التاريخ : 25/11/1427 هـ

بحوث ودراســات

د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

جهود علماء الدعوة السلفية بنجد تجاه النوازل العقدية

يعرض هذا البحث شيئاً من الجهود التي بذلها علماء الدعوة السلفية بنجد تجاه النوازل الواقعة في مجال الاعتقاد، وحصر البحث هذه النوازل العقدية في ثلاثة أمور، فأما الأول فهو عرض لنوازل في توحيد العبادة من خلال أنموذجين، أحدهما : جهود الشيخ محمد بن عبدالوهاب تجاه النوازل في توحيد العبادة، وأما الآخر فهو جهود علماء الدعوة في الردّ على داود بن جرجيس .

كما تضمن الأمر الأول حديثاً عن نوازل في مسائل الولاء والبراء، حيث أورد الباحث معالم وقواعد مهمة في هذا النازلة .

وأما الأمر الثاني فكان عن جهودهم تجاه نوازل في الحكم والسياسة الشرعية فكشف عن جهود متميزة في السعي إلى الإصلاح والاجتماع، وثبوت الولاية بالطرق الشرعية، وتحذيرهم من القوانين الوضعية وبيان فسادها وأحكامها .

وأما الثالث فمن جهود علماء الدعوة تجاه نوازل المذاهب المعاصرة والأفكار الوافدة سواءً كانت تنصيراً، أو زندقية والحاداً، أو "عصرنه"، حيث ساق الباحث أجوبة علمية محققة لهؤلاء الإعلام، كما أورد مواقف عملية أمام تلك المذاهب والأفكار .

ثم ختم البحث بأهم النتائج .

*    *    *

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .

أما بعد : لا تزال جوانب مهمة من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – مجالاً رحباً لمن أراد البحث والتحقيق، فمع كثرة المؤلفات والرسائل العلمية التي استوعبت وحررت قضايا ومسائل مهمة في شأن هذه الدعوة المباركة، إلا أن جملة من الموضوعات الحية لم تأخذ حقها من البحث، فهي بحاجة إلى تحقيق و تحرير، ومن ذلك جهود علماء هذه الدعوة السلفية تجاه النوازل العقدية، وموقفهم منها، و كيفية معالجتهم تلك الوقائع والأحداث، فأحسب أن هذا الموضوع من الموضوعات الملحة والتي تفتقر إلى تجلية وتعليق، لاسيما في السنوات الأخيرة التي اشتدت فيها ضراوة الهجمة الشرسة على هذه الدعوة، فكثر الاعتراض والشغب .

وأما المقصود بالنوازل فمن خلال اطلاع على أبحاث تعنى بذلك فإن النوازل على وجه العموم – سواء في الفقه أو العقيدة – تطلق على المسائل الحادثة الطارئة، والوقائع المستجدة التي تحل بالناس وتستدعي حكماً شرعياً .

ولقد اكتنف الجزيرة العربية كم هائل من الأحداث التاريخية والتغيرات السياسية، وأنماط من الشبهات العارضة والإشكالات الحادثة التي توجب رؤية وحكماً شرعياً تجاه تلك النوازل والوقائع ([1]).

وإن الناظر في تراث علماء تجد وتراجمهم يلحظ ما عليه أولئك الأعلام من تحقيق ورسوخ في العلم، وسلامة في الفهم وفقه لتلك الوقائع، فقد جمعوا بين التصور الصحيح لتلك الحوادث، وبين فقه حكم الله تعالى الملائم لتلك الوقائع، وتنـزيله عليها .

ومن خلال استقراء أهم النوازل العقدية التي عني بها أولئك العلماء، يمكن حصرها في الأمور التالية :-

1 – نوازل في توحيد العبادة ومسائل الولاء والبراء .

2 – نوازل في الحكم والسياسة الشرعية .

3 – نوازل في المذاهب المعاصرة والأفكار الوافدة .

وسيكون الحديث عنها على النحو الآتي :

1 – نوازل في توحيد العبادة ومسائل الولاء والبراء

لما كان هذا الموضوع ظاهراً معلوماً – في الجملة – عند الكثيرين، نظراً لاشتهاره ووفرة مادته وكثرة المؤلفات عنه، ([2])، فسيكون الحديث عنه بشيء من الاختصار مع التركيز على ما يحتاج إلى تجلية، ويتسق مع عنوان البحث .

