التاريخ : 30/5/1428 هـ

الدروس العلمية

د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

الدرس الثاني عشر - من فصل " ونسمي أهل قبلتنا مسلمين"

الدرس الثاني عشر

من فصل " ونسمي أهل قبلتنا مسلمين"

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أما بعد فإنكم طرحتم سؤالين فضيلة الشيخ في الدرس الماضي:

السؤال الأول: ما المقصود بالعرش؟

وكانت الإجابة: العرش في لغة العرب هو سرير الملك، ومادة العرش فيها معنى العلو والارتفاع، والمقصود بالعرش هنا هو عرش الرحمن، وهو سرير

ذو قوائم تحمله الملائكة.

إجابة صحيحة لكنها ناقصة؛ قلنا بالأمس كما مر بنا أنه سرير ذو قوائم تحمله الملائكة لكن بقي جملتان، وهو أن يقول هو سقف المخلوقات وهو كالقبة

على العالم.

والسؤال الثاني: قول الإمام الطحاوي: وهو مستغن عن العرش وما دونه؟

وكانت الإجابة: أن الإمام الطحاوي أورد هذا الكلام لكي لا يفهم من استواء الله -سبحانه وتعالى- على عرشه أنه يحتاج إليه إذ أن المخلوق لو استوى

على شيء كالسيارة مثلًا فإنه يحتاجه أما الله -سبحانه وتعالى- فهو غني العرش وعن جميع ما دونه.

إجابة صحيحة وموفقة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لله معترفين وله بكل ما

قال وأخبر مصدقين).

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، والحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد: يقرر الإمام الطحاوي -رحمه الله- في هذه العبارة يقرر أمرًا مهما وهو ما يتعلق بأهل القبلة، فأهل القبلة هم أهل الإسلام، قد نسميهم أهل القبلة، أو أهل الإسلام، أو أحيانًا يسميهم بعض العلماء أهل الصلاة؛ ولهذا أبو الحسن الأشعري -رحمه الله- ألف كتابًا بعنوان مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، وسواء قلنا أهل الإسلام أو قلنا أهل القبلة أو أهل الصلاة المعنى واحد، والمقصود بأهل القبلة هم المذكورون في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم)؛ هؤلاء أهل الإسلام هم أهل القبلة، فأهل الإسلام يدخل فيهم أهل البدع والمحدثات ممن لم تكن بدعتهم مكفرة، كما يدخل فيهم أيضًا من تلبس بفسق أو فجور فأهل الإسلام أعم أهل السنة أخص، هذا المراد بأهل القبلة هؤلاء كما سمعنا الحديث لهم يعني ما لأهل الإسلام من الحقوق وعليهم ما عليهم، هذا ما تعلق بهذه العبارة لكن يبقى عندنا في كلام الطحاوي -رحمه الله- بعض الإشكال، والإشكال يتمثل في مسألتين:

المسألة الأولى: أن الإمام الطحاوي -رحمه الله-قال: ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، وظاهر العبارة هاهنا أن الطحاوية -رحمه الله- جعل الإسلام والإيمان شيئًا واحدًا أو جعله مترادفًا وليس الأمر كذلك بإطلاق، والأحاديث والنصوص الشرعية دلت على أنه يفرق بينهما، كما جاء ذلك في جملة من النصوص، من ذلك ما جاء في آية الحجرات لقوله تعالى: ﴿ قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ [الحجرات: 14]؛ وأيضًا كما جاء في حديث جبريل المشهور: (أن جبريل -عليه السلام- سأل نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- عن الإسلام: فأجاب -عليه الصلاة والسلام- الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إلى ذلك سبيلًا؛ قال ما الإيمان: قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره).

المقصود قوله -رحمه الله- نسميه أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين وكونه جعل الإسلام والإيمان شيئًا واحدًا أو مترادفًا ليس الأمر كذلك، والذي عليه جمهور أهل العلم أن يفرق بينهما كما فرق بذلك النصوص.

المسألة الثانية: الذي يؤخذ على هذه العبارة: أنه قال -رحمه الله-: ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين فنلحظ من هذه العبارة أن الطحاوية -رحمه الله- جعل الإيمان يتركب من أمرين من الاعتراف وهو إقرار اللسان ومن التصديق وهو تصديق القلب والإيمان لا يقتصر على هذا وذاك، فالإيمان نعم هو إقرار باللسان وهو أيضا تصديق بالقلب أو تصديق بالجنان، لكن لابد من العمل، لابد من عمل الجوارح، فهذا مما أخذ عليه -رحمه الله- أنه جعل الإيمان يقتصر على أمرين على إقرار اللسان وعلى تصديق الجنان، وسيأتي في كلامه ما يبين أنه يقرر هذا الأمر، وسيأتي التعقيب على كلامه بشيء من التفصيل، عندما نتحدث -إن شاء الله- على تعريف الإيمان عند أبي جعفر الطحاوي والتعقيب عليه؛ هذا ما يتعلق بهذه المسألة، وبهذا يتضح لكم -أيها الإخوة- أن عبارة الطحاوي فيها مأخذان:

الأول: ما سمعناه أنه جعل الإيمان والإسلام شيئًا واحدًا.

والثاني: أنه جعل الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان، والإيمان ليس كذلك فحسب، بل لابد من عمل الجوارح والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ولا نخوض في الله ولا نماري في دين الله).

هذه من المسائل المهمة التي قررها الإمام الطحاوي -رحمه الله- قال:

الأمر الأول: ولا نخوض في الله، لا نخوض في الله لا نخوض في ذات الله -سبحانه وتعالى- بمجرد الظنون والتخرصات والقول بلا علم؛ فالخوض هذا مذموم، وفي هذا رد على المتكلمين كما أشار الشارح ابن أبي العز الذين خاضوا في صفات الله -سبحانه وتعالى- بلا علم ولا دليل ولا برهان صحيح هذا أمر.

