التاريخ : 2/1/1428 هـ

بحوث ودراســات

د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

ملحوظات على كتاب الحكم بغير ما أنزل للعنبري

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشراف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد..
فهذه مآخذ على  كتاب (الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير ( لمؤلفه خالد بن علي العنبري، فالكتاب -كما هو ظاهر عنوانه- يتحدث عن مسائل خطيرة وقضايا كبيرة، وبعد الاطلاع والقراءة لذلك الكتاب وجدت أن المؤلف -هداه الله- قد وقع في زلات وعثرات، وتلبس كتابه بجمل كثيرة من المآخذ والشطحات، فأحببت أن أشير إلى هذه المآخذ إيضاحاً للحق، ورحمة بالخلق، والله تعالى أسأل أن يهدينا وسائر إخواننا المسلمين لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وهانحن نورد هذه المآخذ على النسق التالي:
1- من أظهر المآخذ على الكتاب المذكور: تناقضه واضطرابه عند إيراده لأقوال العلماء فتراه يقرر مسألة محتجاً بكلام عالم من العلماء مع أن في نفس كلام هذا العالم ما ينقض دعوى العنبري ويبطل مراده.
أ- فالمذكور يدعي أن كفر العناد (ليس هو مجرد الامتناع عن العمل مع الإقرار به بل لا بد فيه بالإضافة إلى ذلك من البغض للحق والنفرة منه والاستكبار عليه ) (ص/9) ،  ثم يورد كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير دعواه، مع أن شيخ الإسلام قال -وكما نقله العنبري (ص/13)-: (إنما الكفر يكون بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم) (الدرء 1/242).
فشيخ الإسلام يقرر أن مجرد الامتناع عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم يعد كفراً مخرجاً عن الملة، فما بال الكاتب يحتج بكلام ينقض دعواه؟!
فالامتناع عن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم كفر أكبر، كما قال تعالى: ((قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ )) ( آل عمران : 32) . 
 يقول ابن كثير: (دلت الآية على أن مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويتقرب إليه حتى يتابع الرسول النبي صلى الله عليه وسلم الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين) (تفسير ابن كثير 1/338).
 وقال محمد بن نصر المروزي -رحمه الله-: (لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بعقد، ومثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان لا يصح الكلام إلا بهما، لأن الشفتين تجمع الحروف واللسان يظهر الكلام، وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام، وكذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان) (الفتاوى 7/334).
 وساق الخلال بسنده إلى الحميدي حيث قال: وأخبرت أن قوماً يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت أو يصلي مسند ظهره، مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن، ما لم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه، إذ كان يقر الفروض واستقبال القبلة، فقلت هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفعل المسلمين. (السنة للخلال 3/586،587 ) .
ب- ومثال ثان من تناقض المذكور: أنه قيد كفر الإعراض بشروط من عنده فقال: (ومنهم من يعرض عنه لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يصغي له، ولا يسمعه عمداً أو استهتاراً واستكباراً) (ص/11)، فأحدث المذكور واشترط لهذا الكفر: الاستهتار والاستكبار مع أن كلام ابن القيم الذي احتج به لمذهبه، إنما هو حجة عليه ونقض لدعواه، فإن ابن القيم قال -وكما نقله العنبري-: (( وأما كفر الإعراض، فأن يُعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يصدقه ولا يكذبه ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به ألبتة ))  (مدارج السالكين 1/338)، فإن ابن القيم جعل مجرد الإعراض عن دين الله تعالى كفراً دون شروط اشترطها العنبري! بل إن نصوص القرآن الكريم صريحة في تعليق حكم الكفر على مجرد الإعراض، كما قال تعالى: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً)) (النساء:61) 
يقول شيخ الإسلام: (فبين سبحانه وتعالى أن من تولى عن طاعة الرسول، وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمن وأن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا، فالنفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره) (الصارم المسلول 33 ) .
يقول ابن القيم: (فجعل الإعراض عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والالتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق، كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن الصدور بحكمه..) (مختصر الصواعق المرسلة 2/353).
 كما أن ابن القيم قال في (الفوائد): (إن المدعو إلى الإيمان إذا قال لا أصدق ولا أكذب، ولا أحب ولا أبغض ولا أعبده ولا أعبد غيره كان كافراً بمجرد الترك والإعراض) (ص/114) . 
وقال سبحانه: ((وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ )) ( النور : 47-48) . } 
قال شيخ الإسلام: (فنفي الإيمان عمن تولى عن العمل وإن كان قد أتى بالقول..) (مجموع الفتاوى 7/142)
كما ذكر الشيخ الإمام محمد بن عبدا لوهاب رحمه الله الإعراض عن دين الله تعالى ضمن نواقض الإسلام مستدلاً بقوله تعالى: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ )) (السجدة : 22) .  
ج- وتناقض الكاتب مرة ثالثة عندما أطلق هذه المقالة: (أن المسلم لا يكفر بقول أو فعل أو اعتقاد إلا بعد أن تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة) (ص/18).
فمقالته السالفة تناقض ما أورده من كلام لابن قدامة رحمه الله حيث يقول أثناء كلامه عن تارك الصلاة: (فإن كان جاحداً لوجوبها -أي الصلاة- نظر فيه، فإن كان جاهلاً به، وهو من يجهل ذلك كالحديث الإسلام، والناشئ ببادية عرِّف وجوبها وعلم ذلك، ولم يحكم بكفره لأنه معذور، فإن لم يكن ممن يجهل ذلك كالناشئ من المسلمين في الأمصار والقرى، لم يعذر ولم يقبل منه ادعاء الجهل، وحكم بكفره لأن أدلة الوجوب ظاهرة) (المغني 6/44(.
فليس الجهل عذراً مقبولاً لكل من ادعاه، كما أن إقامة الحجة ليس في كل مسألة مطلقاً، فهناك أمور لا يتوقف في كفر قائلها، ولذا يقول الشيخ محمد بن عبدا لوهاب: (ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة إذا قال قولاً يكون القول به كفراً، فيقال من قال بهذا القول فهو كافر، لكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس.. وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله) (الدرر السنية 8/244) .
 وانظر فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (1/74)، وفتاوى اللجنة الدائمة في السعودية (1/528) 
د- وهاك أخي القارئ تناقضاً رابعاً للكاتب عندما قصر الاستحلال على التكذيب فقط (انظر ص/119 من الكتاب المذكور)، واحتج لدعواه بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول: (أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعوهم على التبديل، فيعتقدوا تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركاً) (مجموع الفتاوى 7/70).
 فظاهر كلام شيخ الإسلام أن هؤلاء ليسوا مكذبين حيث يعلمون أنهم خالفوا دين الرسل.. فليس الاستحلال محصوراً في التكذيب فقط كما توهمه العنبري، فإن هذا الاستحلال يعد في حد ذاته كفراً، وإن لم يكن هناك متابعة أو طاعة لأولئك الأرباب، ومناط الكفر في الآية : ((اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ )) (التوبة:31) .
 هو القبول والمتابعة في هذا التبديل، ويدل على ذلك حديث البراء بن عازب رضي الله عنه حيث قال: (مر بي عمي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له رسول الله صلة الله عليه وسلم فسألته، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب عنق رجل تزوج امرأة أبيه)1

