيئ.

إجابة الأخ الكريم إجابة صحيحة ونشكره على حرصه.

يقول: من يشهد له الناس بالخير أو بفعل الخير والطاعة والتقرب إلى الله -جل وعلا- ألا يتعارض مع وجوب أن تكون الأعمال خالصة لوجه الله -تعالى- والبعد عن الرياء في التقرب إلى الله جل وعلا؟.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يبدو لي والله أعلم ما فيه تعارض، فالعبد إذا عمل العمل يبتغي بذلك وجه الله ويبتغي بذلك ما عند الله، فمن آثاره الحسنة ومن آثار العمل الصالح أن الله -تعالى- يجعل له القبول، ويجعل له الثناء الحسن ونحن أهل السنة والجماعة في هذا الباب -باب الإخلاص- وسط بين المرائين الذين يعملون العمل من أجل الناس ومن أجل مدح الناس وثنائهم، وبين من يقابل ذلك وهم طائفة يقال لها طائفة الملامية الذين يبحثون عن لوم الناس، فالمرائي يبحث عن مدح الناس، والملامية وهم طائفة من الصوفية كانوا يبحثون عن لوم الناس وذمهم، فالمسلك العدل في هذا أن العبد يعمل صالحًا يبتغي بذلك وجه الله، لا يبتغي بذلك مدح الناس، وأيضًا لا يقصد ذم الناس ولومهم، فالعبد المسلم يصلي الصلوات الخمس فيشهد له بالخير والصلاح، وإبراهيم -عليه السلام- كان من دعائه أنه كان يقول: ﴿ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآَخِرِينَ ﴾ [الشعراء: 84] فالمقصود أن العبد إذا فعل الحسنة فإن الله -تعالى- يجعل له القبول والثناء الحسن ولا يضره ذلك ما دام أن هذا العمل أداه ابتغاء وجه الله -سبحانه وتعالى- وقد سئل النبي -عليه الصلاة والسلام- فقيل له: الرجل يعمل الخير ويحمده الناس؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-: (تلك عاجل بشرى المؤمن) والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة).

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، هذه العبارة التي حررها الإمام الطحاوي -رحمه الله- لما قال: (ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة) هذه مسألة تتعلق بالحب في الله والبغض في الله، وما يتفرع عنهما من الولاء والبراء، وهذا الموضوع من الأهمية بمكان، ونوجز الكلام عنه على النحو التالي:

فنقول مستعينين بالله -سبحانه وتعالى- وحده: أولًا -أيها الإخوة ومن يشاهدوا هذه الحلقة-:

المسألة الأولى: إن الله -سبحانه وتعالى- هو المعبود، وهو -سبحانه وتعالى- هو المعبود وحده لا شريك له، وحقيقة التوحيد تقتضي إخلاص جميع العبادات لله -سبحانه وتعالى- وحده، وكل عبادة يجب أن تُصرف لله -تعالى- وحده لا شريك له، وأجَّل العبادات القلبية، وآكدها وأعظمها عبادة الحب، والله -سبحانه وتعالى- هو المألوه أي: المعبود المحبوب -سبحانه وتعالى-، فيجب على كل مسلم ومسلمة أن يكون قلبه عامرًا بمحبة الله -سبحانه وتعالى- هذه المحبة التي يقترن بها الإجلال والخشية والتعظيم لله -سبحانه وتعالى- إذا تقرر أن الله -تعالى- هو المعبود وحده لا شريك له، فهذا يوجب أن نحب ما يحبه الله، فحب الله -تعالى- هو الأصل، هو رأس الأمر؛ ولهذا العبادات القلبية تدور على ثلاث عبادات: الحب والخوف والرجاء، وآكد هذه الأمور الثلاثة: الحب الذي هو من منزلة الرأس من الجسد، فهذا الحب إذا أحببنا الله -سبحانه وتعالى- فإن هذا يوجب أن نحب ما يحبه الله -سبحانه وتعالى- من الأعمال والأشخاص، فنحب الصلاة ونحب الطاعة ونحب الخير ونحب العفاف، وفي نفس الوقت أيضًا نبغض الكفر والفسق والفجور والعصيان والظلم والطغيان والاستبداد، وأيضًا نحب ما يحبه الله من الأشخاص فنحب المتقين ونحب المحسنين والصالحين والشهداء ونبغض الكفار والمشركين والفجار ونحو ذلك.

فإذن ينبغي أن تكون المسألة واضحة، ويتضح لكم أن ثمة صلة واضحة وبينة جلية بين توحيد العبادة وبين مسألة الحب في الله والبغض في الله، فالحب في الله والبغض في الله متفرع عن حب الله -سبحانه وتعالى- وللأسف أن البعض أحيانًا عندما يتحدث عن موضوع الحب في الله والبغض في الله يتحدث عنه دون أن يربطه أو أن يجعله وثيق الصلة بأصل هذا الدين وهو عبادة الله -تعالى- وحده لا شريك له، ومحبته -عز وجل-.

المقصود: أن الحب في الله والبغض في الله الذي يشير إليه الإمام الطحاوي -رحمه الله- هو متفرع عن حب الله -سبحانه وتعالى-، إذا تقرر ذلك فاعلم أن الشخص كلما زاد عبادة لله وزاد حبًا لله كلما زاد تحقيقًا لهذا الأصل الذي هو الحب في الله والبغض في الله، وانظروا إلى أعظم الناس عبادة هم الخليلان: إبراهيم -عليه السلام- ونبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، فهذان الخليلان وأكرمهما -كما لا يخفى- محمد -صلى الله عليه وسلم- هما أكمل الناس عبادة، وأتم الناس تعلقًا بالله -سبحانه وتعالى- ولهذا حققا هذا الأصل على أكمل وجه وأتم حال، فقال الله -سبحانه وتعالى- في حق إبراهيم الخليل -عليه السلام- قال -عز وجل-: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ ﴾ [الممتحنة: 4]، ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- جاء وصفه في قوله تعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: 29] فينبغي التنبه لهذا الأمر.