الأمر الثاني: أن الخوض لما قال ولا نخوض في الله الخوض هو: الوقوع في الشبهات، إذا ذكر الخوض فهو قول الباطل، والخوض هو الوقوع في الشبهات؛ ولذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ﴾ [التوبة: 69]؛ فالخوض هنا هو الوقوع في الشبهات والقول بالتخرص والظنون، ومنه أيضًا من هذا الخوض ما جاء في قوله تعالى على سبيل التحذير قال تعالى: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ [النجم: 28].

والظن الذي هو التخرص وقول على الله بلا حجة ولا بينة ولا برهان ينبغي علينا وينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يكف عنه، القول على الله بلا علم من أعظم المحرمات، فينبغي الكف عن ذلك، ونقف حيث وقف الدليل، في باب أسماء الله وصفاته -كما مر بنا- أن أسماء الله وصفاته توقيفية، نقف حيث ورد الدليل الصحيح.

قوله -رحمه الله- ولا نماري في دين الله، لا نماري المراء قد يكون من المرية وهي الشك، وقد يكون من المراء الذي هو الخصومة، أو كما يعبر بعض العلماء الجدال الذي يوقع في الشك، والمعنيان متقاربان أو متلازمان، فسواء قلنا: إنه من المراء هو الشك كما في قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لَّقَائِهِ ﴾ [السجدة: 23]؛ هذا صحيح، وكذا أيضًا لما نقول: إن المراء وهو الجدال أو الخصومة فالأمر كذلك؛ لأن الجدال المذموم أو الخصومة هذه توقف في الشك والريب؛ لهذا نجد أن سلفنا الصالح كان يحذرون من هذه الجدال، من ذلك ما جاء عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- الذي يقول من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل؛ فإذا جعل دينه مقصودًا بالجدل والقيل والقال والخصومات أكثر التنقل، أي أنه في كل يوم له طريقة ومذهب، والمقصود أنه يحذر من هذا المراء، وقد ورد في هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود وحسنه ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (المراء في القرآن كفر)؛ وذكر الشراح أن المراء إما أن يكون من المرية الذي هو الشك أو من الجدال الذي يورث الشك والريب وكما مر بنا أن المعنيين متقاربان والله أعلم.

نتجاوز العبارة هذه

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ولا نجادل في القرآن، ونشهد أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين، فعلمه سيد المرسلين محمدًا -صلى الله عليه وعلى آله أجمعين- وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين ولا نقول بخلقه ولا نخالف جماعة المسلمين)

هذه العبارة التي سمعناها لما قال -رحمه الله- ولا نجادل في القرآن ذكر الشارح -رحمه الله- أن هذه العبارة تحتمل أن مقصود الطحاوي يعني لا نجادل في القرآن أي لا نجادل في أن القرآن كلام الله، بل نقطع نجزم أن القرآن كلام الله غير مخلوق، هذا الاحتمال الأول.

الاحتمال الآخر: أن مقصود الطحاوي -رحمه الله- من هذه العبارة: أن مقصوده لا نجادل في القرآن أي لا نجادل في القراءة الثابتة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- كالقراءات السبع، وعلى كل حال إن قلنا هذا أو ذاك فهذا صحيح وذاك صحيح، إلى أن قال: ونشهد أنه كلام رب العالمين، ولما قال ونشهد أنه كلام رب العالمين، هذا يؤكد المعنى الأول، وأن مقصوده -رحمه الله- التأكيد على ما سبق أن مر بنا في مسألة الكلام الإلهي، فالقرآن هو كلام الله -سبحانه وتعالى- منزل غير مخلوق -كما مر بنا بشيء من البسط والبيان في درس سابق- قال نزل به الروح الأمين، وهو جبريل -عليه السلام-: قال تعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ﴿193﴾ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿194﴾ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾ [الشعراء:193- 195].

فالمراد بالروح الأمين -كما لا يخفى- جبريل -عليه السلام- فعلمه سيد المرسلين -عليه الصلاة والسلام- نعم علمه، وكما مر بنا أن محمدًا -صلى الله عليه وآله وسلم- سمع القرآن من جبريل، وجبريل -عليه السلام- سمع القرآن من عند الله -سبحانه وتعالى-.

قال: وهو كلام الله نعم -مر بنا- في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ﴾ [التوبة: 6]؛ لا يساويه شيء من كلام المخلوقين في هذا رد على الممثلة أو من يتوهم التمثيل فكلام الله -سبحانه وتعالى- لا يماثل كلام الخلق؛ لأنه -سبحانه وتعالى-: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11].

وإذا تقرر أن ذات الله لا تماثل الذوات فصفاته -سبحانه وتعالى- لا تماثل صفات المخلوقين، ومن ذلك الكلام الإلهي؛ ثم قال: "ولا نقول بخلقه" لما رد على الممثلة رد بعدها على المعطلة الذين قالوا بخلق القرآن كالمعتزلة والرافضة والإباضية ونحوه ولا نقول بأن القرآن مخلوق بل نقول هو كلامه-سبحانه وتعالى- ثم قال: ولا نخالف جماعة المسلمين، وفي هذا إشارة إلى أن من قال بخلق القرآن فقد خالف الإجماع، وقد مر بنا أن هذه المسألة محل إجماع عند أهل السنة فمن خالف في ذلك وقال بخلقه فقد خالف الإجماع، ومن قال بخلق القرآن فهو كافر كما مر بنا في موضوع الكلام الإلهي والله أعلم.