[1] أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وحسنه ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود وصححه الألباني في إرواء الغليل

    
  ويوضح ابن جرير معنى هذا الحديث بقوله: (فكان فعله -أي الذي تزوج امرأة أبيه- ذلك من أدل الدليل على تكذيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أتاه به عن الله تعالى، وجحوده آية محكمة في تنزيله، فكان بذلك من فعله حكم القتل وضرب العنق، فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله وضرب عنقه، لأن ذلك كان سنته في المرتد عن الإسلام) (تهذيب الآثار 2/148)، فصرح ابن جرير رحمه الله تعالى أن فعل هذا الرجل استحلال لما حرم الله، وتكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعلم أن الاستحلال ليس محصوراً باللسان فقط، فإن فعل ذلك الرجل استحلال أوجب كفره وقتله، وكذا الجحود ليس محصوراً على تكذيب ما فرض الله تعالى، بل يتناول الجحود -أيضاً- الامتناع عن الإقرار والالتزام كما بين ذلك شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (7/530، 20/98) وانظر رسالة ظاهرة الإرجاء للحوالي (158-162 )
2-  ادعى العنبري أن الكفر العملي لا يخرج من الملة إلا إذا دلَّ على الجحود والتكذيب، أو الاستخفاف والاستهانة والعناد وعدم الانقياد كالسجود للأصنام والاستهانة بالمصاحف كما في (ص/61) من كتابه، والجواب عن ذلك:
أ- أن هذه الأعمال المذكورة -السجود للأصنام والاستهانة بالمصاحف- كفر في حد ذاتها وأما تعليقها بما اشترطه العنبري فلا دليل على ذلك، فالسجود للأصنام شرك يناقض توحيد العبادة، وقد أجمع العلماء على أن من صرف عبادة لغير الله تعالى فهو كافر، دون تقييدات العنبري، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : (فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسل نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحداً من الأموات، ولا الأنبياء، والصالحين.. كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا لغير ميت ونحو ذلك، بل نهى عن كل هذه الأمور، وإن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله) (الرد على البكري ص/376).
وجاء في الفتاوى البزازية: (والسجود لهؤلاء الجبابرة كفر..) (6/343).  ولما أورد الرملــي -من فقهاء الشافعية- أنواع الردة.. كان مما قاله: (السجود لصنم أو شمس أو مخلوق آخر، لأنه أثبت لله شريكاً) (نهاية المحتاج 7/417 ) .
وقال القاضي عياض: (وكذلك نكفِّر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر.. كالسجود للصنم وللشمس والقمر والصليب والنار )(الشفا 2/1072 )
وبالنظر إلى أقوال هؤلاء العلماء -من المذاهب الأربعة- يظهر أن السجود للصنم كفر دون تقييدات الكاتب وتكلفاته، وكذا الاستهانة بالمصحف كفر في حد ذاته كما هو مبسوط في كتب الاعتقاد، وكتب الفقه في باب حكم المرتد، ومن ذلك ما ذكره الدردير -من علماء المالكية- في موجبات الردة حيث قال: (إلقاء مصحف أو بعضه.. ومثل إلقائه تركه بمكان قذر أو تلطيخه به..) (الشرح الصغير 6/145)، وعدَّ البهوتي من نواقض الإسلام ما يأتي: (أو وجد منه امتهان القرآن.. أو إسقاط حرمته) (كشاف القناع 6/137).
ب- مقالة العنبري بأن الكفر العملي لا يخرج من الملة إلا إذا دل على الجحود.. تشبه مقالة غلاة المرجئة من أصحاب أبي معاذ التومني القائل: (من قتل نبياً أو لطمه كفر، وليس من أجل اللطمة كفر، ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له) (انظر مجموع الفتاوى 7/547) فما الفرق بين مقالة التومني المرجئ وبين مقالة العنبري؟‍‍‍
ج- أن العنبري نقل تقسيم ابن القيم -رحمه الله- كفر العمل إلى قسمين، فقسم يضاد الإيمان، وآخر لا يضاده، فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه يضاد الإيمـــان -انظر الكتاب المذكور (ص/50)، وكتاب الصلاة لابن القيم (ص/55) .
فالإمام ابن القيم رحمه الله جعل السجود للصنم والاستهانة بالمصحف كفراً عملياً مخرجاً من الملة دون شروط العنبري.. أفلا وسع العنبري أن يلزم فهم ابن القيم دون هذه التجاوزات؟
د- أساء العنبري في نقله لكلام ابن القيم، فحذف كلاماً طويلاً ومهماً في بيان الكفر العملي دون أي إشارة تفيد الحذف أو التصرف ‍فأين التجرد والأمانة في النقل؟ وسنورد كلام ابن القيم في الكفر الذي قد يخرج من الملة دون ما اشترطه العنبري: (وقد سمي الله سبحانه وتعالى من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمناً بما عمل به، وكافر بما ترك العمل به، فقال تعالى: ((وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )) ( البقرة : 84-85) . 