وسأكتفي بهذين المثالين التاليين : -

فأما الأول فلمحة موجزة عن جهود الشيخ محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله – تجاه النوازل في توحيد العبادة .

- لقد أهمّ الشيخ محمد بن عبدالوهاب ([3]) أمر هذه الأمة، وما تلبّست به من شرك ونقض لكلمة التوحيد " فدعا الناس أن يتركوا عبادة أرباب القبور والطواغيت وعبادة الأشجار والأحجار .. وأظهر الله هذا الدين في نجد والبادية، حتى لم يكن فيهم من ينازع ويجادل ؛ لأن الله أبطل كل شبهة، بما أبداه هذا الشيخ ببيانه ومصنفاته" ([4]) .

وقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب([5]) – رحمه الله -:

" وفي حدود القرن العاشر وما بعده لا يعرف أحد من العلماء تكلم بالتوحيد ودعا إليه، وعرف هذه الشرك ونهى عنه، حتى أظهر الله هذا الشيخ محمد بن عبدالوهاب في آخر هذه الأمة، فبيّن حقيقة التوحيد، وأنواعه، فأنكر كل بدعة بأدلة الكتاب والسنة، وأحيا السنن، فأخرج الله به الكثير من الظلمات إلى النور، فتركوا عبادة الأشجار والطواغيت والقبور، والتزموا ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله r" ([6]) .

- كان الشيخ يواجه مجتمعاً ذهل أهله عن توحيد العبادة، فجهلوه وأهملوه ولم يرفعوا بذلك رأساً، بل كان علماء بلده لا يعرفون معنى لا إله إلا الله فضلاً عن عوامهم، وأما عامة البادية فقد تلبّسوا بنواقض كثيرة ([7]) .

لقد قارف أهل عصره الشرك بالله تعالى، فاتخذوا الوسائط والشفعاء، وظنوا أن الاقرار بربوبية الله تعالى كاف في تحقيق التوحيد، ولذا بذل الشيخ قصارى جهده في بيان أهمية التوحيد ووجوبه على كل مكلف فقال : - "والحاصل أن مسائل التوحيد ليست من المسائل التي هي من فن المطاوعة ([8]) خاصة، بل البحث عنها أو تعلمها فرض لازم على العالم، والجاهل، والمحرم والمحل، والذكر والأنثى " ([9])

كما بيّن أن كلمة التوحيد لا إله إلا الله تجمع الدين كله، وقرر في عدة مواضع – أن الاقرار بالربوبية ليس كافياً، ولا يتحقق به الإسلام، وإنما يُدخِل الرجلَ في الإسلام توحيدُ الألوهية ([10]) .

- يؤكد الشيخ على تحقيق هذا التوحيد عند حلول النوازل والوقائع، وأن الكثير قد يعلم هذا التوحيد، ولكن يغيب عنه ذلك عند ورود الوقائع والاشكالات، فقال الشيخ :- "إن كثيراً ممن واجهناه وقرأ علينا يتعلم هذا ويعرفه بلسانه، فإذا وقعت المسألة لم يعرفها، بل إذا قال بعض المشركين نحن نعرف أن رسول الله لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وأن النافع الضار هو الله، يقول : جزاك الله خيراً، ويظن أن هذا هو التوحيد، ونحن نعلّمه أكثر من سنة أن هذا هو توحيد الربوبية الذي أقرّ به المشركين ([11]) " .

- عني الشيخ بتعريف وبيان توحيد العبادة، كما بيّن معنى الشرك وأنواعه، كما هو مبسوط في أول و أهم مؤلفاته – كتاب التوحيد -، فموضوع هذا الكتاب – كما يقول تلميذه الشيخ عبدالرحمن بن حسن: – " في بيان ما بعث الله به رسله من توحيد العبادة، وبيانه بالأدلة من الكتاب والسنة، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر، وأو يُنافي كماله الواجب من الشرك الأصغر ونحوه، وما يقرُب من ذلك أو يوصل إليه ([12]) "

ويقول أيضا:- "

وأما تعريف الشرك وأنواعه فقد عرّفه شيخنا الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في كتاب التوحيد، فذكر أنواعه وأقسامه، وجليه وخفيه، وأكبره وأصغره، خصوصاً الشرك في العبادة، مما عساك لا تجده مجموعاً في غيره من الكتب المطولات، فإن الإيمان النافع لا يوجد إلا بترك الشرك مطلقاًَ "  ([13]) .