الأمر الثاني في هذا الموضوع: إذن تقرر عندنا أن حب الله -تعالى- هو الأصل ويتفرع عنه الحب في الله والبغض في الله، هذه المسألة الأولى.

المسألة الثانية أيها الإخوة الكرام: أن الحب في الله والبغض في الله هذا الحب والبغض هما عملان قلبيان، هما أمور باطنة، أمور وجدانية، أمور قلبية، لكن هذا الحب لابد أن يظهر على الجوارح، وهذا البغض لابد أن يظهر أيضًا على الجوارح، والحب هنا لازمه الولاء، والبغض لازمه البراء، فإذا العبد حب أهل الإيمان، هذا الحب القلبي الوجداني لابد أن يظهر على الجوارح، فإذا قلت لي: أنا أحب المؤمنين، هذه المحبة القلبية لابد أن تظهر على الجوارح، هذا الحب يتعلق بالباطن بالقلب، لابد أن يظهر على الجوارح، لابد أن يكون بينًا على الظاهر، فيظهر من خلال الأمور التي أمر بها الشارع من جهة مثلًا إفشاء السلام، من جهة عيادة المريض، من جهة نصرة المسلمين، سواءً كانوا مظلومين أو ظالمين، ظالمين بمعنى أن يردوا عن ظلمهم كما بين ذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- من جهة الدعاء لهم من جهة الذب عنهم، ونحو ذلك من الحقوق الإيمانية وحقوق الإخوة الإسلامية.

أيضًا كذلك لما نأتي موضوع الكفار نحن نقول: نبغضهم؛ لأن الله -تعالى- أمرنا ببغضهم هذا البغض ينبغي أن يكون ظاهرًا على الجوارح من جهة ألا نتشبه بهم، من جهة أن نفارق ديارهم، من جهة جهادهم في سبيل الله إذا تيسر ذلك، هذه كلها أمور عملية هي نعتبرها من لوازم هذا البغض الذي محله القلب، وهذا الكلام -أيها الإخوة الكرام ومن يشاهدوا هذه الحلقة- هذا الكلام يتسق مع قواعد أهل السنة وعقائدهم، فكما مر بنا في موضوع الإيمان أن الإيمان له باطن وله ظاهر أليس كذلك؟ فهذا الباطن الذي هو الحب والبغض لابد أن يكون ظاهرًا على الجوارح، هذا أمر ينبغي أن نؤكد عليه.

المسألة الثالثة: كما قلنا أيها الإخوة في الإيمان أنه يتبعض، ويمكن أن يجتمع في الشخص إيمان ومعصية، أو إيمان وكفر، بمعنى أنه عنده شيء من المعاصي التي هي من شعب الكفر الذي لا يخرج من الملة، فكما يجتمع في الشخص طاعة ومعصية وإيمان وكفر فكذا أيضًا يجتمع في الشخص الواحد موجب الحب وموجب البغض، بمعنى أن هذا الشخص يكون فيه السبب لمحبته أو فيه أسباب توجب محبته دينًا، وأيضًا توجد فيه أسباب أو سبب يوجب بغضه دينًا، ومن ذلك مثلًا كما هو حال الكثير منا والكثير من المسلمين ممن خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا فهؤلاء نحبهم ونواليهم على قدر طاعتهم، وعلى قدر استقامتهم، وفي نفس الوقت أيضًا نبغضهم ونعاديهم على قدر معصيتهم وعلى قدر فجورهم، وهذا أمر لا إشكال فيه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- أعطى لنا الأسوة في ذلك والقدوة -عليه الصلاة والسلام- فعبد الله الذي كان يشرب الخمر في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يُجلد في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- فلما قال بعضهم: (لعنه الله ما أكثر ما يُؤتى به؟ قال -عليه الصلاة والسلام-: لا تلعنه، أما علمت أنه يحب الله ورسوله) فهذا الرجل اجتمع فيه موجب الولاية وموجب العداوة، موجب الحب وموجب البغض، موجب الحب أنه مسلم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- ذب عنه، وفي بعض الأحاديث قال لما قال بعضهم: (أخذاه الله) قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا تعينوا الشيطان على أخيكم) هكذا قال -عليه الصلاة والسلام-، هذا مقتضى الحب، ومقتضى البغض أنه -عليه الصلاة والسلام- أقام عليه حد الجلد؛ لأنه شرب الخمر، فهذه قضية ينبغي أن تكون واضحة عندنا وبينة أنه يجتمع في الشخص موجب الحب وموجب البغض.

يقول: الكثير من المسلمين ابتلي بالمعاصي والذنوب الظاهرة والباطنة، لكن البغض هل هو بغض لذات الشخص أم لما التبس به من معاصي؟.

لا.. هو الكلام عن البغض والحب -أيها الإخوة- نحن نبغض هذا الشخص ونعاديه؛ لأنه تلبس بهذه المعصية، البعض يقول لك: نحن نبغض المعصية فقط، هذه المعصية سواءً كانت معصية من كبائر الذنوب أو كانت أشد من ذلك كالشرك بالله -سبحانه وتعالى- كما هو عند الكفار والمرتدين هذه المعصية قامت بهذا الشخص، فنحن نبغض هذا الشخص؛ لأنه تلبس بالمعصية، وإذا أخذنا مثلًا: عندنا أعظم المعاصي -كما لا يخفى عليكم- الشرك بالله -سبحانه وتعالى-، فنحن مثلًا لما نبغض النصارى ونبغض اليهود يجب أن تكون المسألة واضحة عندنا أن هذا البغض هو دين، دين وقربة، وليس مزاجًا ولا هوًى ولا مسألة يعني نوع من الهوى لا.. هذا دين، نحن نبغض النصارى؛ لأن الله أمرنا بذلك.

