التاريخ : 30/5/1428 هـ

الدروس العلمية

د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

الدرس الحادي عشر - آثار الإيمان بالقدر

الدرس الحادي عشر

آثار الإيمان بالقدر

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نبدأ مستعينين بالله -سبحانه وتعالى- ونبدأ باستعراض الأجوبة فليتفضل أخونا الشيخ عبد الرحمن: تفضل.

بالنسبة للسؤالين في الحلقة الماضية:

السؤال الأول: منشأ الضلال في باب القدر؟

وكانت الإجابة: يقول أنه نشأ لدى كل من الجبرية والقدرية تسويتهم بين المشيئة والمحبة والرضا؛ أما أهل السنة والجماعة فرقوا بين ما يشاء الله بقدره وبين ما يحبه ويرضاه، ونتيجة لتسويتهم هذه قالت القدرية: إن المعاصي لا يحبها الله وأما الجبرية فقالوا: إن المعاصي بتقدير ومشيئة الله تعالى.

الإجابة صحيحة لكن كان عليه أن يكمل ما قالت الجبرية وما قالت القدرية فالقدرية قالت إن المعاصي لم يحبها الله ثم قالوا بعدها لم يشأها الله والجبرية قالوا المعاصي بقدر الله فالمعاصي يحبها الله؛ إجابة أخونا في الأول إجابة صحيحة فمنشأ الضلالة هو التسوية بين المحبة وبين المشيئة والرضا.

والسؤال الثاني: قرر الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى- مسألتين مهمتين عن القدر اذكرهما؟

وكانت الإجابة: المسألة الأولى: إن القدر مبني على التسليم لنصوص الوحيين في باب القدر.

والمسألة الثانية: إن القدر له جانبين جانب ينبغي الكف عنه وعدم الخوض فيه وجانب ينبغي الخوض فيه والتفقه فيه مثل معرفة مراتب القدر

إجابة الأخت إجابة صحيحة لكن كان عليها أن تقول جانب ينبغي البحث في والتفقه فيه ما يقال الخوض فيه كلمة الخوض في الغالب تكون قول بلا علم؛ الإجابة جيدة وصحيحة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (والعرش والكرسي حق)

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله قبل أن نبدأ في هذه العبارة كان بقي عندنا بقية من الحلقة الماضية فيما يتعلق بموضوع الإيمان بالقدر، آخر ما تحدثنا عنه عن شبهة في باب القدر مع الجواب عنها، فبقي الحديث عن آثار الإيمان بالقدر لعلنا نوجز الكلام عنها في هذه العجالة، فأقول مستعينا بالله -سبحانه وتعالى-:

إن الإيمان بالقدر يورث جملة من الآثار الحميدة والثمرات الطيبة في سلوك العبد وفي أحواله جميعًا ومن ذلك أمور:

- الأمر الأول: أن الإيمان بالقدر يورث الإخلاص بالله -سبحانه وتعالى- فمن آمن بالقدر إيمانًا صحيحًا، إيمانًا حقيقيًا فهذا يورث الإخلاص؛ ما وجه ذلك؟ وجه ذلك -أيها الإخوة ومن يشاهد هذه الحلقة- أن من آمن بالقدر فإنه يوقن أن النفع والضر بيد الله وأن -سبحانه وتعالى- له الأمر كله، وأن المدح الذي يبتغيه هو مدح الله والذم الذي ينفر منه هو ذم الله -سبحانه وتعالى-له، فلا يلتفت إلى مدح الناس ولا إلى ثنائهم ولا إلى ذمهم، همه أن يرضي الله فهو يوقن أن النفع والضر بيد الله، فيجتهد فيه ما يقربه إلى الله رضي الناس أم سخطوا؛ ولهذا قال الفضيل بن عياض: من عرف الناس استراح، من علم وأيقن أن النفع والضر بيد الله -كما مر بنا- في حديث ابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلى بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلى بشيء قد كتبه الله عليه رفعت الأقلام وجفت الصحف).

- الأمر الثاني: يورثه الإمام بالقدر ألا وهو: سلامة القلب وطهارته من مراض الحسد والغل والضغينة في مجتمعات المسلمين التي تظهر هذه الأمور وتزداد ويكثر الحسد والضغينة؛ فأعظم علاج لهذه الأدواء التي تعصف بمجتمع ألا وهو الإيمان بالقدر، ما وجه ذلك؟ كيف يكون الإيمان بالقدر سببًا في السلامة من تلك الأدواء؟

أقول إن الإيمان بالقدر يجعل العبد راضيًا بما قسمه الله له من مال أو صحة أو نحو ذلك، فلا يحسد الناس على ما آتاهم الله في فضله، كون فلان غني كون فلان صحيح البدن كونه كذا، الذي يؤمن بالقدر لا يحسد الناس؛ لأنه يعلم أن هذه قسمة الله -سبحانه وتعالى- وأن الله تعالى هو الحكيم لما جعل فلانًا غنيًا وجعل فلانًا فقيرًا فله الأمر في ذلك كله، وله الحكمة البالغة، أدركناها أو لم ندركها.

وأمر آخر: أن هذا الأمر يطهر القلب من هذه الأمراض الحسد؛ لأن العبد المؤمن لا يعترض على قدر الله، لا يعترض على قسمة الله؛ فإذا الله تعالى قدر لفلان الصحة والمال وغير ذلك فيسلم ويعلم أن الخير فيما يختاره الله -سبحانه وتعالى-.

- الأمر الثالث: وهو من ثمرات الإيمان بالقدر ألا وهو: أن الإيمان بالقدر يورث الشجاعة، من الأخلاق التي ضعفت عند كثير من الناس خلق الشجاعة، فاستحوذ الجبن على كثير من الناس، وكان النبي -عليه الصلاة والسلام- يتعوذ بالله من الجبن، فإذا أردنا أن نغرس في أنفسنا وفي أبنائنا وفي بناتنا هذا الخلق النبيل خلق الشجاعة، هذا لا يتأتى إلا من خلال الإيمان بالقدر، وهذا بين جلي، فمن أيقن أن النفع والضر بيد الله، وأن الأرزاق مقسومة، والآجال معدودة، ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها؛ فعندئذ يقدم ولا يصاب بهذا الجبن الذي نجد أنه يشل كثير من الناس عن قول الحق، ويجعل الناس يحجمون عن مجالات الخير، الإيمان بالقدر يورث شجاعة.