-  ولما كان الشيخ جامعاً بين الفقه في دين الله تعالى، والمعرفة بواقع أهل عصره وحالهم، لذا عرّف توحيد العبادة بما يفهمه المخاطبون، فالشيخ يعالج نازلة واقعة، وهي تسمية توحيد الإلهية بأسماء متداولة عند العامة كالسيّد، والذي فيه سرّ.. ونحوهما، ومن ثم سعى إلى تقريب معنى التوحيد وتفهيمه، حسب واقع المخاطبين وحالهم كما في تقريراته الآتية :

يقول رحمه الله " وهذا التوحيد هو معنى قولك لا إله إلا الله، فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور سواءً كان ملكاً أو نبياً أو ولياً أو شجرة أو قبراً أو جنياً، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر، فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده ..

وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ " السيد" فأتاهم النبي r يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله ([14]) "

ويقول – في موضع آخر :- " وأما قولي : أن الإله الذي فيه السر، فمعلوم أن اللغات تختلف، فالمعبود عند العرب، والإله الذي يسمونه عوامنا "السيّد" و "الشيخ" و"الذي فيه السرّ ". والعرب الأولون يسمون الألوهية ما يسميه عوامُنا "السر" ؛ لأن السرّ عندهم هو القدرة على النفع والضر، وكونه يصلح أن يُدعى ويرجى، ويخاف ويتوكل عليه ([15]) "

ويقول – في موضع ثالث - : " فاعلم أن هذه الألوهية هي التي تسميها العامة في زماننا السرّ والولاية، والإله معناه الذي فيه السرّ، وهو الذي يسمونه الفقراء الشيخ، ويسمونه العامة السيّد وأشباه ذلك، وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق منـزلة يرضى أن الإنسان يلتجيئ إليهم ويرجوهم، ويستغيث بهم يجعلهم واسطة بينه وبين الله ([16]) .

- وإذا كان كتاب التوحيد في تقرير التوحيد وبيانه، وذكر ما ينافيه من الشرك وذرائعه، فإن رسالة كشف الشبهات، تعنى بإزالة الاعتراضات الواردة والشبهات الواقعة في توحيد العبادة، فقد ساق الشيخ – رحمه الله – قرابة ثلاث عشرة شبهة، ثم أتبع كل شبهة   ... محكم وجيز .

وأما المثال الثاني من جهود علماء الدعوة تجاه نوازل في توحيد العبادة، فجهودهم في الرد على دواد بن جرجيس ([17])، وهي جهود تسترعي النظر والتحقيق، حيث أجابوا عن شبهات وإشكالات سوّدها داود، حيث كتب عدة مصنفات ضمّنها جواز الاستغاثة بالأولياء وسؤالهم وتسويغ الاستمداد من الأموات، وبسط حججه في ذلك، فانبرى أئمة الدعوة في الردّ عليه، فكتب الشيخ عبدالرحمن بن حسن "القول الفصل النفيس في الردّ على المفتري داود بن جرجيس "، وسطّر ابنه العلامة عبداللطيف ([18]) مِنهاج التأسيس  والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس، و تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس "، وألّف الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبو بطين ([19])، الانتصار لحرب الله الموحدين " و "تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس " ([20]).

ولعل سبب اشتغال أولئك الأعلام بهذه النازلة – نازلة شبهات داود واعتراضاته - عدة أمور منها :-

1 – أن داود بن جرجيس قدم نجداً وطلب العلم على مفتي الديار النجدية –آنذاك- الشيخ عبدالله أبي بطين، وأجازه الشيخ في الفتيا في مذهب الإمام أحمد، ([21])، فلا غرابة أن ينخدع به أقوام فيحتفون به ويكرمونه كما وقع من بعض بلدان نجد ([22]) .

2 – أن المذكور يجاهر بانحراف وابتداعه في مجامع الناس، وكما قال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن : " وقد حدثني من يقبل حديثه أنه سمع هذا العراقي بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام – يوم قدوم الحاج بقول في مجمع من الناس، إنما الرجل من يقول : حدثني سري عن ربي، لا من يقول حدثنا فلان عن فلان " ([23]) .