نتعبد به.

أي نعم، الله -تعالى- قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ﴾ [المائدة: 51] فالنصارى مثلًا سبوا الله -سبحانه وتعالى- ولهذا جاء عن عمر -رضي الله عنه- وجاء أيضًا عن معاذ بن جبل أنه قال: (أهينوهم ولا تظلموهم، فإنهم سبوا الله -تعالى- أعظم سبة، وأي مسبة أعظم أنهم زعموا أن لله ولدً)، هذا السب الشنيع والطعن في ربنا -سبحانه وتعالى- يوجب أن نبغضهم، ونحن عندما نبغضهم؛ لأن الله أمرنا بذلك، كما سمعنا الآية الكريمة ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ﴾ فالمقصود أنه يتنبه لهذه المسألة، وسؤالك ذكرني بأمر مهم ينبغي أن نشير إليه: أن الحب والبغض -أيها الإخوة الكرام- أنه أمر فطري، كل إنسان تجد عنده مشاعر الحب والبغض، لا تكاد تجد شخص إلا وعنده حب وبغض، أو بعبارة أخرى: لا تكاد تجد شخص إلا عنده ولاء وبراء، لكن الله -سبحانه وتعالى- أكرمنا بهذا الدين الذي ضبط مشاعر الحب وضبط هذا الولاء فنحن في باب الحب نحب الله -سبحانه وتعالى- ونحب الرسول -عليه الصلاة والسلام- ونحب المؤمنين، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ﴾ [المائدة: 55]. القصد: أن هذا أمر فطري، فالحب ينبغي أن يضبط هذا الضابط الشرعي الذي سمعناه.

إذن نخلص من هذا أننا عندما نبغض أهل المعاصي أو أهل الكفر نبغضهم لأشخاصهم؛ لأنهم تلبسوا بهذه المعصية، لا نريد أن نفعل كما البعض يورد هذه المجرات، يقول: لا نحن نبغض المعصية، لكن لا نبغض صاحبها، لا.. هذا ليس الأمر كذلك، نحن نبغض هذا الشخص؛ لأنه تلبس بمعصية، نبغض هذا الشخص؛ لأنه تلبس ببدعة، نبغضه؛ لأنه تلبس بالكفر، وهذا البغض على حسب هذا الذنب، إن كان شركًا فذنبه أعظم من البدعة التي ليست مكفرة وصاحب البدعة ذنبه أعظم من مطلق المعاصي والله أعلم.

يقول: بالنسبة للحب، هذا للمؤمنين الذين يعملون عملًا صالحًا وآخر سيئًا تحبهم على حسب عملهم، أما إذا كان هناك كافر يعمل دائم عمل ترضاه أنت يعني عمل جيد فهل تظهر له محبة ما؟ وهل إذا أظهرت له يعتبر ذلك نفاقًا؟.

الذي نفهمه من كلام أهل العلم: أننا نحب أهل الإسلام وإن أساؤوا إلينا، نحن نحب المسلمين لماذا؟ نحب أهل السلف لماذا؟ لأنهم من أهل الإسلام، فأهل الإسلام نحبهم وإن أساؤوا والكفار نبغضهم وإن أحسنوا إلينا، لماذا نبغض الكفار؟ نبغضهم لأنهم تلبسوا بالكفر الذي هو أعظم ذنب، لكن هذا البغض لا يعني عدم العدل معهم، لا يعني عدم الإنصاف، فالعدل لابد منه، العدل واجب من كل أحد لكل أحد في كل حال، فهذا الكافر يجب أن نعدل معه، والله تعالى قال: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا ﴾ [المائدة: 8]، والقضية -يا إخوان- ما هي كما يقول البعض: أن هذه معادلة صعبة، لا.. أبدًا؛ ولهذا نحن لو جئنا مثلًا في المدينة في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- كان فيها يهود كما لا يخفى، ومع ذلك نجد أن النبي -عليه الصلاة والسلام- وصحبه الكرام قد حققوا هذا الأصل على أكمل وجه الذي هو البغض والبراءة للمشركين، ومع ذلك هناك معاملات، هناك بيع وشراء، هناك تعامل بالقسط والبر، وهذا واضح، لما يأتي عبد الله بن رواحة الذي كان يتعامل مع بعض اليهود في المدينة ويقول لهم بكل وضوح يقول لليهود يقول: والله إني لأبغضكم؛ ولكن لا يجملني هذا البغض على أن لا أعدل معكم، فهو يبغضهم ومع ذلك هذا البغض لا يحمله على أن يظلمهم، فاليهود لما سمعوا هذه المقالة، قالوا: بالعدل قامت السماوات والأرض، ومقالة عمر مرت بنا لما قال: «أهينوهم ولا تظلموهم» فينبغي أن نحرر هذه الأمور، وممن حرر هذه المسألة وبين الفرق بين البغض والبر والمعاملة بالعدل والقسط القرافي -رحمه الله- في كتاب "الفروق" فبغض الكفار شيء، والتعامل معهم بالعدل شيء آخر، وهذا واضح أنت الآن حتى الآن تجد بين بعض المسلمين أحيانًا خلافات وعداوات لكن هذه العداوات لا تجعل الإنسان يظلمهم، فالقصد أن العدل يجب أن يكون متحققًا مع الجميع، والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه).