لدينا سؤال من أحد الإخوة وهو على عبارة قول الإمام الطحاوي: ولا نماري في دين الله؟ أنتم ذكرتم فيه تحذير من الجدل؟

إيه نعم؛ الجدل المذموم.

نريد تحليل لهذا المصطلح؟ ما المقصود به على التحديد؟

نحن قلنا قبل قليل: إن المراء يعني جاء ذمه في نصوص كثيرة وحسبنا ما جاء في الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام-: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وهو محق)؛ فترك المراء محمود ولو كان الشخص على حق، فكيف لو كان على باطل فالمراء مذموم مطلقًا كما سمعنا الحديث، وسمعنا أيضا الحديث السابق (المراء في القرآن كفر) نعم الجدال قد يكون هناك جدال مذموم وجدال سائغ محمود والله -سبحانه وتعالى-قال: ﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125]؛ وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [العنكبوت: 46].

فالجدل ينقسم أو الجدال ينقسم إلى ما هو محمود وما هو مذموم، فالمقصود أن المراء ينبغي اجتنابه لما يوقع في نفس الشخص من التشكيك، وما يقع فيه من الريب والأمر الآخر: المراء لا ينفك عن حدود النفس وشهواتها وحب الانتصار، يغيب عن صاحبه قضية أن المقصود هو إتباع الحق فضلًا عما هو اشد من ذلك ألا وهو الشك الذي يورث الزيغ والضلال والله أعلم.

يقول: كيف نجمع بين قولنا إن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع القرآن من جبريل، وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿192﴾ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ﴿193﴾ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾ [الشعراء: 192- 194]؟

ما في إشكال في هذا؛ لأنه كما مر بنا أن الوحي أنواع أليس كذلك؟ فهناك وحي يعني هو إلهام، كما مر بنا في حديث: (إن روح القدس نفذ في روعي، أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجله)؛ فالوحي أنواع منه ما يكون إلهامًا من الله لنبيه، ومنه ما يكون أنه يسمعه، ومر بنا أنه -عليه الصلاة والسلام- سمع كلام الله أليس كذلك؟ سمع كلام الله بلا واسطة، لما عرج به إلى السماء فحصل له التكليم بلا واسطة، كما حصل لموسى من قبل -عليه السلام- وقد يكون هذا الوحي من خلال أن جبريل يأتي في صورته البشر كما في حديث جبريل المشهور؛ وكما وقد يأتي على هيئته التي خلقه الله، المقصود أن ما في تعارض بين هذا كله فهذا كله نوع من أنواع الوحي، فمن الوحي يكون إلهاما في قلبه -عليه الصلاة والسلام- ومنه ما يكون ماذا؟ أن جبريل -عليه السلام- يسمع كلام الله ثم يبلغه محمدًا -عليه الصلاة والسلام- ومحمد -صلى الله عليه وسلم- يسمعه من من؟ من جبريل -عليه السلام- هذا الذي أفهمه والله أعلم.

تقول: ما رأيكم فيمن يقول في الأخذ بالسبب نحن سنفعل ذلك عسى الله أن يجعل لنا حظا؟

تسأل عن العبارة؟

نعم

أعد العبارة من فضلك؟

عسى الله أن يجعل لنا حظً.

نحن نفعل ذلك عسى الله أن يجعل لنا حظًا.

يعني قصد حظًا فيه أو شيء

ما فيه إشكال في هذا في العبارة، يعني ما في إشكال أن كل واحد يقول أن نفعل ذلك عسى الله أن يجعل فيه حظًا؛ يعني إذا كان المقصود فعل أسباب فمر بنا أن فعل أسباب لابد منه قال -عليه الصلاة والسلام-: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله)؛ قولها في تتمة العبارة عسى الله أن يجعل لنا منه حظًا؛ إذا كان هذا على سبيل أنها تتمنى ذلك، هي تتمنى أو يتمنى غيرها ذلك، لكن لما الله -سبحانه وتعالى- يقول "عسى" يمكن هذا الإشكال عند الأخت إذا قال الله تعالى عسى فكما قال ابن عباس -رضي الله عنهما- عسى من الله واجبة؛ لما قال تعالى: ﴿ عَسَى اللهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ﴾ [الممتحنة: 7]؛ هذه متحققة وواقعة، لكن نحن إذا قلنا عسى الله تعالى أن يهيئ لنا الأمر الفلاني، هذا قد يقع وقد لا يقع، أليس كذلك؟ فإذا الله تعالى تكلم به فكما قال ابن عباس عسى من الله واجبة وهذا الذي تحقق من الآية الكريمة التي سمعناها: ﴿ عَسَى اللهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ﴾؛ نعم أن هؤلاء الكفار أهل مكة أسلموا ودخلوا في دين الله أفواجًا والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي: -رحمه الله تعالى-: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله)

عندنا هذه المسألة فيما يتعلق بموضوع التكفير، ولا شك أن التكفير هو من الموضوعات التي لها من الشأن ولها من الخطر ما لها وهذا أمر لا يخفى عليكم -أيها الإخوة- نؤكد أيها الإخوة إلى أمور:

الأمر الأول: أن التكفير هو حق الله -سبحانه وتعالى- التكفير حق الله، التفكير حكم شرعي، متلقى عن صاحب الشرع، والتكفير ليس حق لزيد أو لعمرو، ليس حقوقًا شخص، مثلا يعني اعتدى عليك تعتدي عليه عاقبك تعاقبه، ليست المسألة مقايضة ومجازاة، التكفير حق الله -سبحانه وتعالى- أمر ينبغي أن نتنبه له.