 فأخبر سبحانه أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به، والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم به أنهم لا يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، ثم أخبر أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقاً، وأخرجوهم من ديارهم فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب، ثم أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب، فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوا منه) (كتاب الصلاة ص/55-56 تحقيق زعيتر ) .
3- تجاهل العنبري الفرق بين من فعل المعصية مشتهياً -كحال عصاة الموحدين- وبين من فعلها إباءً وتكبراً، فأراد أن يجعل حالهما واحداً، وجعل القسمة ثنائية -على حد دعواه- فإما أن يفعل المعصية مستحلاً لها فهذا هو الكافر، وإما أن يفعلها غير مستحل لها فهذا العاصي، إضافة إلى ما سبق التنبيه عليه من حصره الاستحلال في التكذيب باللسان، ومما يدل على تجاهله، وقلة فهمه أنه نقل كلام شيخ الإسلام دون أن يلتزم به، حيث فرق شيخ الإسلام بين من فعل المعصية مستحلاً فهذا كافر لوقوعه فيما يضاد قول القلب (التصديق)، وبين من فعل المعصية إباءاً واستكباراً وإن اعتقد حرمتها فهذا كافر لانتفاء عمل القلب (الانقياد والخضوع)، وبين من فعل المعصية مشتهياً فهذا من عصاة الموحدين، وإليك كلام شيخ الإسلام في توضيح ذلك: (إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه، واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه فهذا ليس بكافر، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرِّمه أو أنه حرَّمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند، ولهذا قالوا من عصى مستكبراً كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهياً لم يكفر عند أهل الإسلام والجماعة وإنما يكفره الخوارج فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقاً بأن الله ربه، فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق.
وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها بغير فعل، والاستحلال اعتقاد أنها حلال له، وذلك يكون تارة باعتقاد أن الله أحلها، وتارة باعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية أو لخلل في الإيمان بالرسالة، ويكون جحداً محضاً غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفراً ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه بأن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمرداً واتباعاً لغرض النفس، وحقيقته كفر، هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه وأُبغض هذا الحق وأنفر عنه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالإضطرار من دين الإسلام.. وبهذا يظهر الفرق بينه وبين العاصي فإنه يعتقد وجوب ذلك الفعل عليه ويجب أن لا يفعله، لكن الشهوة والنفرة منعته من الموافقة، فقد أتى من الإيمان بالتصديق والخضوع والانقياد، وذلك قول وعمل لكن لم يكمل العمل) (الصارم المسلول3/971،972)   . 
بل إن هذه المسألة مقررة وثابتة بالإجماع كما حكاه إسحاق بن راهويه رحمه الله حيث يقول: (قد أجمع العلماء أن من سب الله عز وجل، أو سب رسوله، أو دفع شيئاً أنزله الله، أو قتل نبياً من أنبياء الله، وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر) (التمهيد 4/226 ) .
4- خلط العنبري بين التكفير المطلق وتكفير المعين -كما في (ص/105-122)-، فلم يفرق بينهما، مع أن أهل السنة يفرقون بين تكفير المطلق وتكفير المعين، ففي الأول يطلق القول بتكفير صاحبه -الذي تلبس بالكفر- فيقال: من قال كذا، أو فعل كذا فهو كافر، ولكن الشخص المعين الذي قاله أو فعله لا يحكم بكفره مطلقاً حتى تجتمع فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع، وإزاء هذا الخلط العجيب من العنبري وقع في تأويل متكلف حيث زعم أن قوله تعالى: ((فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً)) ( النساء : 65)  .
 أن المراد به بقوله سبحانه ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ) أي لا يستكملون الإيمان!! وهذه عاقبة خلطه بين التكفير المطلق وتكفير المعين، فإن الآية نفت الإيمان حتى يحكّم الرسول صلى الله عليه وسلم كما وضح ذلك ابن تيمية في الصارم ( 2/80، 3/ 984) ، ومجموع الفتاوى (28/471)، وابن كثير في تفسيره (3/211) ، وابن القيم في التبيان في أقسام القرآن (270)، وفتح القدير للشوكاني  (1/484) .
 وليس هذا كلام سيد قطب وحده كما ادعاه العنبري! وأما الأنصاري الذي اعترض على حكم النبي صلى الله عليه وسلم فهذا شخص معين لم يحكم عليه بالردة إما لتخلف شرط أو وجود مانع والله أعلم (انظر الصارم المسلول 3/986) .