هنا في قوله -رحمه الله-: (ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه) نعم ما يجهله العبد عليه أن يكف عنه، وأن لا يقول على الله بلا علم، وقال -عز وجل- في هذا المقام: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 33]، وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [الإسراء: 36] فالواجب علينا -أيها الإخوة الكرام- أن نروض أنفسنا، الشيء الذي لا نعلمه نقول: ما ندري، يقول الواحد: الله أعلم، لا أعرف، فهذا لا شك أن هذا هو مسلك الراسخين في العلم، وقد مر بنا من قبل عبارة الإمام الطحاوي لما قال: (فإنه ما سَلِمَ في دينه إلا من سَلَّمَ لله -تعالى- وسلم لرسوله -صلى الله عليه وسلم- ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه) فما قد يشتبه نرده إلى عالمه والصحابة -رضي الله عنهم- كان هذا حالهم كما ذكر ذلك الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، فابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: «من كان مستنًا فليستن بمن مات» يعني من كان مقتديًا ثم قال -رضي الله عنه- قال: «أولئك أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبر هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم قدرهم فإنهم على الصراط المستقيم».

تأملوا أيها الإخوة الكرام هؤلاء الصحب الكرام -رضي الله عنهم- وصفوا بهذه الصفات: أنهم أبر هذه الأمة قلوبًا، إشارة إلى ما قام في قلوبهم من الإخلاص لله -سبحانه وتعالى- وسلامة القصد ثم قال: «أعمقها علمًا» إشارة إلى ما عندهم من اليقين والرسوخ، ثم مع هذا العلم والرسوخ هم أقل الناس تكلفًا، لا يتكلفون الشيء الذي لا يعرفونه، لا يتكلفون؛ ولهذا الشارح ذكر مثلًا مقالة الصديق -رضي الله عنه- وغيره من الصحابة الأجلاء الذين كانوا إذا مرت بهم مسألة لا يعرفونها توقفوا، مثل ما جاء عن الصديق -رضي الله عنه- لما قال: «أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم» فهذا أمر ينبغي أن نتنبه له ونوطن أنفسنا على أن الإنسان إذا ما عرف شيء يقول لا أدري، ولا يتردد في ذلك، والله المستعان.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر).

هذه المسألة لما يقول -رحمه الله-: (ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر) قد مر بنا بالأمس -أيها الإخوة- أنا نجد في متون الاعتقاد جملة من مسائل الفروع، ومنها هذه المسألة، مر بنا بالأمس مسألة الصلاة خلف كل بر وفاجر، وهذه هي المسألة الثانية من مسائل الفقه أو من مسائل الفروع التي نجدها موجودة في متون الاعتقاد، وهي مسألة المسح على الخفين، وموجب إيراد هذه المسألة الفقهية الفرعية في كتب الاعتقاد أو في متون الاعتقاد ما سمعناه بالأمس وهو أن هذه المسألة التي بين أيدينا مسألة المسح على الخفين هو أن الرافضة نجد أنهم تركوا المسح على الخفين، وصار شعارًا لهم، صار شعارًا للرافضة، وهو ترك المسح على الخفين، فأهل السنة جانبوا ذلك؛ ولهذا نجد أن الأئمة الكبار كسفيان الثوري يقررون هذه المسألة، سفيان الثوري له عقيدة نقلها اللالكائي في كتابه "أصول أهل السنة" فمما قرره الإمام سفيان الثوري في عقيدته هذه المسألة، مسألة المسح على الخفين وعلى كلٍ نجد أن جملة من متون الاعتقاد تُضَّمن فيها تلك المسألة، مسألة المسح على الخفين وأحاديث المسح على الخفين هي أحاديث متواترة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يجب علينا أن نأخذ بها ولا يُعتد بالرافضة ولا بخلافهم.

المقصود: أن هذه المسألة خالف فيها الروافض، وأيضًا قال الإمام أحمد خالف فيها أيضًا الإباضية من الخوارج، فالذين خالفوا في هذه المسألة الروافض والإباضية من الخوارج، والأحاديث في هذا متواترة عنه -عليه الصلاة والسلام-.

أشار الشارح بعدها إلى مسألة أخرى -الشارخ ابن أبي العز- حتى لا يقع خلط وهي مسألة المسح على الرجلين، الرافضة تركوا المسح على الخفين مع أن الأحاديث متواترة، فيشرع المسح على الخفين، وكما لا يخفى: وما يلحق بذلك من الجوارب.

عندنا مسألة أخرى أشار لها الشارح، فقد يحصل أحيانًا الخلط بين المسألتين، وهي مسألة المسح على الرجلين، فبين -رحمه الله- كما بين ذلك العلماء: أنه يتعين غسل الرجلين، هذه مسألة غير مسألة المسح على الخفين، فأنت الآن عندما تتوضأ الآن فيتعين عليك أن تغسل رجلين هذا واضح المسألة واضحة في هذا، الروافض هنا أيضًا حصل عندهم الزيغ والانحراف فهم لا يرون غسل الرجلين، وإنما يرون أن تمسح رجليك فقط، فخالفوا هنا وهناك، والمتعين هو أن تغسل الرجلين كما جاءت بذلك السنة عنه -عليه الصلاة والسلام- والسنة أيضًا في هذا متواترة، فالمقصود أن الرافضة خالفوا في هاتين المسألتين: مسألة المسح على الخفين فلم يلتفتوا إلى الأحاديث التي تقرر ذلك، ثم لما يأتي مثلًا قضية كيفية أو صفة الوضوء نجد أنهم يمسحون على الرجلين ولا يغسلون الرجلين، وهذا خلاف سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-.

يقول: لما ذكرت يا شيخ عمل الرافضة بأنهم يمسحون الرجلين عندما يتوضئون، ما هو حكم وضوءهم؟.