والأمر الثاني: في هذا الذي نؤكد عليه أن باب التكفير باب خطير فينبغي عدم الخوض فيه بلا علم ولا عدل، وينبغي أن التوسط في هذا الباب؛ لأن عندنا أقوام غلو في التكفير، فسلكوا مسلك الخوارج، وهذا انحراف، وقابلهم قوم آخرون ووقعوا فيما يقابل ذلك وهو أنهم ربما أنهم أدخلوا كافرًا في دين الإسلام وهو كافر، وكما قال العلماء: "إخراج المسلم من الإيمان هذا أمر شنيع شديد" وكذا أيضًا شخص قد تلبس بالكفر واستبان ذلك وظهر إدخاله في الإسلام هذا أمر شديد لا يقل انحرافًا عن الأمر السابق، والواجب علينا أن نحذر من هذا المسلك الغالي وذاك المسلك الذي لن يميع دين الله كما هو الحال في المرجع في القديم والحديث هذا الأمر الثاني.

بعدها ننظر في عبارة الطحاوي -رحمه الله- هنا قال: "لا نكفر أحدًا من أهل القبلة" لا نكفر أي لا نصفه بالكفر، لا نحكم عليه بالكفر، لا نقول إنه كافر، لا نقول عن شخص من أهل القبلة -من أهل الإسلام- كافر بمجرد ذنب، قال لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله.

مقصود الطحاوي -رحمه الله- يعني لا نكفر بمطلق المعاصي، كما هو حال الخوارج، هذا مراده -رحمه الله- لا نكفر بمطلق المعاصي، يعني لا نكفر أن فلانًا مثلًا سرق أو شرب الخمر أو زنا أو نحو ذلك هذه كلها من كبائر الذنوب التي عظمها الشارع، لكن هذه الكبائر لا تخرج العبد من الملة إذا ارتكبها، لا تخرجه من الملة، المقصود من هذه العبارة أن الطحاوي -رحمه الله- مراده الرد على الخوارج الذين يكفرون بمطلق المعاصي، أهل السنة لا يكفرون بمطلق المعاصي.

مطلق المعاصي التي هي كبائر الذنوب، هذه لا توجب كفرًا، لا توجب الخروج من الملة كما ظنه الخوارج أو كما ظن الزيدية أو كما ظن المعتزلة والزيدية ومن تبعهم أن هذه الكبائر تخرج العبد من الإيمان بالكلية، وقلت عن مرتكب الكبيرة السارق شارب الخمر الزاني ونحو ذلك نقول هؤلاء انتفى عنهم كما الإيمان الواجب، لكن فعلهم هذا السرقة أو شرب الخمر أو نحو ذلك هذا لا يخرجهم من ملة الإسلام، كما جاءت بذلك الأدلة، وكما قرر بذلك أهل السنة في مصنفاتهم، وفي مؤلفاتهم، هذا أمر.

إذن علينا أن نفهم أن مراد الطحاوي في قوله: "لا نكفر أحد من أهل القبلة بذنب" أي لا نكفر بكل ذنب؛ ولهذا كان الأليق والأدق أن تكون العبارة هكذا لا نكفر أحد من أهل القبلة بكل ذنب؛ هذا قد تكون العبارة أدق وأسلم من الإشكال الذي يعني أورده بعض العلماء، فبعض العلماء قالوا: تعقبوا عبارة الطحاوي -رحمه الله- وقالوا: إن هناك ذنوب تخرج من الملة، الطحاوي الآن قال: لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، فقالوا ثمة ذنوب لو فعلها العبد لكفر ولو لم يستحلها، ومقصودهم بهذه الذنوب التي تخرج من الملة، مثلًا كسب الله -سبحانه وتعالى- أو سب الرسول -عليه الصلاة والسلام- وشخص سب النبي -عليه الصلاة والسلام- فإنه كافر، ولو لم يستحل هذا السب، فكان لو كانت عبارة الطحاوي ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بكل ذنب لو قال بكل ذنب لسلمنا من هذا الإشكال أو من هذا التعقيب الذي تعقبه بعض العلماء أو بعض المشايخ الفضلاء.

ثم قال بعدها ولا نقول:" لا يضر من الإيمان ذنب لمن عمله" لاحظ التوسط والاعتدال ومسلك الوسط في هذه العقيدة، لما رد على الخوارج رد على المرجئة الذين يؤخرون يخرجون العمل، لاحظوا ثم مرجئة لماذا؟ لأنهم أرجئوا يعني أخروا العمل عن مسمى الإيمان، أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، صار الإيمان مجرد تصديق فقط؛ فلهاذا هونوا من شأن العمل، وهونوا من فعل المعاصي، وهنا قال -رحمه الله- ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، فهذا كلام المرجئة الذين يهونون من فعل المعاصي فالمعاصي لا شك أنها تؤثر على الإيمان وتنقص الإيمان وسلفنا الصالح حذروا من المعاصي والنصوص في هذا واضحة، وهذا أمر ينبغي أن نعتني به أيها الإخوة أن نحذر المعاصي، سلفنا كان يقول المعاصي بريد الكفر، فالاستهانة في المعاصي قد يوقع العبد شيئًا فشيئًا حتى قد ينسلخ من الملة بسبب المعاصي التي ارتكبها وأصر عليها وتهاون بها، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

يبقى عندنا مسألة نختم بها في هذه العبارة أن الشخص المعين "زيد من الناس" أو عمرو أن نحو ذلك متى يحكم على الشخص المعين بالكفر؟ فهنا نؤكد على أمرين مهمين:

لا يحكم على الشخص المعين بالكفر إلا إذا تلبس به قولًا أو عملًا قال ما هو كفر، كمثلًا سب الله أو نحو ذلك.