وخطأ آخر وقع فيه العنبري بسبب عدم تفريقه بين تكفير المطلق وتكفير المعين، عندما استعظم العنبري أمراً عادياً وتعجب من غير عجب، حيث أورد العنبري ما نقله الأستاذ محمد شاكر الشريف في كتابه (إن الله هو الحكم) من كلام شيخ الإسلام في المنهاج (5/130)، حيث حذف الشريف عبارة (وإلا كانوا جهالاً) وكأن العنبري قد عثر على صيد ثمين! مع أن الخطب في ذلك يسير، فإن ما حذفه الشريف لا يخل بكلام شيخ الإسلام، إنما هو إشارة إلى أن الجهل عارض من عوارض الأهلية يجب اعتباره والأخذ به، وقد سبق الشريف علماء أجلاء لم يذكروا هذه العبارة كالشيخ حمد بن عتيق في رسالة النجاة والفكاك (ضمن مجموعة التوحيد 413) والشيخ سليمان بن سحمان في الدرر السنية (10/504) .
  فلم هذا التهويل دون مبرر علمي؟ والمصيبة أن هذه الزيادة تنقض دعواه، وتعكر مشتهاه، حيث قال شيخ الإسلام: (فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزماً لحكم الله ورسوله باطناً وظاهراً، لكن عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة) (المنهاج 5/131)
 5-  وقع العنبري في الكثير مما اتهم به الآخرون وتلبس بجملة مآخذ ألصقها بمخالفيه، فكان ممن يقولون ما لا يفعلون، ويأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.. ومن ذلك ما يلي:
أ- قال العنبري: (لا يجوز لأحد كائناً من كان أن يقيد ما أطلق الشرع الشريف إلا بدليل وبينة من كتاب أو سنة) (ص/125)، ولا شك أن العنبري يندرج ضمن هذه الكائنات، ويدخل دخولاً أولياً كما في إطلاقه لهذا الكلام السالف فما باله قيد -وبلا دليل- ما أطلقه الشارع في الكفر العملي وكفر الإعراض -كما سبق إيراده-؟.
ب- اتهم العنبري مخالفيه بالحذف لكلام أهل العلم، وبتر النصوص.. مع أنه حذف كلام ابن القيم في مسألة الكفر العملي -كما مر بنا- وحذف بعض كلام شيخ الإسلام في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله -كما سبق ذكره آنفاً- بل حذف كلاماً مهماً لإسماعيل الأسعردي في مسألة التحاكم إلى غير شرع الله تعالى (قارن ما نقله في ص/70 بما جاء في رسالة الأسعردي ضمن الرسائل المنيرية 1/173).
ج- كما تصرف العنبري ببعض ما كتبه عبدالعزيز آل عبداللطيف في كتابه (حكم الله وما ينافيه)، وحذف بعضه فأين الأمانة والعدل ؟.
حيث قال العنبري: (وإذا قيل عدم تحكيم الشريعة من غير ما جحود واستحلال -كفر إباء وردّ وامتناع- وإن كان مصدقاً بها! كما يقول أحدهم) (ص/94).
وبالرجوع إلى الكتاب المذكور -حكم الله وما ينافيه- نجد أن العبارة على النحو التالي: (ولا شك أن تحكيم الشريعة انقياد وخضوع لدين الله تعالى، وإذا كان كذلك، فإن عدم تحكيم هذه الشريعة كفر إباء ورد وامتناع، وإن كان مصدقاً بها، فالكفر لا يختص بالتكذيب فحسب كما زعمت المرجئة) (ص/29).
د- اتهم العنبري الآخرين بتحريف الكلم، ولي أقوال أهل العلم.. مع أنه وقع في شر منه حيث حرَّف معنى قوله تعالى: ((فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ  )) ( الآية )  إلى نفي كمال الإيمان! -كما سبق إيراده- وادعى أن معنى قول امرأة ثابت بن قيس (ولكني أكره الكفر في الإسلام) أن المراد كفران العشير، وأراد العنبري بهذا التأويل أن يبطل ما حرره ابن تيمية في الاقتضاء من التفريق بين الكفر المعرَّف باللام، وبين كفر منكر في الإثبات! مع أن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قال في معنى تلك العبارة: (كأنها أشارت إلى أنها قد تحملها شدة كراهتها له على إظهار الكفر لينفسخ نكاحها منه، وهي كانت تعرف أن ذلك حرام، لكن خشيت أن تحملها شدة البغض على الوقوع فيه) (9/400).
فلا يمكن أن نبطل قاعدة قررها شيخ الإسلام من خلال استقراء أدلة كثيرة، ونتشبث بتأول أعجب العنبري! مع أن ما أوردناه عن الحافظ ابن حجر قد يكون هو الأليق والأنسب لسياق العبارة المذكورة، فالكفر على ظاهره لاقترانه بالإسلام، وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة (2/11) ((أن الظلم إذا أطلق يراد به الشرك الأكبر))، فإذا كان هذا في الظلم فما بالك بالكفر إذا جاء مطلقاً ومعرفاً كما في قوله تعالى: (( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )) ( المائدة : 44) !. 
 ولما حكي ابن كثير الإجماع على كفر من ترك شرع الله وتحاكم إلى غيره من الشرائع، ادعى العنبري أن هذا إجماع خاص بالتتار!! (انظر ص/137)!.
إضافة إلى تكلفه في فهم كلام ابن أبي العز الحنفي ومحمود شاكر (انظر ص/128-130).
 6-  لم يقف العنبري عند حد التصرف في كلام أهل العلم وليه.. بل تجاوزه إلى التقول عليهم فنسب إليهم ما لم يقولوه، وهاك مثالاً ظاهراً على هذا التقول: قال العنبري : (( وقد حدثني فضيلة الشيخ عبدا لله بن عبدا لرحمن الجبرين -حفظه الله- وهو أحد كبار تلامذته - أن له كلاماً آخر يذهب فيه إلى التفصيل الذي حكيناه عن السلف) (ص/131).
وقد سئل الشيخ عبدا لله بن حبرين عن دعوى العنبري، فلم يوافق العنبري فيما توهمه! وهذا واضح جلي من خلال نص السؤال والفتوى المرفقة بهذا الموضوع.