الوضوء هذا باطل، يعني الرافضة هي مشكلتهم الآن غسل الرجلين؟!! هم دينهم منتقض من أصله أليس كذلك؟ الروافض عندهم من نواقض الإسلام ما لا يحصى في الواقع، فالمسألة ما هي غسل الرجلين عند القوم، وكما يمكن أشرنا أو نشير الآن أن كثير من مسائل الفروع التي تذكر في كتب الاعتقاد نجد أن الروافض هم الذين يخالفون فيها، يبدو أن فيه تلازم أن الشخص كلما زاد ضلالًا في الأصول والاعتقاد كلما زاد انحرافًا في مسائل الفروع؛ ولهذا مثلًا لاحظ هذه المسألة خالفوا فيها مسألة الجهاد مع كل إمام بر أو فاجر مسألة صلاة التراويح، فنجد بعض متون الاعتقاد يقول لك: وصلاة التراويح سنة؛ لأن الروافض يرون أنها بدعة، باعتبار أنهم يقولون أن صلاة التراويح أحدثها عمر -رضي الله عن عمر- مع أن صلاة التراويح أداها النبي -عليه الصلاة والسلام- كما لا يخفى، فالمقصود أن ضلالهم لا حد له، فالمسألة ما هي واقفة على غسل الرجلين والله المستعان، وإلا لا شك أن أقول أن هذا وضوء باطل؛ ولهذا العلماء لما يقولون: ومن يرى مسح الرجلين فهو مبتدع، وعندما يذكرون الرافضة يقولون: هذا خلافهم لا يُعتد به، والله المستعان.

يقول: الآن إذا قلنا ببطلان وضوء الرافضة هل نحكم بكفرهم؟.

لا.. هي ما مسألة نحن مترددين في المسألة هذه في قضية الوضوء، يعني أنا قلت قبل قليل: أن القوم عندهم من نواقض الإسلام ما هو أعظم وما هو أشد وأشنع، القوم يضللون جمهور الصحابة، الصحابة الأجلاء الذين هم خير القرون بعد الأنبياء نجد أن الرافضة يكفرونهم، هذه المسألة تكفي في إخراجهم عن الملة، فكيف إذا انضم إلى ذلك الأمر الثاني هو القول بتحريف القرآن؟!! فيكف إذا انضم إلى ذلك الأمر الثالث وهو: أنهم غلوا في أئمتهم فاستغاثوا بهم وذبحوا لهم وحجوا إلى قبورهم بل فضلوا الحج إلى قبور الأئمة على الحج إلى بيت الله الحرام وطافوا حول قبور أئمتهم واستلموها كما يستلم الركن اليماني أو الحجر الأسود، إضافة إلى العقائد الأخرى التي لا حد لها في ضلالهم كعقيدة الرجعة، عقيدة البداء، عقيدة الطينة، هذه العقائد نجد أنها عندهم جملة هذه العقائد فيها من الانسلاخ عن الملة والخروج عنه ما لا يحصى؛ ولهذا نجد أن جملة من العلماء المحققين في القديم والحديث لا يترددون في بيان كفر هذا المذهب، كفر مذهب الرافضة، وهذا أمر واضح يعني لو جئت كلام العلماء السابقين واللاحقين يقررون هذا الأمر، كلام الأئمة الكبار مثل البخاري، البخاري يقول: «ما أبالي صليت خلف يهودي أو نصراني أو خلف جهمي أو رافضي» هكذا يقول الإمام البخاري، وفي ذلك الوقت يبدو أن كثير من ضلال الرافضة لم يخرج بعد، وإذا جئت مثلًا للعلماء الذين عاشروا الروافض مثل محمد بن علي الشوكاني يعني الشوكاني يتعجب من الذين لا يكفرون الرافضة، يقول: هؤلاء عاندوا الله -سبحانه وتعالى-، وعاندوا الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وعاندوا شرائع الإسلام، وطعنوا في الصحابة، فالمقصود الكلام في هذا يطول، وأنا أنصح دائمًا الإخوة والباحثين بأن يستفيدوا بما كتبه الدكتور ناصر الجفاري في رسالته القيمة "أصول الشيعة الاثني عشر" فقد عقد فصلًا مستقلًا في الحكم على الرافضة وتتبع أقوال العلماء الذين حكموا على الرافضة من خلال الكتب المطبوعة والمخطوطة.

تقول: بالنسبة لحديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (أنتم شهداء الله في أرضه) إذا كان الشخص هذا له أعمال مخلصة لله في الخفاء، يعني هو يحب أن تكون في الخفاء ليعظم أجره، لا يظهر منها شيئًا إلا مصادفة، يعني سبحان الله يوجد ناس حاقدين على هذا الشخص لكرهه لهم، يعني هم يكرهوه، فإذا توفي هذا الشخص بدءوا بالكلام عليه لبث حقدهم وحسدهم وكرههم له، فكيف يكون مصير هذا الشخص؟.

يقول: سؤال حول المحبة: يعني إذا كان للشخص مثلًا هناك شخص كافر وكان له يد على مسلم فلا شعوري تجد أن قلب هذا المسلم يميل لهذا الكافر بسبب ما أسدى إليه من نعمة أو معروف، ونريد إجابة عن قول الله -تعالى-: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]؟.

يعني سؤال الأخت الكريمة: ما أظن فيه إشكال يعني على العبد المسلم أن ينظر فيما بينه وبين الله -سبحانه وتعالى- كون الناس تكلموا فيه أو لم يتكلموا سواءً كان حيًا أو ميتًا، هذا لا يلتفت إليه، ويجب أن يعلم العبد أنه إذا أصلح ما بينه وبين الله أصلح ما بينه وبين الناس، فعلى الإنسان دائمًا وأبدًا أن يلتفت إلى حق الله عليه، وكما مر بنا من قبل ومن بعد كلام السلف في هذا لما قال الفضيل -رحمه الله-: «من عرف الناس استراح» فالنفع والضر بيد الله، والمدح والذم المعتبر هو الذي يأتي من عند الله، لما قال الأعرابي للنبي -عليه الصلاة والسلام-: (إن مدحي زين وذمي شين، قال -عليه الصلاة والسلام-: ذاك الله) فلا نلتفت إلى مدح الناس وثنائهم، وإنما علينا أن نصلح ما بيننا وبين الله -سبحانه وتعالى-، والذي له عمل صالح يبتغي به وجه الله ويخفيه عن الناس، فهذا من دواعي القبول، لكن ليكن دائمًا وأبدًا هم المسلم في عمله الصالح أن يرضي الله، ليس من أجل أن يكون يلتفت لمدح الناس وثنائهم بل يبتغي بذلك ما عند الله، وكما مر بنا أن من عمل صالحًا وابتغى بذلك وجه الله فإن الله -تعالى- يجعل له القبول والثناء الحسن.