وأيضًا الأمر الثاني لابد منه، اجتماع الشروط وانتفاء الموانع في هذا الشخص، إذا تلبس به قولًا أو عملًا أو اعتقادًا ثم قامت عليه الحجة بمعنى والله أن هذا الرجل انتفت عنه الموانع اجتمعت فيه الشروط ليس جاهلًا جهلًا يعذر به ليس متأولًا تأويلًا يدرأ عنه التفكير، ليس مكرهًا فعندئذ يحكم على هذا الشخص بأنه كافر.

لكن هذا الحكم لا يكون إلا لمن عنده علم و أهلية وإلا ليس التكفير بكل من هب ودب، وإنما لكل من عنده علم وأهلية فعليه أن يتنبه لهذين الأمرين المذكورين والله أعلم.

يقول: بالنسبة للصلاة على الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)؛ ما هو الكفر الذي في الحديث هل هو كفر يخرج من الملة؟ أم يكون كفرًا دون كفر؟

والله هو ظاهر الحديث التي ذكرت جاءت في الأحاديث في تكفير تارك الصلاة على أنها يظهر أنه الكفر الأكبر، فلما أنت تذكر أن هذا الحديث عندنا الحديث: الآخر (بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة)؛ فلاحظ أن الكفر هنا جاء معرفًا فإذا جاء الكفر معرفًا فيراد به الكفر الأكبر الكفر الأكبر المخرج من الملة الذي دلت عليه الأدلة أن من ترك الصلاة تهاونًا وكسلًا أن هذا الترك يخرج من الملة وأن هذا الكفر هو كفر أكبر بما جاء في حديث جابر وحديث بريدة وغيرهم من الأحاديث، وهذا الذي يظهر وهذا اختيار جملة من المحققين من السابقين ومن المعاصرين، وعلى كل من أراد المزيد في المسألة فليرجع إلى ما ذكره ابن القيم -رحمه الله- في كتاب الصلاة؛ وأيضًا ما ذكره الشيخ ابن عثيميين -رحمه الله- في هذه المسألة وغيرهما.

يقول: مر علينا أن القرآن كلام الله وليس مخلوقًا ولا شك في ذاك ولكن يقال أن السنة أيضًا كلام الله؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (أتيت القرآن ومثله معه)؛ لأنه يطلق عليه مثلًا الوحيين الكتاب والسنة فليقال إن هذا كله كلام الله؟

قد يكون يا شيخ أيضًا الحديث القدسي يدخل في ذلك مثلًا؟

والله إننا قلنا الحديث القدسي نعم يأتي فيه قال الله تعالى لا شك أن هذا هو كلام الله فلم يأتي فيه الحديث القدسي قال الله فهو كلامه -سبحانه وتعالى- نقول قاله الله -سبحانه وتعالى- لفظا ومعنى؛ لأنه مر بنا أنه القول أو الكلام يشمل لفظ المعنى لكن يبقى بين الحديث القدسي والقرآن الكريم أن القرآن المتعبد بتلاوته ولا يجوز روايته بالمعنى أما الحديث القدسي فليس متعبدًا بتلاوته ويجوز روايته بالمعنى، أما أحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام- فإن الأحاديث التي يقال ليست أحاديث قدسية نعم هي وحي كما سمعنا، والله تعالى قال عن نبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿3﴾ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3- 4].

ما نقول إن كونها وحي إن معناه أن هذا هو كلام الله -سبحانه وتعالى- يعني لما يقول -صلى الله عليه وسلم-: (إنما الأعمال بالنيات)؛ يقال هذا كلام النبي -عليه الصلاة والسلام- لكن لما نسمع قول الله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 1]؛ يبقى هذا كلام الله -سبحانه وتعالى- يفرق بين هذا وذاك، وكونه يفرق نعم هما يجتمعان أن كلاهما وحي يوحى، سواء كلام الله أو كلام السنة والله أعلم.

يقول: ما حكم الترحم على النصارى؟ وسؤال الله يغفر لهم على ما قدموه؟

إن هذه مسألة مفروغ منها، لا يجوز الترحم لا على النصارى ولا على اليهود ولا على الكفار، فالله تعالى قال عن المنافقين: ﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ﴾ [التوبة: 84]؛ فلا يجوز الصلاة عليهم، ولا يجوز الدعاء لهم بالرحمة ما إنهم ماتوا على هذا الكفر؛ هذه مسألة يعني واضحة وبينة، ولا ينبغي أن يقع فيها شيء من اللبس، إنما يترحم على أهل الإسلام، أما هؤلاء فلا يترحم عليهم ولا يقال هذا إذا ماتوا؟ هؤلاء الكفار إذا ماتوا على الكفر مآلهم إلى جهنم وبئس المصير؛ وإذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- مع أمه هذا النبي الكريم أمه -عليها السلام- استأذن ربه أن يدعو لها فلم يؤذن له، واستأذن ربه أن يزورها فأذن له في زيارة قبرها فزار قبر أمه -عليه الصلاة والسلام- فهذا أمر ينبغي أن يكون واضحًا بينا عند أهل الإسلام والله المستعان.

لعل اللبس حصل فضيلة الشيخ عندما يموت بعض كبرائهم من المتدينين أو الأحبار أو الرهبان أو غيرهم قد يحدث اللبس لدى بعض المسلمين ماذا يقول إذا ذكروا أو شيء بعد موتهم؟

نقول أن هؤلاء يعني هلكوا وكون هلك واحد من أهل الكفار أراح البلاد والعباد من هؤلاء، لكن يدعا لهم!!! ينبغي الرحمة أن تكون لأهل الإسلام، ما تكون لأئمة الكفر، وهذا مقتضى الولاء والبراء أن نحب أهل الإيمان وأن بغض أهل الكفر، فإذا ماتوا على الكفر، فإن الحكم العام أن الكفار إلى نار جهنم، هذا الحكم يبقى الخلاف في قضية الحكم على المعني هذا مسألة لا تعنينا، لكن من المعلوم حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- قال -عليه الصلاة والسلام-: (ما من أحد من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي أدخله الله النار)؛ فهنا أدخله الله النار نجدوا أننا نترحم عليه وندعو له بالرحمة!!! لا.. فليكن دعائنا لإخواننا المسلمين والله المستعان.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنه ويدخلهم الجنة برحمته ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم ولا نقنطهم).