- الأمر الرابع: مما يورثه الإيمان بالقدر ألا وهو: أن الإيمان بالقدر يورث حسن الظن بالله -سبحانه وتعالى- ومن أيقن أن الله تعالى يقدر الأمور وأن تقديره مبني على حكمة وتعليل، وأن -سبحانه وتعالى- لا يخلق شرًا محضًا خالصًا، وأنه -عز وجل- له الحكمة البالغة، فهذا يورث حسن الظن بالله -سبحانه وتعالى- وحسن الظن فيه ثقة بالله، فيه رجاء، فيسلم العبد من الشؤم، يسلم العبد من التطير، يسلم العبد من هذا الإحباط الذي يوجد عند بعض نفوس الناس، فحسن الظن هو من ثمرات الإيمان بالقدر.

- الأمر الخامس: أختم به -ولا أريد أن أطيل- ألا وهو: الإيمان بالقدر يورث خُلق الصبر على المصائب، الدنيا مليئة بما يكدر، فالإنسان إذا آمن بالقدر وأيقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، عندئذ يصبر على المصائب، ويرضى بذلك، ويطمئن، لكن لما ضعف الإيمان بالقدر عند كثير من الناس تجد أنهم إذا أصابتهم المصائب يصابون بجذع، يصابون بالقنوط، ربما أدى إلى ما أدى من أمراض نفسية، ربما أدى إلى ما أدى مما يسمى بالانتحار التي تزداد ظاهرته في هذه الأيام، فالصبر على أقدار الله والصبر على المصائب إلا ما هو ثمرة من ثمرات الإيمان بالقدر.

إذا أذنت لي فيه مسألة هنا طرحها الأخوة: بالنسبة يا شيخ في وقوع المصائب على الإنسان لا شك أنها تورث ضجرًا وضيقًا وكدرًا هل نقول على المؤمن والمسلم قد يأثم بوجود التضجر من أقدار الله عليه؟

المعروف أن المصائب التي تقع على العبد كونه يصاب مثلًا في بدنه أو ماله أو في ولده فهو إن كان الشخص قد تسخط فلا شك أن التسخط على أقدار الله -والمصائب- هذا يعد ذنبًا، ويعد من الأمور المحرمة، فالصبر واجب، والصبر يقابله التسخط، فإذا كان هذا التضجر ينافي الصبر فهذا ممنوع لا يجوز، فيجب على العبد أن يصبر إذا أصاب الإنسان مرضًا، أو أصابه بلاء، عليه أن يصبر؛ لأن الله تعالى أمر بالصبر قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ﴾ [آل عمران: 200].

والأمر للوجوب -كما لا يخفى- فلابد من الصبر، فبعض الناس يقولون أنا ما أقدر أصبر، أنا طبيعتي ما أتحمل، نحن نقول كما قال -عليه الصلاة والسلام-: (ومن يتصبر يصبره الله)؛ إذا كان الإنسان ليس من طبيعته عنده جلد وصبر فعليه أن يتصبر، فالصبر قد يكون أمرًا جبل عليه العبد، وقد يمكن اكتسابه، الإنسان إذا جاءته مصيبة يعود نفسه ويروض نفسه على الصبر مثل ما الإنسان يروض بدنه على أنواع من الرياضات، فكذلك يروض هذه النفس على الصبر، ولا شك أنها كما سمعنا الوعد الكريم: (ومن يتصبر يصبره الله)؛ إذا وصل إلى المقامات، مقام الرضا هذا مقام أعلى وأرفع، لكن الذي يجب علينا نحن وعلى كل مسلم ومسلمة أمام المصائب أن يصبر ليس عليه أن يتضجر، وعليه أن يقدم -كما قلنا في الحلقة الماضية- عليه أن يعلم أن الخير فيما اختاره الله، قلنا في ثنايا الكلام كيف أن ابن القيم -رحمه الله- ذكر أنه أحصى فوائد المرض الذي يتوجع منه الناس ويتألمون، ذكر أن فيه مائة فائدة، فالله -سبحانه وتعالى- حكيم والله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19].

بارك الله فيك نشرح العبارة هذه

طيب العبارة التي سمعناها: (والعرش والكرسي حق) العرش المراد به طبعًا عرش الرحمن -سبحانه وتعالى- والعرش في لغة العرب معناها سرير الملك، وكلمة العرش فيها معنى الارتفاع، مادة العرش فيها معنى الارتفاع، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ﴾ [الأنعام: 141].

ومنه العريش، فالمقصود أن هذه مادة العين والراء والشين فيها معنى الارتفاع والعلو، هذا معنى العرش وهو سرير الملك، قال تعالى عن ملكة سبأ: ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ [النمل: 23].

أما المراد به هنا فهو عرش الرحمن -سبحانه وتعالى- طيب ما صفاته؟

صفاته نقول:

أولًا: هو سرير.

ثانيًا: ذو قوائم.

ثالثًا: تحمله الملائكة.

رابعًا: هو سقف المخلوقات.

خامسًا: وهو كالقبة على العالم.

هذه خمسة أمور نعرف بها هذا العرش، عرش الرحمن -سبحانه وتعالى-.

الأمر الأول: هو سرير هذا أولًا: من أين أخذناه؟ أخذناه من المعنى اللغوي، والعرش في اللغة هو: السرير.

الأمر الثاني: ثم قلنا -أو قال العلماء- سرير ذو قوائم، من أين أخذنا؟ هذا الوصف أخذناه من الحديث الصحيح؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: (لا تفضلوني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش)؛ الحديث أخرجه البخاري؛ فهنا في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش)؛ فدل الحديث على أن العرش له قوائم.