3 – أن لدواد أثراً على بعض المنتســبين للعلم من أهل نجد، فالشيخ عثمان بن منصور ([24]) قد أظهر تعظيمه لدواد وأنشأ قصيدة في مدحه ([25]) .

4 – كان لدواد بن جرجيس مشاركات سياسية وعسكرية ضد أتباع الدعوة، وذلك زمن الخلاف بين أبناء فيصل بن تركي ([26])، حيث غزت عساكر الأتراك جزيرة العرب، وكان في مقدمتهم داود بن جرجيس ([27]) .

5 – ألّف داود كتاباً سماه "صلح الإخوان من أهل الإيمان وبيان الدين القيّم في تبرئه ابن تيمية وابن القيم" وضمّنه نقولاً متعددة لابن تيمية وابن القيّم حرّفهما وغلط في فهمهما، من أجل أن يقرر جواز الاستغاثة بالموتى، كما عقد باباً مستقلاً في الأدلة على جواز الاستغاثة بالأنبياء والصالحين والنذر لهم  .

وله كتاب آخر سماه "المنحة الوهبية في ردّ الوهابية " قرر فيه أن للموتى حياة في قبورهم كحياتهم في الدنيا، وأن لهم شعور وإحساس كالأحياء، واحتج لذلك بمختلف الدعاوى، ليتوصـل إلى تسـويغ دعاء الأموات والاستشفاع بهم، ولما قرر العلامة نعمان الآلوسي ([28]) عدم سماع الأموات، بيّن ما في " المنحة الوهابية " من مآخذ فقال: "إذا علمتَ ما مضى من النقول الصحيحة، و أقوال أهل المذهب الحنفي وغيرهم الرجيحة، تبيّن لك ما في الرسالة المسماة بـ "المنحة الوهابية " ([29]) من الخبط والخلط، والكذب و سوء الفهم والتلبيس، وإطالة اللسان على القائلين بعدم السماع .. ([30]) " .

وذكر محمود شكري الآلوسي ([31]) أن الكثير من الأفاضل منع من النظر في كتبه ومطالعتها؛ لأنه حرّف الكلم عن مواضعه ([32]) .

وإذا تبيّن شناعة كتب داود بن جرجيس وما يدعوا إليه، فلا غرو أن يهتم علماء الدعوة بالرد عليه والجواب عن شبهاته .

ومن خلال تبتع واطلاع على ما كتبه أولئك العلماء في الردّ على داود، يمكن أن نستخلص جملة من الأجوبة المهمة والقواعد النافعة تجاه تلك النازلة :

1-  العناية بأهمية معرفة حدود ما أنزل الله تعالى على رسوله r كالعبادة مثلاً، حيث قال الشيخ عبدالله أبو بطين:- "ومما يتعيّن الاعتناء به : معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله ؛ لأن الله سبحانه ذمّ من لا يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله .. ففرض على المكلف معرفة حدّ العبادة وحقيقتها التي خلقنا الله لأجلها، ومعرفةُ حد الشرك وحقيقته الذي هو أكبر الكبائر ([33]) " .

 وكما قال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن :- "وكم هلك بسبب قصور العلم وعدم معرفة الحدود والحقائق من أمة، وكم وقع بذلك من غلط وريب وغمة، مثال ذلك : أن الإسلام والشرك نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والجهل بالحقيقتين أو احداهما أوقع كثيراً من الناس في الشرك وعبادة الصالحين " ([34]) .

2 – تقرير الوسطية تجاه الأسباب – كما هي طريقة أهل السنة – بين من غلا فيها وبين من عطّلها، فقد أثبت هؤلاء العلماء الأسباب سواء كانت شرعية أو قدرية دون الاعتماد عليها .

فقد قال الشيخ أبو بطين : "ونحن لا ننكر إضافة الأشياء إلى أسبابها، ولكن الله سبحانه هو خالق الأسباب والمسببات، ولا يلزم من ذلك أن نعتمد على الأسباب فضلاً عن أن نسألها ونرغب إليـها، وهي مخلوقـة، بل يتعيّن على العبـاد أن يعتمدوا على خالق الأسباب .. ([35]) "

والمردود عليه لبّس على الناس، فأجاز الطلب من غير الله، -كالأموات والغائبين من باب التسبب – فجعل دعاء الأموات وسؤالهم سبباً في حصول المطلوب ودفع المرهوب، مع أنّ هذا الطلب شرك ظاهر لم يأذن به الله تعالى ([36]) .