يعني ما ذكره الإمام الطحاوي -رحمه الله- في هذه العبارة المحررة، هذا أمر ينبغي أن نستصحبه في حق أنفسنا أو في حق غيرنا، فعلى المسلم إن كان محسنًا أن يرجو أن الله تعالى يرحمه وأن يغفر له وأن يحسن له الختام، لكن لا يأمن، فالإنسان ما دام هو حي فهو عرضة للفتنة، وإذا كان مسيئًا مقصرًا وهو حال الكثير منا فعليه أن يخاف، يخاف من عقاب الله، يخاف من العقوبات، يخاف من المثولات، يخاف من اللقاء بين يدي الجبار -سبحانه وتعالى- لكن لا يحمله هذا الخوف إلى حد اليأس والقنوط من رحمة الله؛ هذا هو المسلك الوسط والمسلك العدل، فنحن نرجو المحسنين لكن يصل حد الرجاء إلى حد الأمن من مكر الله، فلأن مكر الله من كبائر الذنوب بل ربما كان كفرًا كما سيأتي في عبارة الطحاوي -رحمه الله- قال تعالى: ﴿ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [الأعراف: 99].

وأيضًا كذلك هنا لما قال نستغفر لمسيئهم ونخاف عليه لكن هذا الاستغفار والخوف على المسيء لا يفضي إلى حد القنوت من رحمة الله، واليأس من روح الله، فإن الله تعالى قال: ﴿ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ ﴾ [الحجر: 56]؛ وفي الآية الأخرى فوق قال: ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87]؛ فينبغي الجمع بين الأمرين الخوف الرجاء الرغبة والرهبة، لا حظ هنا أن الله -سبحانه وتعالى- عن أنبياء قال: ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ﴾ [الأنبياء: 90]؛ هذا أمر؛ أيضًا قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ [الإسراء: 57]؛ فلابد من الخوف والرجاء سواء في حقنا أو في حق غيرنا.

يبقى عندنا مسألة ينبغي أن نؤكد عليها في هذا المقام لما نقول نرجو رحمة الله أو نقول نخاف عقاب الله بالنسبة للرجاء علينا أن نتنبه أن الرجاء لابد أن يكون معه عمل، أما كون أن الواحد يقول أنا أرجو رحمة الله أرجو أن الله تعالى يدخلني الجنة ولا يعمل، هذا ليس رجاء هذا تمني، هذه أماني والأماني هي بضاعة المفرطين بضاعة الحمقى، فالرجاء لابد فيه من عمل لاحظ الآية الكريمة قال -عز وجل-: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾؛ قال تعالى بعدها: ﴿ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ ﴾ [البقرة: 218]؛ فالرجاء معه عمل وهذا هو الفرق بين الرجاء والتمني أن الرجاء معه عمل وأما التمني فليس معه عمل يعني كونك أنت الآن ترجو رحمة الله افعل الأسباب أعمل الصالحات وثق برحمة الله، وعليك أن ترجو هذه الرحمة بعد هذا العمل وفعل الأسباب أما أيضا الخوف: لما نقول عنه الخوف لما إنسان يعني يخاف إن كان مسيئًا من الله -سبحانه وتعالى- لكن لا يصل به حد الخوف إلى حد اليأس والقنوط الخوف الذي ينبغي أن ينضبط ونلتزم به وهو الضابط هو ما حجزك عن محارم الله، الخوف المحمود الخوف المطلوب ما حجزك عن محارم الله؛ هكذا ضبطه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، يعني أن يكون هذا الخوف زاجرًا ومانعًا من الوقوع في محارم الله، ما زاد على ذلك فلا حاجة إليه إن قد يوقع العبد في اليأس.

ابن رجب -رحمه الله- الحافظ ابن رجب في كتابه التخويف من النار بسط ضوابط الخوف أكثر وبين أن الخوف المحمود هو ماذا؟ الخوف المحمود هو أن يحمله الخوف على فعل الواجبات وترك المحرمات، وزاد إلى أن يفعل النوافل وأن يترك المكروهات فهذا حسن، فالمقصود أن الخوف ينضبط بترك ما أمر الله تعالى بتركه وبالذات المحرمات وأيضًا استطاع أن يحمله الخوف على ترك المكروهات فهذا أفضل وأتم وأكمل. هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

هل يصلح أن نقول إن الخوف يدفع إلى ترك المحرمات وأن الرجاء يدفع إلى فعل الطاعات؟

يعني هو نعم يمكن أن يقال هذا ويمكن يقال الأمرين؛ لأن الرجاء يحمل على هذا وهذا؛ لأن الرجاء يحمل على فعل الطاعات، وأيضًا يحمل على ترك المحرمات وكذا الخوف، الخوف أيها الإخوة يحمل على ترك ا لمحرمات ويحمل على فعل الطاعات، وإن كان البعض أحيانًا يغلب في الخوف الترك ويغلب في الرجاء العمل لكن بالخوف والرجاء يحصل أمرين، بالخوف يحصل ترك المحرمات وفعل المأمورات، وكذا بالنسبة للرجاء يحصل بهما هذا وذاك، وأيضًا نؤكد يا إخوان هنا بمناسبة هذا السؤال أن بعض الناس يظن الإفراط في الخوف يوجب مزيدًا من العمل وترك المحرمات؛ لا.. ليس الأمر كذلك، الإفراط في الخوف مجاوزة الحد في الخوف توقع على فعل العكس؛ ولهذا مثلًا لما تعرفون حديث الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، هذا لما جاءه سأله ذاك العابد هل له من توبة قال ليس لك توبة، يعني الآن أوقعه في اليأس، أوقعه في مزيد من الخوف بسبب ذنوبه، فهذا اليأس جعله ماذا هل جعله يكف ولا يزيد؟