الأمر الثالث: أن العرش تحمله الملائكة، وهذا واضح في كلام الله قال تعالى: ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 17].

وجاء ذلك في حديث الأوعال الذي أخرجه أبو داود وغيره والعرش تحمله الملائكة.

الأمر الرابع: هو سقف المخلوقات من أين أخذنا هذا؟ أخذناه من قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا سألتم الله الجنة فسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسطها وفوقه عرش الرحمن).

(إذا سألتم الله الجنة فسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلاها، وفوقه عرش الرحمن)؛ فدل الحديث هذا الذي أخرجه البخاري أن العرش هو سقف المخلوقات هو أعلى شيء أعلى المخلوقات.

الأمر الأخير: وهو أنه كالقبة على العالم، وهذا جاء في حديث للنبي -عليه الصلاة والسلام-: (أنه -عليه الصلاة والسلام- وإن عرشه على سماواته هكذا، وأشار بيده -عليه الصلاة والسلام- مثل القبة)؛ فالعرش هو مثل القبة فهو كالقبة على العالم، هذا الحديث -يعني وإن كان فيه كلام- لكن نصره جملة من العلماء وأثبت صحته منهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- وغيره.

هذا ما يتعلق بمسألة العرش، طيب ننتقل إلى مسألة الكرسي.

المؤلف قال: (والعرش والكرسي حق): فالعرش حق أي أنه ثابت موجود وعرفنا شيئًا من صفاته التي دلت عليه من الأدلة، أما الكرسي هناك أقوال لعل أظهر هذه الأقوال ما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن الكرسي هو موضع قدمي الرحمن -سبحانه وتعالى- وهذا الأثر أخرجه الحاكم وقال إسناده صحيح على شرط الشيخين.

هذا ما يتعلق بمسألة الكرسي، وظاهر الأحاديث التي جاءت أن الكرسي عظيم، والعرش أعظم منه، ومن ذلك ما جاء في الحديث عنه أنه -عليه الصلاة والسلام-: (ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة).

السموات السبع كلها بالنسبة للكرسي ما هي إلا حلقة حديد ألقيت في فلاة أي صحراء مترامية الأطراف، ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: (وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة).

هذا الحديث أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات وصححه الألباني -رحمه الله-، المقصود أن العرش -يعني كما ورد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم- لا يقدر إلا الله، هذا ما يتعلق بهذه العبارة والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى- (وهو مستغنٍ عن العرش وما دونه).

هنا لما قال -رحمه الله- هو مستغن عن العرش وما دونه يعني مستغن عن العرش ومستغن عما دون العرش، هذه العبارة المحررة منه -رحمه الله- مهمة؛ لأن هناك من قد يتوهم أنه -سبحانه وتعالى- إذا كان موصوفًا بالاستواء على العرش، وقد جاء ذلك في سبع آيات من كتاب الله: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [الأعراف: 54]؛ جاءت في ست آيات وجاء في الآية السابعة: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5].

بعض الناس يتوهم أن الله -سبحانه وتعالى- إذا كان موصوفًا بالاستواء عرش أنه محتاج ﴿ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 43].

تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؛ فهو -سبحانه وتعالى- مستغن عن العرش ومستغن عن من دونه من المخلوقات فهو -سبحانه وتعالى- الغني، ومن أسمائه الحسنى الغني، ومن صفاته الغِنى، فهو -سبحانه وتعالى- موصوف بالغنى، والغنى وصف ذاتي لا ينفك عنه -سبحانه وتعالى- كما أن الفقر وصف ذاتي لنا، نحن معشر بني آدم لا ننفك عن الفقر، نحن محتاجون: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ ﴾ [فاطر: 15].

المقصود أن الطحاوية -رحمه الله- قال هذه العبارة حتى لا يتوهم متوهم أنه -سبحانه وتعالى- إن كان مستويًا على العرش أن يكون محتاجًا، فنحن نرد على هؤلاء الذين توهموا ذلك، ثمة أقوام توهموا هذا التشبيه، وأن الله تعالى محتاج إلى العرش، فدفعوا هذا التمثيل بالتعطيل فأنكروا العرش، وأنكروا الاستواء، كما هو موجود عند غالب الذين وقعوا في التعطيل من أشاعرة ومعتزلة وجهمية فنحن نرد عليهم من وجهين:

الوجه الأول: أن نقول لهؤلاء هو -سبحانه وتعالى- كما أن ذاته لا تماثل الذوات فكذلك أيضًا صفاته وهو -سبحانه وتعالى- كما قال عن نفسه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11].

فكما أن ذات الله لا تماثل الذوات فكذا استوائه على العرش ليس كاستواء خلقه، أنت الآن إذا كنت جالسًا على الكرسي أو استويت على الدابة أو على السيارة أو على السفينة أنت محتاج إليها، لو سقطت السفينة مثلًا في أعماق البحر لسقط من عليها -كما هو معلوم-، لكن الله -سبحانه وتعالى- هو الغني، هذا الجواب الأول، فإذا تقرر عند كل مسلم ومسلمة أن ذات الله لا تماثل الذوات، فكذا جميع صفاته، فإذا كان صفات العبد لا تنفك عن هذه الحالة فصفات الله -سبحانه وتعالى- ليست كذلك؛ لأنه -عز وجل- ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾.

الوجه الثاني: في بيان أنه -سبحانه وتعالى- مستغنٍ، وفي الرد على من يتوهم الحاجة، نقول: عندنا مخلوقات الآن بعضها فوق بعض ومع ذلك، العالي ليس محتاج إلى من دونه، أليس كذلك؟ فالآن عندك السماء فوق الأرض وليست السموات محتاجة إلى الأرض، وكذا الآن السماء الثانية فوق السماء الأولى وليست السماء الثانية محتاجة إلى السماء الأولى وهكذا.