3 – أن التوحيد الذي من أجله أُرسلت الرسل وأنزلت الكتب هو تحقيق توحيد العبادة، فالإقرار بأن الله تعالى ربّ كل شيء وخالقه ليس كافياً، وقد سلك داود طريقة أسلافه من متصوفة جعلوا شهود توحيد الربوبية هو غاية التوحيد، ولذا جوّز داود دعاء الأموات، بحجة أن هذا من باب الوسائل لا الاستقلال،ولا يخفى أن مشركي العرب إنما عبدوا آلهتهم من باب الوسائل والتشفع، ولم يدّعوا الاستقلال والتصرف لأحد من دون الله تعالى ([37]) .

4 – العبرة بالحقائق، فتغيير الأسماء لا يغيّر من الحقيقة شيئاً، حيث عمد داود إلى تجويز الطلب من الأموات، بدعوى أن ذلك نداء وليس دعاءً، أو أن ذلك توسل وليس استغاثة، ولذا قال الشيخ أبو بطين : "من جعل شيئاً من العبادة لغير الله فقد عبده واتخذه إلهاً، وإن فرّ من تسميته معبوداً أو إلهاً، وسمّى ذلك توسلاً وتشفعاً أو التجاء ونحو ذلك، فالمشرك مشركٌ شاء أم أبى .

فتغيير الاسم لا يغيّر حقيقة المسمى ولا يزيل حكمه ([38]) "

5 – الالتزام في الردّ على داود بمنهج علمي أصيل مبني على المطالبة بالنقل الصحيح، والدعوى القائمة على الدليل، فإن كنتَ ناقلاً فالصحة أو مدعياً فالدليل، فـ "العلم شيئان : نقل مصدق وإما بحث محقق، ما سوى ذلك فهذيان مسروق ([39]) " وكان دواد على النقيض من ذلك، فقد ساق نقولاً كثيرة اعتراها البتر والتحريف، وادعى دعاوى لا دليل عليها .

يقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن عن نقول داود: "وغالبها قد حرّفه، وألحد فيه وتصرف في نقله بزيادة ونقصان، وتقطيع للعبارات " ([40]) .

وقال – في موطن آخر - :- "ومن عجيب جهل العراقي أنه يحتج على خصمه بنفس الدعوى، والدعوى لا تصلح دليلاً ([41]) " .

6 – أن مجانبة الحق والصواب توجب التناقض والاضطراب، والتسوية بين المتفرقات والتفريق بين المتماثلات، كما هو حال ابن جرجيس، فقد تناقض حيث زعم أن طلب المخلوق من المخلوق نداء وليس دعاءً، لكن تناقض فسمّى هذا النداء دعاء في عدة مواطن ([42]) .

وإضافة إلى ذلك فلا وجه للتفريق بين الدعاء والنداء "فأيّ فرق بين ما إذا سأل العبدُ ربه حاجةً، وبين ما إذا طلبها من غيره ميت أو غائب ؟ بان الأول يسمى دعاء والثاني نداء"([43])

وادعى داود أن أهل الكرامات حالهم في الممات كحالهم في الحياة، وإذا جاز سؤال الحي فالميت كذلك، وهذا مردود بقوله تعالى، (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلاَ الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ) (سورة فاطر:22) . ففرّق بين الأحياء والأموات .

يقول الشيخ أبو بطين:- "ذو الفطرة السليمة وإن كان جاهلاً يفرق بين الطلب من الحي الحاضر مما في يده، وبين الطلب من الميت أو الغائب، ولا يسوى بين الحي والميت إلا من اجتالته الشياطين عن الفطرة التي فطر الله [الناس ([44])] عليها، أو إنسان أعماه الهوى والتقليد " ([45]) .

نوازل في مسائل الولاء والبراء :-

وإذا انتقلنا إلى الحديث عن جهودهم تجاه النوازل المتعلقة بموضوع الولاء والبراء من خلال تتبع تقريراتهم العلمية ومواقفهم العملية، فيمكن أن نستخلص جملة من المعالم المهمة على النحو التالي :-

1 – لم يقتصر علماء الدعوة على تنظير وتحرير مسائل الولاء والبراء، بل عمدوا إلى تطبيقها وتنـزيلها على الواقع، واتخاذ مواقف تجاه طوائف ودول وأشخاص كما هو مبسوط في مؤلفاتهم .