وإذا كان العنبري في كتابه المذكور تقول على الشيخ ابن جبرين ما لم يقله كما هو ظاهر فتوى الشيخ المنقولة.. فإن العنبري قد زاد تقولاً وتخرصاً عندما كتب مقالة في مجلة الأصالة (العدد السادس ص15) ونسب إلى الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم رحمه الله ما لم يقله.
يقول العنبري في مقالته  - التي عزاها إلى الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله –: (أما إذا حكم بغير ما أنزل الله غير جاحد أو مستحل وحمله على ذلك الهوى والشهوة والجهل فهو ظالم فاسق مرتكب لمعصية أكبر من الكبائر كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، واليمين الغموس وغيرها، فإن معصية سماها الله في كتابه كفراً أعظم من معصية لم يسمها كفراً ) .
وأما النقل الصحيح لكلام الشيخ محمد بن إبراهيم دون تحريف العنبري وتبديله : ( وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله وهو الذي لا يخرج عن الملة فقد تقدم أن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقول الله عز وجل:  (( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )) ( المائدة : 44) قد شمل ذلك القسم وذلك في قوله رضي الله عنه في الآية (كفر دون كفر) وقوله أيضاً: (ليس بالكفر الذي تذهبون).. وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده حكم الله ورسوله هو الحق واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى، وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر كالزنى، وشرب الخمر، والسرقة واليمين الغموس وغيرها، فإن معصية سماها الله في كتابه كفراً أعظم من معصية لم يسمها كفراً) أ.هـ (من رسالة تحكيم القوانين ص/7 )، وانظر فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (12/291 ) .
بل ماذا يفعل العنبري وأضرابه بكلام الشيخ محمد بن إبراهيم حيث يقول: (وأما الذي قيل فيه كفر دون كفر إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرّة ونحوها، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر، وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل) أ.هـ (من فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (12/280) ؟ . 
 7- نلحظ من خلال قراءة كتاب العنبري أن المذكور كما لو كان هو الوصي على عقيدة السلف وصاحب (المرجعية) لأهل السنة! وأن ما يقرره من قناعات وآراء هو الحق الذي لا ريب فيه، فما أكثر عبارته في (القطع) و(الجزم) بما يفهمه ويعجبه! ومثال ذلك أنه لما ساق كلام العلماء في مسألة التحاكم إلى غير شرع الله وأنه لا يكفر إلا إذا عاند أو جحد معلوماً من الدين بالضرورة، فماذا بعد الحق إلا الضلال (ص/74) ثم كررها في موضع آخر (ص/80) وانظر (ص/97).
ومن قواطع العنبري: (ليس بين السلف والخلف من خلاف في تفسيرها - يعني قوله تعالى:   (( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )) ( المائدة : 44)   (ص/100)، وجزم في موضع ثالث قائلاً: (فضلاً عن أني لم أجد من المفسرين من تجاسر على القول بهذا الحكم العام الذي وصل إليه سيّد - عفا الله عنه!) (ص/104).
ومقصود العنبري أنه لم يقل أحد بظاهر الآية وانتفاء الإيمان بأصله !! وقد سبق أن أشرنا إلى ما حرره شيخ الإسلام ابن القيم وابن كثير في معنى الآية وأنه على ظاهرها، فما أعجب جرأة العنبري وتجاسره.
ومن أشنع تجاسر العنبري وقطعه دعواه أن قوله تعالى: ((فلا وربك لا يؤمنون ))  مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )) ثم قال: (لا فرق ألبتة بين هذه النصوص فالمراد منها جميعاً نفي كمال الإيمان..) (ص/106) .
فانظر أخي القارئ إلى ما فعله العنبري.. حيث سوى بين المختلفات بجزم وقطع دون دليل، ويسلك العنبري مسلكاً آخر في الوصاية على مذهب السلف، عندما شرح قول شيخ الإسلام: (وأما من كان ملتزماً لحكم الله ورسوله باطناً وظاهراً، لكن عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة) فقال الشارح العنبري -أو الوصي-: (المقصود بالالتزام الإذعان لأحكام الله ورسوله وعدم ردها وإن لم يعمل به كما سيتضح في كلام الشيخ السعدي الآتي) ثم ساق كلام السعدي فجمع المذكور بين جملة إساءات، حيث زعم أن مقصود شيخ الإسلام بأن تارك جنس العمل ليس كافراً.. ثم أساء مرة أخرى عندما نسب ذلك التوضيح إلى السعدي، مع أن الشيخ السعدي لم يقل ما توهمه العنبري، فيا للعجب من جرأة هذا الشخص وسوء فهمه!