فإذا ثبت الغنى -لاحظ- إذا ثبت الغنى لهذه المخلوقات، وهي مخلوقات فالله -سبحانه وتعالى- ماذا؟ فالله -سبحانه وتعالى- أحق وأولى، كما مر بنا في قياس؟ الأولى، كل صفة كمال وصف بها مخلوق فالله تعالى أحق وأولى بها؛ هذا ما يتعلق بهذه العبارة؟

قال -رحمه الله تعالى- (محيط بكل شيء وفوقه وقد أعجز عن الإحاطة خلقه)

هنا عندنا العبارة تتركب من مسألتين:

- أن الله تعالى محيط بكل شيء.

- وفوقه. أي أنه فوق كل شيء.

هذا معنى العبارة معنى قوله -رحمه الله- محيط بكل شيء وفوقه، أي أنه محيط بكل شيء، هذا أولًا.

وثانيا: أنه فوق كل شيء -سبحانه وتعالى- ما الدليل على أنه محيط بكل شيء؟ هذا واضح:

قال تعالى: ﴿ وَاللهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ ﴾ [البروج: 20].

قال -عز وجل-: ﴿ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ﴾ [فصلت: 54].

قال تعالى: ﴿ لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ ﴾ [الأنعام: 103].

أي أنه يحيط بالأبصار -سبحانه وتعالى- أما أنه فوق كل شيء فهذا أمر بين ظاهر، وأدلته كثيرة جدًا أن الله -سبحانه وتعالى- موصوف بالعلو والفوقية، فالأدلة دلت على ذلك من الكتاب والسنة والعقل والفطرة.

ومن العجب أن إثبات العلو لله -سبحانه وتعالى- مع كثرة أدلته حتى قال بعض العلماء أن أدلته تصل إلى ألف دليل، ومع هذا كله للأسف أنك تجد جملة من بلاد المسلمين من ينكر أن يوصف الله -سبحانه وتعالى- بالعلو، مع هذه الأدلة كلها أدلة من الكتاب والسنة العقل والفطرة، ومع هذا كله تجد أن هؤلاء ينكرون العلو، ويقولون: إن الله تعالى في كل مكان؛ والبعض يقول: إن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا: ﴿ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾.

أما الأدلة على إثبات صفة العلو لله تعالى فالأدلة كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ [الأنعام: 18]، ومنها قوله تعالى: ﴿ أَأَمِنْتُم مَّن فِي السَّمَاءِ ﴾ [الملك: 16]؛ وأيضًا عندنا في حديث الجارية، حديث معاوية بن الحكم السلمي لما قال -عليه الصلاة والسلام- لجارية معاوية: (أين الله؟ في السماء فقال -عليه الصلاة والسلام- من أنا؟ أنت رسول الله -عليه الصلاة والسلام- قال -عليه الصلاة والسلام- أعتقها فإنها مؤمنة).

ومنها أيضًا رفع الأيدي إلى السماء، أنت لما تدعو ترفع يديك إلى السماء، إلى الله -سبحانه وتعالى- وقد جاء في الحديث قال -عليه الصلاة والسلام-: (إن الله يستحي من عبده إذا رفع إليه إلى من إلى الله يديه أن يرده صفرً)، أخرجه أحمد وغيره، فهذا أمر ظاهر، أن العلو يعني هو صفة الله -سبحانه وتعالى- أيضًا عندك الآية الكريمة: ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ [البقرة: 255]، قال تعالى: وهو العلي العظيم في آية الكرسي هنا هو موصوف بالعلو، العلي الآلف واللام للاستغراق، تستغرق كل أنواع العلو فهو -سبحانه وتعالى- موصوف بعلو القهر كما في الآية الأخرى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ [الأنعام: 18].

موصوف بعلو القدر والرتبة والشأن، والأمر الثالث: هو علو الذات، هذه بعض الأدلة من الكتاب والسنة في إثبات العلو.

أما الدليل العقلي: ونحن نتعمد أن نرد الدليل العقلي في هذا المقام من أجل أن نقرر ما سبق أن مر بنا أن سلفنا الصالح اعتنوا بالأدلة العقلية؛ فالدليل العقلي على إثبات العلو نورده من خلال كلام -إمام أهل السنة- الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- في كتابه الرد على الزنادقة والجهمية، يقول أحمد -رحمه الله-: في هذا الدليل العقلي إن الله -سبحانه وتعالى- حين خلق هذا الكون -هذه الخلائق- إما أن يكون خلق هذه الخلائق في نفسه وإما أن يكون خلقها في خارج نفسه، لاحظ كيف الدليل العقلي، كيف التقسيم العقلي، أن الله -سبحانه وتعالى- لما خلق الخلق إما أن يكون هذا الخلق في نفسه -يعني في ذاته- إما أن يكون خارج ذاته.

كأنه يرد على

الآن يبدأ في الرد، فلما ذكر هذا الجواب بدأ يبسط الدليل هكذا، فإذا قلنا: إن الله تعالى خلق الخلق في نفسه -في ذاته- فهذا كفر وباطل، كيف أن ذات الله تكون فيها الإنس والجن وسائر المخلوقات، وإذا قلنا: إن الله تعالى خلق الخلق خارج ذاته فنحن أيضًا بين أمرين: إما أن نقول إنه خلق الخلق خارج ذاته ثم دخل فيهم، وهذا أيضًا باطل وكفر، إذا قلنا: إن الله تعالى خلق الخلق خارج ذاته ثم دخل في مخلوقاته فهذا باطل وكفر؛ لأنه يستلزم أن يكون الله -سبحانه وتعالى- في أماكن النجاسات والقاذورات تعالى عن ذلك، وأن نقول: إن الله تعال خلق الخلق وأن ولم يدخل فيهم فأثبتنا ماذا؟ أثبتنا المباينة، والمباينة هي العلو الفوقية؛ هذا باختصار ما ذكره الإمام أحمد في الرد على الزنادقة.