ما ذكره الأخ الكريم من جهة الكافر إذا أسدى إليك معروفًا فنحن نقول كما قال -عليه الصلاة والسلام-: (من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه) فالواجب على العبد أن يرد المعروف يرد الجميل حتى لا يأسره حتى لو كان عن مسلم يعني المعروف يأسر الإنسان، فعلى المسلم أن يعود نفسه أن يحرر نفسه من أسر المخلوقين، فالمعروف يأسر، فإذا الإنسان أسدى إليك معروفًا عليك أن تكافئه، كما سمعنا هذا الحديث، فيتنبه إلى هذا الأمر سواء كان مسلمًا أو كافرًا.

أما كون هناك محبة جبلية لمن أحسن فهذه المحبة الجبلية الفطرية لا محظور فيها، المحبة الفطرية فكون الإنسان يحب مثلًا والده لو كان مشركًا أو يحب ولده لو كان كافرًا هذه المحبة الجبلية الفطرية لا محظور فيها، لكن كما يجب أن نتنبه إلى قضية أنه قد يجتمع الحب والبغض، كذلك أيضًا قد يكون ابنه مثلًا كافرًا فهذا الأب يحب هذا الابن محبة جبلية؛ لأن النفوس جبلت على حب البنين، وهذا الابن ما هو إلا بضعة منه، فيحبه لكن هذا الحب الجبلي لا يتعارض ولا يتناقض مع بغضه، فهذا الأب يحب هذا الابن محبة جبلية لكن في نفس الوقت يبغضه؛ لأنه متلبس بالكفر، يبغضه ويعاديه، فيجتمع هذا وذاك.

كذلك أيضًا لما يأتي الكلام عن قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ فسواء قلنا هنا ﴿ أَحْبَبْتَ ﴾ يعني أحببته محبة جبلية فلا إشكال، فأبو طالب عم النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يحوطه ويرعاه -كما هو معلوم- أو نقول كما قال بعض العلماء: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ أي من أحببت هدايته، وعلى كلٍ سواءً قيل هذا أو ذاك فلا محظور فالنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يحب هداية عمه أبي طالب، لكن مات أبو طالب على الكفر كما جاء في ذلك الحديث الصحيح.

تقول: هل من رأى شخصًا على منكر وخشي منه أن يأمره بالمعروف أو يخبر من يأمره، هل يعتبر هذا الخوف شرك؟.

يقول: الكلمات الطيبة قوية لها أثر في نفوس الناس -إن شاء الله عز وجل-، بالنسبة لما يخص الرافضة لما تكلم أهل العلم عن الرافضة لا إشكال أن أهل العلم كفروا الرافضة بإطلاق، لكن هل هذا الإطلاق منه يلزم أن ننفي الكفر إلى كل عين من أعيانهم؟ هذه مسألة، الثانية: إذا قلنا أننا لا نكفر أعيان الرافضة إلا بعد إقامة الحجة، هل بالفعل الحجة قامت عليهم؟ ولا إشكال أننا نعرف أنهم قد ناظروا أهل السنة وأهل السنة ناظروهم وبينهم كتب مشتركة، وليس أدل على ذلك من المناظرة التي عُقدت بين شيخ الإسلام والحلي في الكتاب المعروف "المنهاج"؟.

تقول: من رأى شخص على منكر ولم ينكر عليه هل يعتبر هذا خوف شرك؟.

يعني هو الأصل أيها الإخوة الكرام أن الأصل في هذا عندنا حديث أبي سعيد الخدري قال -عليه الصلاة والسلام-: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) فعلى المسلم إذا رأى المنكر أن يغيره حسب الاستطاعة وحسب القدرة وأيضًا حسب ما تقتضيه المصلحة الشرعية، فإذا غلب على الظن أنه يزول هذا المنكر أو يقل فهذا مشروع متعين، أما إذا كان يغلب على الظن أنه يخلفه مثله فهذا محل اجتهاد، أما إذا غلب على الظن أن هذا المنكر إذا سعى إلى إنكاره أنه يترتب عليه ما هو أعظم وأشد فلا.

بالنسبة لما ذكرته الأخت نقول: على الإنسان أن يقدم على التغيير حسب استطاعته ولا يحمله خوف المخلوقين على أن يسكت، فكون الإنسان يحمله خوف المخلوق على أنه لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فهذا ينافي كمال التوحيد، وعلى الإنسان أن يقدم خوف الله -سبحانه وتعالى- على خوف المخلوقين، هذا هو الواجب علينا، الواجب علينا أن نقدم خوف الله -سبحانه وتعالى-، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175]، فعلينا أن نخشى الله ونخافه ولا نقدم خوف المخلوق الضعيف المسكين على الخوف من الله -سبحانه وتعالى- الخالق القدير -عز وجل-.