   8- من أهم الملحوظات على العنبري وكتابه دفاعه عن حكام هذا الزمان والتكلف المقيت من أجلهم، وتبرير طغيانهم وفجورهم.
ونذكر العنبري وأشباهه بقوله تعالى: ((هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ))    ومن مجادلات العنبري عن طواغيت هذا العصر قوله: فحرام على أهل الورع والدين أن يكفروا حاكماً بغير ما أنزل رب العالمين مجانبين هذه الحقائق العلمية.. (ص/62)، ثم ذكر حال النجاشي رضي الله عنه وأنه لم يمكن أن يحكم بين أهل بلده بحكم القرآن.. وكأن العنبري أراد بذلك المثال -ومن خلال سياق كلامه- أن يبرر حكم الطواغيت وأنهم عاجزون عن تحكيم شرع الله في بلاد المسلمين، وأن حالهم كحال النجاشي!!
ثم يدعي العنبري أن الحاكم بغير الشريعة لا يجرؤ على أن يشرع في الدين ما لم يأذن به الله! بخلاف المبتدع فهو أشد ظلماً وأكثر جرماً من الحاكم بالقوانين الوضعية.. (انظر ص/95).
فلا أدري أعمي العنبري -أو تعامى- عن نظام بلاده مثلاً عندما جوز أوكار الربا والخنا والخمر ونحوها من المحرمات القطعية، وفرض تلك المحرمات الظاهرة، وقام على رعايتها وحمايتها؟ أنسي العنبري -أو تناسى- أن أولئك الحكام هم حماة الأضرحة والمزارات وسائر البدع الكفرية، وهم الذين سوغوا الأحزاب الكفرية وأضفوا عليها الصبغة القانونية المعتبرة ؟؟.
ورحم الله رقبة بن مصقلة عندما قال: (وأما المرجئة فعلى دين الملوك) أخرجه ابن بطة في الإبانة الصغرى (ص/163).
9-  مع هذه الرحمة والإشفاق على طواغيت هذا الزمان، كان العنبري غليظاً على مخالفيه من دعاة أهل السنة وعلمائهم، فنعوذ بالله من مسلك الخوارج الذين يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، فوصف العنبري مخالفيه بأنهم أغمار، ليس عندهم شجاعة ولا جراءة! (انظر ص/35)، وحكم العنبري على ما حرره الشريف -في كتابه- إن الله هو الحكم في مسألة (كفر دون كفر) بأنه من (الكذب الواضح) أو (التضليل المقصود أو الجهل الفاضح المزري) (ص/126)، كما اتهم العنبري مخالفيه بأنهم سلكوا سبيل الخوارج الحرورية، مع أن ما حرره هؤلاء الأفاضل هو مذهب السلف الصالح، فليسوا خوارج كما وصمهم العنبري، وليسوا أغماراً جبناء، فإن الجبن ألصق بالمرجئة من غيرهم، فالدكتور صلاح الصاوي صاحب مؤلفات تأصيلية متميزة، وله جهود مشكورة في الذب عن عقيدة السلف الصالح، وكذا الأستاذ محمد شاكر الشريف له مشاركاته المتميزة في نصرة مذهب أهل السنة، وأما ما كتبه عبدا لعزيز آل عبدا للطيف في (نواقض الإيمان القولية والعملية )  فهي رسالة علمية ، قد ناقشها وأجازها علماء أجلاء :  الشيخ عبدا لرحمن البراك ، والشيخ صالح اللحيدان ،  وكذا رسالة ضوابط التكفير للشيخ عبدا لله القرني، فإنها رسالة متينة قد ناقشها وقرظها د. سفر الحوالي.
  10-  ابتلى صاحبنا -العنبري- بمدح نفسه والثناء على جهده، حيث قال عن كتابه: (ولا أحسب أن في الكتب المعاصرة من نسج على منواله في التجرد والموضوعية، والوقوف مع النصوص القرآنية والحديثية بفهم سلف الأمة..) (ص/6).
وأثنى على نفسه معرِّضاً فقال: (ذلك أن مسائل التكفير من أعظم مسائل الدين وأكثرها دقة لا يتمكن منها إلا الأكابر من أهل العلم الواسع، والفهم الثاقب) (ص/15).
ثم ذكر هذه المسائل ! ووصف كتابه بأنه (الكتاب الماتع المتين) (ص/84). ويصل اعتداد العنبري بنفسه إلى أن يقول: (إنه -أي ابن كثير- يذهب إلى ما نذهب إليه) (ص 137) .  فابن كثير ذهب إلى رأي العنبري !.
 كما أن مقالته -المنشورة في مجلة الأصالة- العدد السادس وفي 5 صفحات وكانت تحت عنوان (فصل الخطاب فيمن لم يحكم بالسنة والكتاب) . 
هذا ما تيسر تسطيره من ملحوظات على الكتاب المذكور،  ولعل المؤلف -هداه الله تعالى- ومن سلك مسلكه أن تنشرح صدورهم إلى قبول هذه الملاحظات، وأسأل الله تعالى أن يوفق الجميع للباقيات الصالحات والله الموفق