الدليل الفطري: هذا يعني واضح من دون اكتساب، من دون تعلم، وهذا ما عبر عنه الهمداني -رحمه الله- أبو جعفر الهمداني -رحمه الله- سمع الجويني وهو يقرر نفي العلو، الجويني -الملقب بإمام الحرمين- كان ينكر العلو على طريقة أسلافه من الأشاعرة، فماذا قال أبو جعفر الهمداني؟ قال كلامًا جميلًا، كلامًا واضحًا يفهمه كل مسلم وكل مسلمة، فقال هذا الإمام أبو جعفر الهمداني قال حدثني يخاطب الآن الجويني: يقول حدثني عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا ما قال عارف قط يا الله إلا اتجه إلى العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة؟ يقول حدثنا عن هذه الضرورة؟ هذا أمر ضروري من دون اكتساب، من دون تعلم، يقول: كيف ندفع هذه الضرورة فعندئذ بكى الجويني وقال: حيرني الهمداني حيرني الهمداني.

هذا أمر -يا أخواني- فطري، من العجب أن بعض الناس يصادم هذه الفطرة، هذه الفطرة موجودة عند كل مسلم، وموجودة حتى عند البهائم، والذي يقرأ ما ذكره ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو الجهمية والمعطلة يجد أنه أورد أدلة كثيرة جدًا في إثبات هذه الصفة، وكذا أيضًا كما ذكره الحافظ الذهبي في كتابه العلو للعلي العظيم، وأيضًا كذلك ما ذكره ابن قدامة -رحمه الله- في كتاب إثبات العلو هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

يبقى عندنا مسألة وإن كنا أطلنا فيها ولم نستمع إلى أسئلة الأخوة، يبقى عندنا مسألة نؤكد عليها، أن إثبات العلو له صلة وثيقة بتوحيد العبادة، وهذا يعني نؤكد عليه دائمًا، أن التلازم بين موضوع الأسماء والصفات وبين توحيد العبادة؛ ولهذا نقول في هذا المقام كما يقول شيخ الإسلام -رحمه الله- في نقض التأسيس: أن الشخص الذي ينفي العلو -وينكر العلو- تجد أن عنده من ترك الدعاء وترك الانحلال عنه بقدر هذا النفي، والعكس: كلما كان العبد أكثر تحقيقًا وإثباتًا لصفة العلو لله تجد أن عنده من الإقبال على الدعاء والتضرع إلى الله والانكسار بين يديه ورفع يديه إلى السماء ما لا تجده عند هؤلاء النفاة المعطلة، فإثبات العلو لله -سبحانه وتعالى- يستوجب ويستلزم إقبالًا على الله في الدعاء والتضرع إليه ورفع اليدين إليه -سبحانه وتعالى-.

لعلنا نقف إذا كان فيه سؤال أو استفسار؟

لدي تساؤل: هل يجب على المسلم أن يعرف تفاصيل خلق العرش والكرسي على التفصيل أم أن نقول أن يؤمن بها على الإجمال؟.

طبعًا هذا سبق أن قلناه في أول درس أن هناك شيء اسمه المعرفة الإجمالية، وهو الإيمان المجمل بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر؛ هذا الإيمان المجمل هذه المعرفة الإجمالية أو الإقرار المجمل هذا فرض على كل مسلم ومسلمة، أما تفاصيل مثلًا الصفات الله أو تفصيل مثل هذه الموضوعات التي بين أيدينا فهذه من فروض الكفاية إذا قام به البعض سقط الحرج والإثم على الباقين.

يقول: إن الله ينزل كل آخر ليلة إلى السماء الدنيا -سبحانه وتعالى- كما ورد في الحديث، هل ينزل مع العرش؟

نحن نقول في مثل هذا نقول كما قال سلفنا "قف حيث وقف النص" فهو -سبحانه وتعالى- ينزل نزولًا يليق بجلاله وعظمته إلى السماء الدنيا وهو الذي -سبحانه وتعالى- هو الذي ينزل نزولًا يليق بجلاله وعظمته، ولم يأت قضية أن العرش ينزل، فنقف حيث وقف النص، فهو -سبحانه وتعالى- ينزل، لكن نزوله -سبحانه وتعالى- كما قلنا نزول يليق بجلاله وعظمته، وهذا النزول لا يفارق صفة العلو؛ لأنه ليس كمثله شيء؛ ولهذا السلف هنا يقولون: إن الله -سبحانه وتعالى- قريب في علوه عال في دنوه -لا حظ عبارة الطحاوي جميلة- قال: "محيط بكل شيء وفوق كل شيء" فهو -سبحانه وتعالى- له من صفات الكمال ما تنبهر منها العقول؛ ولهذا لاحظ الآن عندك الآن لما قال محيط بكل شيء وفوق كل شيء هذا مؤكد مقرر في الأدلة لما قال تعالى في سورة قال -عز وجل-: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [الأعراف: 54].

فهنا لما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾، بعدها قال: ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ﴾ [الحديد: 4].

لاحظوا هنا أول شيء قال ثم استوي على العرش فوصف بالعلو والارتفاع -سبحانه وتعالى- ثم قال: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾ قوله -سبحانه وتعالى- على العرش هذا لا ينفي علمه بكل شيء قال: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ ﴾ [الحديد: 4].

فعلمه محيط بكل شيء، وفي حديث الأوعال قال -عليه الصلاة والسلام-: (والله فوق ذلك- يعني فوق العرش- وليس يخفى عليه من أعمال بني أدم شيء) فالمقصود أننا نثبت هذا النزول، أما قضية العرش لم يرد شيء في ذلك فنقف حيث وقف الناس، إنما ينزل هو -سبحانه وتعالى- واضح الآن.