فعلى سبيل المثال نجد أن العلامة عبدالرحمن السعدي ([46])  – رحمه الله – يقرر في فتاويه معنى دار الكفر، ثم ينـزّل هذا الحكم على دول قائمة كانت محكومة – آنذاك – بالاستعمار البريطاني ([47]) .

وعندما يعمد بعض علماء الدعوة إلى تكفير العساكر التركية – مثلاً – فتقريرهم لمسائل "التكفير" مبني على دليل شرعي ومنهج سنّي، فإن كان تمت تعقيب أو إشكال في ذلك، فإنما هو في تحقيق المناط وتنـزيل الأحكام على الوقائع والأحداث، وكما قال ابن القيّم:-

"إن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأوّلاً وغضباً لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظه، فإنه لا يكفرُ بذلك، بل لا يأثم به، بل يُثاب على نيته وقصده، هذا بخلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يكفِّرون ويبدِّعون لمخالفة أهوائهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفّروه وبدّعوه ([48]) "

ويقول الشيخ عبدالرحمن بن حسن :- " فلو قدر أن رجلاً من المسلمين قال في أناس قد تلطخوا بأمور، قد نص العلماء على أنها كفر، مستندين في ذلك إلى الكتاب والسنة، وغيرةً لله وكراهة لما يكره الله من تلك الأعمال، فغير جائز لأحد أن يقول في حقهم من كفّر مسلماً فهو الكافر " ([49]) .

لاسيما وأن أفهام العلماء متفاوتة في مراعاة عوارض الأهلية من جهل وتأوّل وخطأ ونحوها، فقد يعذر أحدهم بالجهل – مثلاً – ما لا يعذر العالم الآخر سواءً كان ذلك في مسألة من مسائل الاعتقاد، أو في حق شخص، أو حال أو زمان .

2 – أصابت نجداً وما حولها – بعد وفاة الإمام فيصل بن تركي – حروب وفتن، فلجأ بعضهم إلى أعداء الدعوة، فتدخل العدو الخارجي، فوقع اللبس والخلط بين مسألة مظاهرة الكفار ضد المسلمين وبين مسألة الاستعانة بالكفار، فجوّز بعضهم تلك المظاهرة ظناً منه أنها مجرد استعانة بالكفار، وقد حرّر علماء الدعوة الفرق بين المسألتين، فتولي الكفار ومظاهرتهم و تمكينهم من دار الإسلام ردّة وخروج عن الملة؛ لقوله تعالى    ( وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (سورة المائدة:51)، وأما الاستعانة بهم فهي مسألة من مسائل الاجتهاد المتنازع فيها والتي يسوغ فيها الخلاف .

يقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن في شأن هذه النازلة :-

"والقول بأنهم جاؤوا لنصر إمام أو دين، قول يدل على ضعف دين قائله، وعدم بصيرته وضعف عقله، وانقياده لداعي الهوى، وعدم معرفته بالدول والناس.. وأعجب من هذا نسبة جوازه إلى أهل العلم، والجزم بإباحة ذلك، والصورة المختلف فيها ([50]) مع ضعف القول بجوازها وإباحتها، كما هو مبسوط في حديث " إنا لا نستعين بمشرك" هي صورة غير هذه، ومسألة أخرى .

وهذه الصورة حقيقتها : تولية وتخلية وخيانة ظاهرة " ([51]).

3 – بيّن علماء الدعوة الفرق بين عداوة الكافرين وبين البرّ والاقساط معهم، فبغضهم وعداوتهم لا تنافي العدل والبر معهم .

ومن ذلك ما سطّره الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن قائلاً : " أما قوله تعالى )لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ( (سورة الممتحنة:8)، فالذي يظهر أن هذا إخبار من الله جل ذكره لعباده المؤمنين بأنه لم ينههم عن البر والعدل والإنصاف في معاملة أي كافر من أهل الملل إذا لم يقاتلهم في الدين ولم يخرجهم من ديارهم، إذا العدل والإحسان والإنصاف مطلوب محبـوب شرعاً، ولذا علل هذا الحكم بقوله تعالى ) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ( " .