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

1  -  الاسم : محمد إسماعيل عبد العزيز لا     من : حفظك الله يا شيخنا      تاريخ المشاركة : 12/4/1429 هـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
اسأل الله عز وجل أن يحفظ شيخنا عبد العزيز آل عبد اللطيف وأن يرعاه ويبارك لنا في علمه ويمتعنا به .
2  -  الاسم : أبوعبدالله الطحلاوي لا     من : مصر m_yousof71@yahoo.com      تاريخ المشاركة : 27/4/1429 هـ
حفظكم الله يا شيوخنا ورعاكم وحشرني وإياكم مع النبين والصيديقين والشهداء والصالحين
3  -  الاسم : ابو خديجة لا     من : الحق ابلج      تاريخ المشاركة : 19/9/1429 هـ
بارك اللةفى الشيخ , ومتعنا بة , اسأل اللة ان ينتفع الشباب بهذة الرسالة
4  -  الاسم : محمد لا     من : mh7878@gmail.com      تاريخ المشاركة : 4/11/1429 هـ
جزاك الله خيرا يا شيخنا الكريم الفاضل على هذا البيان والنقد البناء ، ونشهد الله أننا نحبك فيه ، ونسأله سبحانه أن يجمعنا في جنات النعيم ، وأن يجزي خير الجزاء كل مشايخنا الكرام الأفاضل الذين استقينا منهم العلم الشرعي في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود عليه رحمة الله . 
فضيلة الشيخ / بعض أهل العلم طعن في الأديب سيد قطب واتهمه بأنه من أهل الضلال والبدع ودعاة الزيع والقول بخلق القرآن والاستهزاء ببعض الأنبياء عليهم صلوات الله جميعا وغير ذلك من الأمور العظام وذلك في كتابه "في ظلال القرآن" .  
فهل ما ذكر صحيحا أم أن في المسألة إيضاح وبيان . 
أمل من فضيلتكم التوضيح حيث أنني قد التبس الأمر لدي . سائلا الله سبحانه أن يوفقكم ويسدد خطاكم ويغفر لنا ولكم ولجميع المسلمين .
5  -  الاسم : ابو عزام التميمي لا     من : حفظك الله يا شيخنا الفاضل      تاريخ المشاركة : 15/12/1429 هـ
اسأل الله بأن يبارك في علمك وعملك وأن يمد عمرك في طاعته وأن يجعل من لسانك وقلمك منبر دفاع للإسلام والمسلمين
6  -  الاسم : أبوعبدالله الطحلاوي لا     من : مصر      تاريخ المشاركة : 25/2/1430 هـ
العجب أن جماعة أنصار السنة في مصر متمسكون بكتاب خالد العنبري بشدة وينافحون عنه ويشرحونه في كثير من مساجدهم ويتهمون كل من خالف الكتاب بأنهم من الخوارج هداهم الله
7  -  الاسم : عبدالله لا     من :      تاريخ المشاركة : 5/3/1430 هـ
جزاك اللة خير ياشيخنا 
8  -  الاسم : أبو أسامة لا     من :      تاريخ المشاركة : 30/5/1430 هـ
كتب الله أجرك و نفع بعلمك القاصي والداني فضيلة شيخنا د. عبدالعزيز العبداللطيف. 
 