يقول: بالنسبة للإيمان بالقدر قلنا أنه يورث شجاعة، كيف نوفق بين الأخذ بالأسباب وإنسان مثلًا ذهب إلى مكان يغلب فيه الهلاك وهو يقول أنا مؤمن بالقدر وإذا قدر الله أن أهلك أو أموت أو كذا فيدخل، كيف نوفق بين الشجاعة والأخذ بالأسباب؟

ما في إشكال أولًا نحن نؤكد -يا أخوان- أن الإيمان بالقدر يورث الشجاعة، فيجب أن نستصحب أن الشجاعة هي خلق كريم بين خُلقيين مذمومين، بين خلق الجبن الذي كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يتعوذ بالله منه، وبين التهور فلا تعني الشجاعة التهور، وإنما الشجاعة بين هذا وذاك، هذا أمر.

الأمر الآخر: الشجاعة هي -أخي- سبب، هي في حد ذاتها من فعل الأسباب، أنت عندما تكون شجاع، وتواجه أعداء الله هذا سبب في السلامة منهم، عندما تواجه أعدائك بهذه الشجاعة هذا سبب في حفظك، فالشجاعة هي أعظم سبب؛ ولهذا كانت الشجاعة هي خلق الأنبياء، إبراهيم -عليه السلام- كسر الأصنام ونبينا -عليه الصلاة السلام- كما قال أنس -رضي الله عنه-: (كان علي-رضي الله تعالى عنه- أشجع الناس).

فالشجاعة هي من الأسباب، لكن كونه قلنا: "من الأسباب" لا يعني أن الشجاعة هي التهور، وإنما هي خلق نبيل وخلق كريم بين الجبن وبين التهور والطيش.

يقول: ما معنى فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة؟ هل يعني الفرق في القدر أم الفرق في الحجم أم ماذا؟

نأخذ بظاهر الحديث لما قال هنا: (وفضل العرش -أو قال فضل العرش- على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة) من جهة عظمته، مثل الآن لو أتينا بحلقة حديد وضعناها في صحراء يعني شاسعة مترامية الأطراف ليست شيئًا، هذه الحلقة تضيع في هذه الصحراء المترامية الأطراف، فكذا أيضًا يعني هنا الآن بالنسبة للعرش، العرش مع الكرسي، فالعرش هو كهذه الفلاة والكرسي كالحلقة فمن جهة العظمة من جهة ذات الكرسي ومن جهة ذات العرش.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلًا وكلم موسى تكليمًا إيمانًا وتصديقًا وتسليمً)

هذه العبارة بينة واضحة من خلال الأدلة، أما قوله إن الله اتخذ إبراهيم خليلًا هذا جاء في القرآن قال تعالى: ﴿ وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾ [النساء: 125]؛ وقال -عليه الصلاة والسلام-: (لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليل)؛ وسبق أن مر بنا شيء من ذلك أما قوله ﴿ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ [النساء: 164]،فأيضًا كذلك هذا من الصلاية: ﴿ وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ [الأعراف: 143]؛ الله -سبحانه وتعالى- كلم موسى؛ ولهذا العلماء يقولون عن موسى أنه كليم الرحمن، موسى بن عمران هو كليم الرحمن، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، إذا أثبتنا الخلة لمحمد -عليه الصلاة والسلام- وأثبتنا الكلام لموسى -عليه السلام- ففي هذا رد على من أنكر ذلك، وأول من أنكر ذلك الجعد بن درهم حين قال مقالته الشنيعة فأنكر هذا وذاك، فضحى به خالد بن عبد الله القسري -رحمه الله- في عيد الأضحى، وقال في خطبته: ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ بالجعد بن درهم، فإنه يزعم أن الله تعالى لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا فقتله، بناًء على فتيا من التابعين على ذاك هذا أمر.

الأمر الثالث: أن الخلة كما مر بنا هي غاية المحبة وكمالها، فنقول: إن الخلة هي أعلى مراتب الحب ليست هي المحبة فقط بل هي أعلى مراتب الحب، وأهل السنة يثبتون ذلك يثبتون أن الله يوصف بصفة الحب، كما أيضًا يثبتون ذلك بالنسبة للعبد فالعبد يحب الله، والله تعالى يحب المؤمنين كما قال تعالى: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ [المائدة: 54]؛ ومن أسمائه -سبحانه وتعالى- الودود: قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴾ [البروج: 14]؛ والودود: إما أن يكون اسم فاعل أو اسم مفعول أو هما معًا فهو -سبحانه وتعالى- الودود أي أنه يود عباده ويحبهم وهو الودود، أي المودود أي أنه -سبحانه وتعالى- هو المحبوب الذي يحبه أهل الإيمان المعتزلة زعموا أن الخلة هي الفقر، فيرد عليهم نقول:

الأمر الأول: إن الخُلة هنا جاءت هكذا هي الخُلة بضم الخاء وليست الخَلة، نعم الخلة في لغة العرب هي الفقر، صاحب الخَلة هو الفقير المحتاج، فنقول هي الخُلة، وليست الخَلة، هذا الخطأ من جهة اللغة.

والأمر الثاني: نرد عليهم لو كانت الخلة هي الفقر فكل إنسان فقير محتاج إلى الله أليس كذلك؟ مرت بنا الآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ ﴾ [فاطر: 15]؛ فكل شخص مسلم وكافر بر وفاجر الكل فقير إلى ربوبية الله، فلو كانت الخلة هي الفقر لما تميز مسلم عن كافر فضلًا أن يتميز إبراهيم -عليه السلام- عن غيره من الأنبياء -عليهم السلام- هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين).

هذه جملة من أركان الإيمان أشار إليها المؤلف -رحمه الله- لكنا نوجز الحديث عنها؛ لأن الحديث عنها يطول هنا قال نؤمن بالملائكة، الملائكة: جمع ملك ومادة الملك أصلها من الألوكة والألوكة هي الرسالة، فالملك هو الرسول، وهذا معناه والألوكة هي الرسالة، فالواجب عليه أن نؤمن بالملائكة، نؤمن بوجودهم، نؤمن بأنهم خلقوا من نور، نؤمن بأن لهم أجنحة، خلقوا من نور كما في الحديث الذي أخرجه مسلم: قال -عليه الصلاة والسلام-: (خلقت الملائكة من نور)؛ ونؤمن بأن لهم أجنحة كما في قوله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ ﴾ [فاطر: 1]، والملائكة لهم أجنحة، وجبريل -عليه السلام- له ستمائة جناح كما ثبت في الحديث، أيضًا نؤمن بصفاتهم الخلقية كما قال تعالى في صفاتهم: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6].

﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾[الأنبياء : 21]. ونؤمن أيضًا بمن ذكر من أسمائهم كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك يعني خازن جهنم -أعاذنا الله منها- وملك الموت ومنكر ونكير ونحو ذلك، كما نؤمن بوظائفهم التي وكلت إليهم هناك ملائكة وكلوا بالرياح وملائكة وكلوا بقبض الأرواح وأخذها وهكذا، فيجب علينا أن نؤمن بهذا إيمانًا مطلقًا هذا ما يتعلق بقضية الملائكة -عليهم السلام-.

هنا قال بعدها والنبيين والكتب نبدأ بالكتب مراعاة لحديث جبريل أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه، فعلينا أن نؤمن بالكتب أن هذه الكتب المنزلة هذه كلها من عند الله، وأن الله تعالى تكلم بها، ويجب علينا أن نؤمن بها، نؤمن بالتوراة والإنجيل، لكن أيضًا علينا أن نوقن أن هذه الكتب التوراة والإنجيل والزبور كلها كتب اعتراها ما اعتراها من التحريف وأيضا هي كتب منسوخة لكن يجب علينا أن نؤمن بها، إيمانًا مجملًا أما الإيمان التفصيلي الذي يستلزم الإتباع فهذا يعني يختص بالقرآن الكريم.

يقول: متى ترك الإحاطة الذاتية أو معنوية أو ليقال ذلك مثلًا؟

نقول الإحاطة ذاتية أو معنوية نحن نقول أن نقتصر ما جاء به النص الله تعالى قال: ﴿ وَاللهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ ﴾ [البروج: 20]؛ فالإحاطة هنا إحاطة علم وهو محيط بكل شيء مثل ما نقول على المعية: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ [الحديد: 4]؛ وهو معنا بعلمه واطلاعه، فهذه الإحاطة إحاطة علم وهذا الذي أفهمه والله أعلم.

يعني أيضًا نشير إلى أن القرآن جاء ناسخًا للكتب السابقة وأيضًا من مزايا هذا القرآن أنه محفوظ قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]؛ هذه كلها أمور نتحدث عنها بإيجاز.

يبقى عندنا موضوع الأنبياء -عليهم السلام-؛ ما هو قال والنبيين علينا أيضًا أن نصدق تصديقًا جازمًا بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولًا: كما في قوله تعالى: ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]؛ وأن الرسل عليهم السلام كلهم يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وقد تختلف بعض شرائعهم كما قال تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [المائدة: 48]؛ وأن الله تعالى أيَّد الأنبياء بالآيات والبراهين الدالة على صدقهم.

يبقى معنا أن نشير إلى الإيمان بمحمد -عليه الصلاة والسلام- كما بين ذلك الشارح فيجب علينا أن نؤمن بمحمد -عليه الصلاة والسلام- وأن بعثته ناسخة ورسالته ناسخة للشرائع السابقة، ويجب على كل من في الأرض أن يتبعوا محمد -عليه الصلاة والسلام- ويؤمنوا به، والإيمان بمحمد -عليه الصلاة والسلام- يشمل تصديقه فيما أخبر، والالتزام بما أمره، واجتناب ما نهى عنه وزجره، وألا يعبد الله إلا بما شرع، كما يتضمن أيضًا الإيمان بمحمد -عليه الصلاة والسلام- محبته فيجب علينا نحن معشر المسلمين والمسلمات أن نحب الرسول -عليه الصلاة والسلام- محبته هي أعظم الفرائض من أعظم الفرائض، يجب على كل مسلم ومسلمة أن يحب الرسول -عليه الصلاة والسلام- ومن أبغض النبي -عليه الصلاة والسلام- فقد خرج عن الملة، فبغض النبي -عليه الصلاة والسلام- من أعظم أنواع الكفر وأنواع الردة التي تخرج من الملة، لكن هذه المحبة -أيها الأخوة الكرام ومن يشاهد هذه الحلقة- هذه المحبة توجب الإتباع، فالمحبة إذا استقرت محبة النبي -عليه الصلاة والسلام- في قلوبنا هذه المحبة تستوجب الإتباع، إتباع السنة، أما ما يقع الآن للأسف في بلاد المسلمين لاسيما في مثل هذه الأيام في يوم السبت مثلًا ما يسمى بالمولد النبوي فهذا هو عين المخالفة لسنة النبي -عليه الصلاة والسلام- نحن نؤكد ونحذر من الاحتفال بهذه الموالد، وقد يقول قائل أنت تحدث عنه بعد أن انتهى ومضى فنقل المولد الآن لا يتكرر كل سنة بل يتكرر أحيانًا كل أسبوع، نجد أن بعض المسلمين بل كثير من المسلمين يحتفلون بمولد النبي -عليه الصلاة والسلام- كل أسبوع، يعني لم يكفهم أن يحتفلوا به كل سنة، بل زاد الابتداع والإحداث إلى هذا الأمر، فنقول إلى هؤلاء ونخاطب هؤلاء ونخاطبكم أنتم يا معشر المتبعين من أجل أن تصل هذا الرسالة إلى أولئك من باب الرحمة بهم ومن باب الإشفاق عليهم نقول أن الاحتفال بمولد النبي -عليه الصلاة والسلام- هو أحداث وابتداع في دين الله ونبينا -عليه الصلاة والسلام- وهو الذي يجب علينا أن نحبه هو الذي قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).

فكيف نحدث هذا الأمر، النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يحتفل بمولده، والصحابة الكرام وهم أعلم وأكثر محبة للنبي -عليه الصلاة والسلام- لم يحتفلوا به، يأتي بعض المبتدعة وبعض الضالين من أمثال العبيديين ويحدثون هذا البدعة ثم يأتي جهلة أهل السنة أو من جهة المنتسبين إلى السنة ويحتفلون بها، هذه مصيبة، يعني هذا ابتداع وإحداث.