أخونا الكريم لما قال على قضية الحكم على الرافضة بأعيانهم نحن نتكلم نعطي حكمًا عامًا في هذه المسألة، ونعطي الحكم بناء على الظاهر، وقد مر بنا في كلام الطحاوي -رحمه الله- لما قال: (ولا نحكم عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك) فالقوم أظهروا ذلك، وهذا موجود في كتبهم المعتبرة والمعتمدة عندهم، ونحن نحب أن يهتدي هؤلاء القوم وأن يلتزموا صراط الله المستقيم، فهؤلاء مالنا إلا الظاهر، نحكم عليهم بما ظهر منهم فإن ماتوا فهم على هذا الحكم، كون هؤلاء منهم من هو جاهل من هو ملبس عليه هذا يرد على جملة منهم، فجملة منهم هم تبع لمشائخهم وأئمتهم وآياتهم -كما يقال عنهم- فهؤلاء إن كانوا معذورين بجهل هم عاجزون عن دفعه أو بشبهة أو نحو ذلك، فالله -سبحانه وتعالى- حكم عدل وأمرهم إلى الله -سبحانه وتعالى- بالنسبة إلى الآخرة، لكن كما يجب أن نهتم في هذا الباب أن ندعو هؤلاء القوم، ينبغي لنا أن ندعو هؤلاء القوم، نحن أهل السنة والجماعة المتعين علنيا أن ننشر هذا الخير وأن ننشر هذا الدين الذي أكرمنا الله به، وهؤلاء الذين هم في ضلال وفي انحراف نسعى إلى اجتثاثهم وإنقاذهم من عذاب الله ومن ناره، هذا هو المتعين، فلا يشغلنا الكلام عن الحكم عليهم عما هو آكد وأهم، ألا وهو دعوة القوم، فينبغي أن يحصل توازن، لا يعني أننا باسم الدعوة دعوة القوم، أن نهون قضية الرافضة ونميع المسألة ونقول هؤلاء دينهم صحيح، أو نقول المذهب الجعفري مذهب معتبر كالمذاهب الأربعة هذا تمييع وتضييع دين الله، وما يسمى بالتقريب مع الرافضة هذه من عقود من السنين، فُعلت وما جنت منه الأمة إلا الفشل والبوار، والأمر الآخر لا يحملنا الكلام عن الروافض بأنهم كفار ضلال إلى آخره أن نقصي القوم ولا ندعهم، بل نحن نقول هذا حكم الله فيهم بناء على أدلة وبناء على كلام المحققين من أهل السنة، وبناء على معرفة بواقع هؤلاء القوم في القديم والحديث، لكن هذا الحكم عليهم لا يتنافى مع دعوتهم ومناصحتهم لعل الله -تعالى- أن يهديهم، والحمد لله ثبت في القديم والحديث والواقع المعاصر ولله الحمد أن الكثير من هؤلاء اهتدوا والتزموا بالسنة وهذا من فضل، هذا فضل محض من الله، فكيف لو التفت أهل السنة واجتهدوا في دعوة القوم، أنا أتصور لو بُذِلَ شيء من الجهد عن طريق المؤسسات الدعوية، وعن طريق الدعاة لو قُدِّمَ شيء من ذ لك أكثر مما هو عليه لحصل من ذلك الخير الكثير، فعلينا أن نتحرك وأن ندعو إلى الله -سبحانه وتعالى- والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم) والله المستعان.

يقول: سؤالي في اجتماع الحب والبغض في الله من المسلم للمسلم الذي يعصي الله، لي جار لا يحرص على صلاة الجماعة وأشعر بمشقة في نفسي؛ لكوني أبغضه في هذا العمل وأحبه كونه مسلم، ولا أعرف كيف أغلب الحب والبغض والتعامل أشعر في نفسي بمشقة في كيفية التعامل مع هذا الأمر، أرجو أن توضحوا لي الطريق العملي في كيفية التمييز داخل النفس والتعامل مع المسلم الذي يعصي الله أو يترك حقه؟.

على كل ما ذكره الأخ الكريم الواحد منا فعلًا يشعر بشيء من المعاناة والإشكال إن كان جانبًا نفسيًا فهذا الجانب النفسي نقدره ونشعر به، لكن المهم هو المواقف العملية، ما دام أن هذا الجار المقصر في الصلاة، فنحن نبغضه على قدر هذا التقصير، لكن ما دام أنه من أهل الإسلام وله أعمال تدل على شيء من الخير والالتزام بشيء من شعائر الدين، فنحن نحبه، الذي يضبط هذه الأمور أن نسعى جادين وصادقين أن نضبط مشاعر الحب والبغض وفق الشرع، يعني كون هذا مسلم فله حق الإسلام، له حق النصرة، له حق أن نذب عنه، أيضًا له حق الجوار كما ذكر الأخ أنه جار له، يعني كونه يقصر في الصلاة أو عنده تفريط في الصلاة نبغضه على قدر معصيته، فهنا ينبغي التوسط، لا يحملنا البغض على الإفراط والبغي والعدوان، وأيضًا العكس، لا يحملها الحب إلى درجة أن يقع شيء من المداهنة في دين الله، نحاول أن نضبط هذا الأمر من خلال المواقف العملية، ما دام أن هذا الحب ضبط من خلال أنك تسلم عليه من خلال أنك تنصح له، من خلال أنك تجيب دعوته، وتحقق الأخوة الإيمانية فهذا مشروع، وكونك أيضًا هذا البغض في قلبك له يوجب أن تنصحه فنرجو أن الله -تعالى- يكون قد وفقك إلى هذا وذاك، هذا الذي يمكن أن يقال في هذه العجالة، ودائمًا نحن نذكر مثال في قضية اجتماع الأمرين مثل الأب مع ابنه، فقد الأب يحتاج أنه أحيانًا أن الابن مثلًا يسيء ولا يستصلح إلا بشيء من العقوبة كضرب ونحو فما أظن الأب أو المربي أو المعلم لما يضرب هذا الابن يكون من باب التشفي والانتقام والاستعداء، هو يبغضه وهو في نفس الوقت يحبه، والطبيب يعالج المريض ويسعى إلى حصول الشفاء، فربما اقتضى المقام أن هذا الطبيب يرى أن يقطع هذا العضو من هذا المريض، وعندما يعمل الطبيب إلى قطع هذا العضو المتآكل أو ما يرى أن الأصلح له في بقاء جسده هذا القطع العضو لا يتنافى مع أن هذا الطبيب يرحم هذا المريض أو يوده، والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين، برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهم).