و إنا ندعوا الله سبحانه أن يحفظ جنابكم من كل شر ومكروه وأن يعلي بكم كلمته وشريعته. 
واما المرجئة فهم اليوم أشد حنقاً على منكري القوانين الوضعية من حنقهم على اليهود والنصارى.
9  -  الاسم : كتابة تعليق لا     من : رقبة بن مصقلة      تاريخ المشاركة : 21/6/1430 هـ
من أهم الملحوظات على العنبري وكتابه دفاعه عن حكام هذا الزمان والتكلف المقيت من أجلهم، وتبرير طغيانهم وفجورهم.  
10  -  الاسم : مسلمة غيورة لا     من : الللهم أحفظهم ...      تاريخ المشاركة : 13/7/1430 هـ
جزاء الله علمائنا كل خير وحفظهم من كل سوء....
11  -  الاسم : محمد لا     من : agazwad2009@hotmail.com      تاريخ المشاركة : 16/12/1430 هـ
إن تعجب فعجب لمن يثقون بكلام العلماء ويدافعون عنه إذاكانت سهامه تجاه من ينقمون عليه 
أما إذا كان تجاه العنبري او الحلبي أو سليم أوغيرهم فإنهم يتبنونه ويدافعون عنه 
بكل تكلف وتعسف وتأويل 
لايمكن أن يطابق بوجه ما مدلول ولا منصوص كلام من يحميه  
ويدافع عنه 
إلا إذا كانت الأقوال لم تعد تدين ولاتبرئ قائلها 
وارجع إلى مقلدهم طارق الحمودي صاحب (منتدى أهل الحديث في تطوان)  
تصب بدهشة من تعسف ليه لنصوصهم 
ورميه بأقوال العلماء في بحوثهمهم عرض الحائط
12  -  الاسم : المصلح لا     من : مصر      تاريخ المشاركة : 22/3/1431 هـ
اسال الله ان يؤلف بين قلوب علماء المسلمين وان يجمع شتاتهم ويوحد كلمتهمعلي الحق الذي يرضاه سبحانة وبحمده
13  -  الاسم : أبو محمد لا     من : Huda8noor@hotmail.com      تاريخ المشاركة : 6/12/1431 هـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته  
و إن كان هذا البيان صحيحا فقد يكون رأي بعض المشايخ فيه قد تغير الأمر الآخر أن هناك من أهل العلم أيضا من مدح الكتاب و أثنى عليه بل أكثر من ذلك والله نسأل أن يوفق أهل الإسلام لما فيه الخير و الهدى .. هذا و أنصح بالاستماع لشريط الدمعة البازية للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله .. و الله المستعان
14  -  الاسم : محب السنة لا     من : الاردن      تاريخ المشاركة : 26/1/1432 هـ
بارك الله فيكم ونفع بكم وجزاكم خيرا عظيما
15  -  الاسم : أبو الهمام البرقاوي لا     من : لله درك يا شيخنا الفاضل !!      تاريخ المشاركة : 1/4/1432 هـ
السلام عليكم . 
 
بارك الله فيكم شيخنا الكريم الفاضل / عبد العزيز العبد اللطيف ، على هذه الملحوظات القيمة . 
 
اغتررت بهذا الكتاب ، وكثرة جزمه بما يقول ، وإيحاه للقارئ أن هذا هو الحق ، وما سواه باطل !. 
 
وبتقريراته ونقولاته عن أهل العلم ، وبعد هذه المقالة اتضح أن الرجل لم يصب في تحميل كلامهم في تقسيم مسائله ما لا يحتمل! 
 
عافانا الله وإياكم عن هذا المذهب الرديء الجريء على أهل السلف ، المتنحي المبرر لمنهج السلاطين والحكام ! 
 
حسبي الله ونعم الوكيل!!
16  -  الاسم : أبو يوسف لا     من : m2003m2004@yahoo.com      تاريخ المشاركة : 17/6/1432 هـ
جزاك الله خيرا شيخنا الجليل ووفقكم الله وسدد خطاكم وأسأله سبحانه أن يرزقنا الصدق والتجرد والإنصاف والله المستعان

 

طباعة

24816  زائر

إرسال


الترك المطلوب : قال شريح : فو الله لا تجد فَقْد شيء تركته لوجه الله. طبقات ابن سعد 6/136
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 

الوهابية في مواجهة الغلاة
***

نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية
***

نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية
***

سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها
***

خدمة الواتس اب
***

صفة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ونفعها للعصاة
***