يزيد

زاد وأتم به المائة، فهذا الخوف إذا تجاوز الحد يوقع الإنسان في اليأس، وبعض الناس يقول أنا ذنوبي كثيرة ومعاصي كثيرة، ييأس أن الله تعالى يتوب عليه، فينبغي الحذر من ذلك الله تعالى رحمته وسعت كل شيء، إذا أشرك العبد وكفر وتاب تاب الله عليه الإسلام يجر ما قبله قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ [الزمر: 53]؛ ومن لطيف ما يذكر في هذا المقام أن الخليفة عبد الملك بن مروان خطب يومًا فاستعبر -رحمه الله- وبكى جاءت عنده شيء من المناجاة، وقال على المنبر يا رب إن ذنوبي كثيرة، وإن قليل عفوك أعظم من كثير ذنبي فامح بقليل عفوك كثير ذنبي فبلغ ذلك الحسن البصري -رحمه الله- بلغ هذا الدعاء فبكى الحسن وقال: لو كان كلام يكتب بماء الذهب لكتب، هذا فالمقصود أن رحمة الله واسعة ما على العبد أن يقبل ربه -سبحانه وتعالى- وأن يكثر من الصالحات وأن يتوب إلى الله -سبحانه وتعالى- فهو كما قال: ﴿ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾؛ -سبحانه وتعالى-.

يقول: السؤال الأول: ما هي أفضل الكتب التي ترد على الملحدين والمنكرين لوجد الله؟ وأفضل الكتب على المرجئة؟

والسؤال الثاني: ما هي الفرق التي تقول بتحريف القرآن؟.

ردا على الملاحدة المنكر لوجود الله: أذكر فيه كتاب عبد الرحمن حسن حبنكة في هذا وفي أيضا بعض كتابات الشيخ عبد المجيد الزنداني يمكن الإستفادة منها في تقرير أن الله -سبحانه وتعالى- موجود والرد على منكري الصانع. وفي الشق الثاني: عندنا غالبا الذين يبحثون في هذا الموضوع هم يعولون على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية فعندنا "كتاب الإيمان الكبير" وعندنا كتاب الإيمان الأوسط، وهذه من أفضل الكتب للرد على المرجئة وشيخ الإسلام في كتاب الإيمان هو رد على المرجئة، رد على الأشاعرة ويمكن الاستفادة من الرسائل العلمية الموجودة الآن في الساحة ومنها "كتاب ظاهرة الإرجاء" للدكتور سفر الحوالي وغيرها هذه من أهم الكتب التي تحضرني في هذا المقام.

فيه سؤال يا شيخ عن الفرق التي تحرف القرآن؟

تحرف القرآن يعني إن كان مقصود الطوائف الفرق التي تقول بتحريف القرآن فلا شك أن الرافضة هم معروفون بذلك، فالرافضة يقولون بتحريف القرآن، هم يقولون: إن القرآن محرف، وهناك طوائف أيضًا كذلك لا تعترف بالقرآن أصلًا كما أن الرافضة لا يعترفون بهذا المصحف الذي بين أيدينا، وإنما يسمون أن هناك مصحف يسمى مصحف فاطمة، وهناك بعض طوائف التي هي أشد ضلالًا من الرافضة، وهم وطائفة الدروز الذين عندهم مصحف يخصهم كتبوا كتابا من عند أنفسهم ويسمونه المصحف المنفرد بذاته فهؤلاء لهم كتابهم وهو مجرد دجل وإفك فالمقصود أن هذه الطوائف لها ما لها، ويبقى القرآن يبقى كلام الله هو المحفوظ: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9].

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة).

قوله -رحمه الله- هو الأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام المقصود بالأمن: الأمن من مكر الله؛ والمقصود بالإياس: الإياس من رحمة الله ومن روح الله -سبحانه وتعالى- قال هنا ينقلان عن ملة الإسلام فقرر الطحاوي -رحمه الله- أن الأمن من مكر الله واليأس من رحمته ينقلان عن ملة الإسلام، وسبق أن قلنا قبل قليل: إنه جاءت أحاديث أنه -عليه الصلاة والسلام- سئل عن الكبائر: جاء في بعض الآثار أنه سئل عن الكبائر: فقال الكبائر: (الأمن من مكر الله واليأس من روح الله)؛ هي اليأس من رحمة الله لكن هنا الطحاوي هنا يقرر أن هذا وذاك يخرجان عن الملة، وقد بين شراح هذه العقيدة أنه متى يكون اليأس من روح الله كفرًا؟ ومتى يكون الأمن من مكر الله كفرًا؟ من ذلك يعني ما قاله بعضهم إذا كان اليأس من رحمة الله كان باعثه سوء الظن بالله وإنكار أن الله تعالى يرحم ويغر ويتجاوز ويغفو ويصفح إن كان باعثه سوء الظن بالله -سبحانه وتعالى- فهذا قد يخرج العبد من الملة باعتبار أن سوء الظن هو أعظم الذنوب، ويعني نستدل بالآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرً﴾ [الفتح: 6].