والأمر الثاني هذا مشابهة لأعداء الله مشابهة للنصارى الذين يحتفلون بميلاد المسيح، وعلينا أن نحذر من هذا وذاك، نحذر من الابتداع في دين الله ونحذر من التشبه بأعداء الله، فقد قال -عليه الصلاة والسلام-: (من تشبه بقوم فهو منهم)؛ وإذا كنا نريد أن نحب النبي -عليه الصلاة والسلام- محبة صادقة علينا أن نتبعه هذا هو المحك، هم حبذا أننا نحتفل بمولده ونقرأ السيرة في ليلة واحدة، أو نأكل أو نشرب ونزعم أو يزعم البعض أن روح النبي -عليه الصلاة والسلام- تحضر، هذا كله نوع من الدجل، وكل ذلك مخالف لسنة النبي -عليه الصلاة والسلام-.

يقول: بعض الناس يسأل عن معنى فضل العرش، وهل معناه الحجم؟ وأيضًا بعضهم يسأل عن نزول الله تعالى وهل ينزل مع العرش؟

يقول أن هذه الأسئلة تدور كثيرا لدى كثير من الناس فهل يجب أو هل يصح السؤال عنها أما الأفضل كتمانها؟

والله على كل الأسئلة التي سأل عنها الأخ وقال إنها مرت بنا قبل قليل الواجب علينا كما قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [الإسراء: 36]؛ علينا أن نقف حيث وقف النص، يعني عندنا النص أثبت الحديث أن الله تعالى ينزل ولم يثبت أن العرش ينزل فنقف حيث وقف الناس، أما قضية الحجم والحجم فأيضًا كذلك نحن جاء الحديث الذي حسنه بعض أهل العلم أن فضل العرش على الكرسي كفضل الصحراء أو الفلاة على الحلقة، أو هكذا معناه فعلينا أن نقف أما قضية البعض أنه يقول حجم وكذا ما عندي أنا جواب في هذا، لكن نحن نقف حيث وقف الناس، ما فيه جواب، جاء به الدليل، فنقف حيث وقف الناس، هذا الذي ينبغي أن نجيب عنه، ونشتغل بما ينفع، الأسئلة هذه التي ليس ورائها عمل، وليس ورائها تصديق بالنص، فعلينا أن نقف حيث وقف النص، وأن نصدق بالنص ونؤمن به كما جاء على لسان النبي -عليه الصلاة والسلام-.

يقول: يستدل بعض الصوفية بقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ ﴾ [الزخرف: 84]؛ أن الله تعالى في كل مكان؟ هذا السؤال الأول.

والسؤال الثاني: تسمية بعض الناس ملك الموت باسمه عزرائيل؟ هل ثبت ذلك في السنة؟

الذي أعرفه بالنسبة للسؤال الأول واضح الآية الكريمة كما قال أهل العلم وأيضًا كما قاله حتى بعض الصفاتية هذه الآية الكريمة مثل ما لو قلنا: إن فلان أمير في الرياض، وأمير في الخرج، وأمير في كذا، لا يعني أنه تعدد شخصه، أليس كذلك؟ أيضًا لما جاء في الآية الكريمة ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ ﴾؛ يعني أن الله تعالى هو إله الأرض وإله السماء.

أما ما جاء في قضية عزرائيل نعم هو جاء في أثار لكنها آثار إسرائيلية فالواجب علينا أن نقف كما جاء به النص الصحيح قال تعالى: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ ﴾ [السجدة: 11]؛ فنحن نسميه ملك الموت كما جاء في القرآن وكما جاء في حديث البراء بن عازب والله أعلم.

يقول: إن هناك من ينفي العلو ويقول: إن السماء هي قبلة الدعاء؟

نعم هذه شبهة قديمة يقول إن السماء قبلة الدعاء غير صحيح، لا الشخص عندما يدعو هو يدعو الله تعالى، مستقبل القبلة، أليس كذلك؟ فقضية أن السماء قبلة الدعاء هذا كلام لا دليل عليه، وعلى كلٍ تجد أن هؤلاء الذين ينفون العلو وينكرونه عندما تضطرب الأمور، وعندما يأتي الكرب تجد في الحال تجدهم يرفعون أيديهم إلى السماء؛ وفي قصة طريفة أختم بها أن أحد نفاة العلو الذين ينكرون العلو كان له حاجة عند ابن تيمية -رحمه الله- فكان شيخ الإسلام يتعمد أن يؤخر قضاء حاجته أكثر من مرة فجاءه في أحد المرات وطلب حاجته، أي طلب تلك الحاجة من ابن تيمية -رحمة الله عليه- فابن تيمية أيضًا أجله فما كان من هذا الرجل الذي ينكر العلو إلا أنه رفع يديه إلى السماء قال شيخ الإسلام ها أنت الآن تنكر العلو، وتقرر ما في العلو، لما احتجت رفعت يديك إلى السماء، هذا أمر ظاهر، لكن بعض الناس يصادم هذه الضرورة التي يجدها في نفسه والله أعلم.

هلا تفضلتم بطرح أسئلة هذه المحاضرة:

السؤال الأول: ما المقصود بالعرش؟ أو ما تعريف العرش؟

والسؤال الثاني: لم قال الطحاوي -رحمه الله- "وهو مستغنٍ عن العرش وما دونه" لم قال الطحاوي هذه العبارة؟

 

 

طباعة

1362  زائر

إرسال


الترك المطلوب : قال شريح : فو الله لا تجد فَقْد شيء تركته لوجه الله. طبقات ابن سعد 6/136
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 

الوهابية في مواجهة الغلاة
***

نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية
***

نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية
***

سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها
***

خدمة الواتس اب
***

صفة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ونفعها للعصاة
***