هذه المسألة: (والحج والجهاد ماضيان) هذا يقرره أهل السنة والجماعة من خلال عقائدهم ومن خلال أيضًا مواقفهم العملية، وسبق أن مر بنا بالأمس في موضوع الصلاة، الصلاة خلف كل بر وفاجر، أن النبي -عليه الصلاة والسلام- والخلفاء الراشدين وكذا ما كان في عهد بني أمية وبني العباس أن الإمام كان يؤم الناس في هذا ويقود الناس في ذاك، فهو الذي يؤم الناس في الصلاة ويقود الناس في الغزو والجهاد في سبيل الله -سبحانه وتعالى- فالعلماء لما يقررون هذا الأمر بناءً على الأدلة على أن الحج والجهاد ماضيان مع كل إمام بر أو فاجر، فهنا لما يأتي قضية الجهاد في سبيل الله مع الأئمة ولو كانوا فجارًا هذا أمر ثبتت به الأدلة، ومما يستأنس به في هذا المقام الحديث الذي أخرجه البخاري قال -عليه الصلاة والسلام-: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة المغنم والأجر) أخرجه البخاري، فهنا لما يقول -عليه الصلاة والسلام-: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم) معناه أن الجهاد مستمر إلى قيام الساعة؛ لأنه قال: (المغنم) والمغنم والغنيمة لا يكون إلا بالجهاد في سبيل الله -كما هو معلوم- فالجهاد قائم لا يبطله جور جائر إلى أن تقوم الساعة، هذا أمر.

وسلفنا الصالح كانوا يجاهدون في سبيل الله، ويقاتلون أعداء الله، وينشرون دين الله مع الأئمة، ولو كان عندهم شيء من الفجور كما نجده عن بني أمية أو بني العباس.

هذا التقرير هو رد على الرافضة الذين يرون أنه لا جهاد حتى يخرج إمام الزمان، حتى يخرج الإمام المهدي عندهم، فالرافضة في عقائدهم يرون أنه لا جهاد إلا مع الإمام الذي هو الإمام الغائب الآن، الذي هو الإمام الثاني عشر، هذا هو المتقرر عندهم في كتبهم، وقد جاء ذلك في "الكافي" في كتاب "الكافي" للكليني وهو بمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة أنهم قرروا هذا الأمر الفاسد وقالوا: إن الجهاد مع غير الإمام المفترض طاعته الذين هم الأئمة الإثنى عشر وآخرهم الإمام الثاني عشر عندهم المهدي محمد بن حسن العسكري يقولون: إن الجهاد مع غير هؤلاء الأئمة هو محرم مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، هكذا قالوا: لكن يبدو أن هذا المذهب كما هي عادة هذا المذهب يحصل لهم من التبديل والتغيير ما حصل له فلما جاء الخميني أحدث من التبديل في هذا الدين المبدل أصلًا فجاء في كتابه "ولاية الفقيه" وغيره للخميني أن نواب الإمام الغائب أن لهم من الصلاحيات والأعمال ما يقومون مقام الإمام فكان يقول: إن نواب الإمام لهم أن يقوموا بكل ما يراه الإمام إلا الجهاد، ثم بعدها استثنى الجهاد، قال: أيضًا حتى النواب أيضًا لهم أن يقوموا بالجهاد ثم نجد أن من الرافضة في ذاك الوقت من يخالفه في ذلك.

تقول: ما حكم التودد للعمالة الغير مسلمين من باب ترغيبهم في الإسلام؟ وبعضهم يسأل أيضًا عن الجار الكافر أو المشرك كيف يتعامل معه؟ هل من المصلحة أن يحسن إليه حتى يدعوه إلى الإسلام؟.

الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8]، فما دام أن هذا الكافر هو جارك أو عمالة ليست مسلمة، فنتعامل معهم بالعدل والبر والإقساط، نتعامل معهم بالرحمة، فالرحمة خلق محمود، وخلق مطلوب شرعًا، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: (الراحمون يرحمهم الرحمن) والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: (في كل ذات كبدة رطبة أجر) فالرحمة وكون مثلًا هذا الكافر مثلًا من العمالة أو من هؤلاء المغلوب على أمرهم يعني يُقدم له شيء من البر والإحسان هذا أمر لا إشكال فيه، لكن ينبغي ألا يكون هناك تلك المحبة، فبعض الناس يقول لك: كيف تريدني أن أحسن إليه ولا أحبه؟!! نقول: ما فيه إشكال يعني مثل ما أنت الآن ترحم البهائم، وتحسن إليها من جهة الإطعام ومن جهة المال وما أحد يقول والله أنت الآن بينك وبين تلك المخلوقات مودة ومحبة، فالقصد أن الإحسان من جهة البر، من جهة الإطعام، من جهة كذا ما فيه إشكال، لكن هذا لا يتنافى مع قضية أن نبغضهم وأن نعاديهم، وكما قلت ونؤكد: البغض هنا دينك وما هو مزاج وهوى؛ لأنهم تلبسوا بالكفر، وهذا يوجب علينا أن نسعى إلى هدايتهم نسعى إلى دعوتهم وترغيبهم في الإسلام، والله المستعان.

أسئلة الحلقة.

السؤال الأول: هل يجتمع في الشخص موجب الحب وموجب البغض؟ طبعًا موجب يعني سبب، هل يجتمع في الشخص موجب الحب وموجب البغض؟ مع التعليل؟

السؤال الثاني: ما وجه إيراد مسألة المسح على الخفين في متون الاعتقاد؟

 

 

طباعة

1090  زائر

إرسال


الترك المطلوب : قال شريح : فو الله لا تجد فَقْد شيء تركته لوجه الله. طبقات ابن سعد 6/136
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 

الوهابية في مواجهة الغلاة
***

نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية
***

نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية
***

سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها
***

خدمة الواتس اب
***

صفة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ونفعها للعصاة
***