فهذا الوعيد تلو الوعيد يبين لك شناعة سوء الظن بالله -سبحانه وتعالى- فإذن إذا كان اليأس من رحمة الله باعثه سوء الظن بالله -سبحانه وتعالى- أن الله تعالى لا يعفو ولا يرحم وينكر من أسماء الرحمن الرحيم البر فإذا كان الأمر كذلك فهذا سوء الظن هو من أعظم الذنوب بل إن ابن القيم لما ذكر الآية الكريمة في آية الفتح: ﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ [الفتح: 6]؛ قال ابن القيم -رحمه الله- قال لم يجيء وعيد أشد من هذا الوعيد هكذا قال -رحمه الله- بمعنى أيضًا كذلك بالمقابل متى يكون الأمن من مكر الله ناقلا عن الملة يكون ناقلا إذا ظن أن الله تعالى يعجز عن أن يعاقب أو استخف بوعيد الله فإذا وصل الأمن من مكر الله إلى حد الاستهزاء أو الاستخفاف بوعيد الله فهذه ردة لأن الله تعالى: ﴿ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴿65﴾ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65- 66].

فإذا حمله الأمن من مكر الله على الاستهزاء والاستخفاف بوعيد الله فهذه ردة أو ظن أن الله تعالى لا يقدر على العقاب ولا على البطش بأعدائه، فهذا الظن كذلك يخرجه من الملة؛ هذا بعض كلام العلماء الذي استفدناه من كلام للحليمي في المنهاج في شعب الإيمان وأيضًا كذلك ما استفاد من كلام الحسن البسنوي وهو أحد شراح هذه العقيدة والله أعلم.

تقول: ما حكم من سب الصحابة -رضي الله عنهم-؟

مسألة الصحابة -رضي الله عنهم- سيمر بنا -إن شاء الله- ولكن بإيجاز شديد نقول من سب الصحابة إن سب الصحابة -رضي الله عنهم- سبًا يقدح في دينهم وعدالتهم كأن يقول عن الصحابة أو عن جمهور الصحابة أنهم ضلال أو فساق أو كفار فإن سبهم سبًا يقدح في دينهم وعدالتهم فلا شك في كفر من وقع في ذلك، لا شك فيه فكفر هؤلاء متعين بما في ذلك من التكذيب لنصوص القرآن والسنة التي تشهد بعدالتهم ونصوص القرآن والسنة تثبت عدالتهم، أما إن سب أحد الصحابة سبًا لا يقدح في دينه ولا في عدالته كأن يطعن في صفاته الخلقية ونحو ذلك فهذا يعذر صاحبه تعذيرًا بليغًا لكن لا يصل إلى حد الخروج من الملة هذا الذي حرره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لما عرض على هذه المسألة، فذكر أقوال العلماء ثم وصل إلى هذا التحقيق والتحريم الذي سمعناه والله أعلم.

يقول: ولا نشهد لأحد بجنة أو بنار؟ يقول بالنسبة لمن يقتل في المعركة هل يصح أن نقول عنه شهيد أو استشهد مثلًا؟

يعني هو الذي قتل في سبيل الله قتل يجاهد في سبيل الله، قتل يجاهد في سبيل الله يقاتل أعداء الله هل يقال عنه شهيد؟ الذي أفهمه من كلام للحافظ ابن حجر -رحمه الله- إن أريد بالشهادة أنه يعامل معاملة الشهيد بمعنى أنه لا يصلي عليه ولا يغسل ولا يكفن أن تجرى عليه أحكام الشهيد الظاهرة، فنعم هو شهيد بهذا المعنى، أما إن يريد بالشهيد أنه شهيد عند الله فهذا قطع له بأنه في الجنة فلا، فالمقصود أنه ينظر من جهتين أنه من جهة الظاهر بحيث تجرى عليه أحكام الشهيد شهيد المعركة نعم هو شهيد أما أنه شهيد حتى يظن ظان يقول إن فلان شهيد أنه شهيد عند الله ويقطع له بالجنة فلا يقطع بالجنة إلا بما جاء به النص عنه -عليه الصلاة والسلام-.

تقول: هل الإفراط في الندم مطلوب أم أنه يؤدي إلى اليأس؟

الندم -والله- نقول أن الندم لا داعي ولا فائدة منه، كون الإنسان يندم إلا إذا كان الإنسان هنا الندم على ذنب نعم فالندم توبة كما ورد في بعض الآثار فنقول كون الإنسان يندم أو يندب مثلا تفريطه أو تقصيره هذا مطلوب لكن لا يصل هذا الندب أو هذا الندم إلى حد اليأس؛ ولهذا نحن أهل السنة نوقن أن الشخص إذا تاب تاب الله عليه ويعني نجزم بقبول توبته؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ﴾ [الزمر: 53]؛ فرحمة الله واسعة، فالمقصود إذا كان يريد بالندم أو الندب أنه يعني يندب ما فعله من المعاصي ويكون هذا الندم موجبًا للعمل والإيقاع فنعم، لكن إذا كان هذا الندم أو الندب كما عبرت قد يوقع في اليأس فيتجنب هذا الندب والإفراط فيه.

هلا تفضلتم بطرح أسئلة هذه المحاضرة:

السؤال الأول: من أهل القبلة؟

والسؤال الثاني: ما ضابط الخوف المشروط؟ والله أعلم.

 

 

طباعة

1146  زائر

إرسال


الترك المطلوب : قال شريح : فو الله لا تجد فَقْد شيء تركته لوجه الله. طبقات ابن سعد 6/136
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 

الوهابية في مواجهة الغلاة
***

نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية
***

نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية
***

سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها
***

خدمة الواتس اب
***

صفة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ونفعها للعصاة
***