- إلى أن قال – ووجه مناسبة الآية لما قبلها من الآي ([52]) أنه لما ذكر تعالى نهيه عباده المؤمنين عن اتخاذ عدوه وعدوهم أولياء يلقون إليهم بالمودة، ثم ذكر حال خليله ومن آمن معه في قولهم وبراءتهم من قولهم المشركين حتى يؤمنوا، وذكر أن لعباده المؤمنين أسوة حسنة، خيف أن يتولاهم ويظن أن البرّ والعدل داخلان في ضمن ما نهى عنه من الموالاة، وأمره أن يدفع هذا بقوله تعالى ) لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ ( ([53]) " .

كما بيّن أئمة الدعوة جواز التعامل مع الكفار في البيع والشراء ونحوه ([54])، وجواز السفر إلى ديار الكفار من أجل التجارة بشرط القدرة على إظهار الدين  .

وكما قال العلامة السعدي :-  " وأما السفر إلى هذه الأقطار للاتجار مع حفظ العبد لدينه وقدرته على إظهاره، فلا مانع من ذلك، والمسلمون مازالوا يسافرون للتجارة لبلاد الكفر في وقت الصحابة رضي الله عنهم، وقد ذكر ذلك أهل العلــم رحمهم الله وذكروا ما يدل عليه ([55]) " .

4 – مما يجدر ذكره في هذا المجال ما تميّز به علماء الدعوة من تحرير وتحقيق مسائل الولاء والبراء، وفي أحلك الظروف، وإذا كان الناس تغيب عنهم معاني القرآن عند النوازل والحوادث ([56])، فإن هؤلاء العلماء لم يكونوا كذلك، بل قرروا عقيدة الولاء والبراء بكل رسوخ ووضوح، ونورد مثالين على ذلك :

ا- لما هاجمت جيوش إبراهيم ([57]) نجداً  سنة 1233هـ وقصدوا استئصال الدعوة السلفية وأنصارها، وظاهرهم طوائف من البادية والحاضرة، وعندئذ ألّف الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب ([58]) رسالته القيمة "الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك "  لقد صنف الشيخ سليمان هذه الرسالة في وقت زاغت فيه قلوب، وأصابها الخوف الهلع من جيوش إبراهيم باشا، فانساقت إلى مظاهرة المشركين، فقرر الشيخ – بالأدلة الكثيرة – أن من ظاهر الكفار وتولاهم فهو منهم، كما قد وقع من أولئك الخونة .

ب – ويعيد التاريخ نفسه، حيث هجمت العساكر التركية على بلاد نجد – سنة 1253هـ - وأعانهم من أعانهم حتى استولوا على كثير من البلاد، فصنّف الشيخ حمد بن عتيق ([59]) رسالة متميزة بـعنوان " سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك"

5 – من النوازل المهمة التي وقعت في الجزيرة العربية ما ظن بعضهم أن مجرد مخالطة الكفار ومعاملتهم وبمصالحة أنها موالاة للكفار التي جاء النهي عنها في النصوص الشرعية، وقد أزال هذا اللبس الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري ([60])، فخاطب أولئك القوم بقوله :-

"وقد بلغنا أن الذي أشكل عليكم، أن مجرد مخالطة الكفار ومعاملتهم بمصالحة ونحوها، وقدومهم على ولي الأمر لأجل ذلك، أنها هي موالاة المشركين، المنهي عنها في الآيات والأحاديث، وربما فهمتم ذلك من "الدلائل" التي صنف الشيخ سليمان بن عبدالله بن الشيخ، ومن "سبيل النجاة" للشيخ حمد بن عتيق .

فأولاً : نبيّن لكم سبب تصنيف " الدلائل" فإن الشيخ سليمان، صنفها لما هجمت العساكر التركية على نجد في وقته، وأرادوا اجتثاث الدين من أصله، وساعدهم جماعة من أهل نجد، من البادية والحاضرة، وأحبوا ظهورهم.

وكذلك سبب تصنيف الشيخ حمد بن عتيق " سبيل النجاة" هو لما  هجمت العساكر التركية على بلاد المسلمين، وساعدهم من ساعدهم، حتى استولوا على كثير من بلاد نجد، فمعرفة سبب التصنيف مما يعين على فهم كلام العلماء، فإنه بحمد الله  ظاهر المعنى، فإن المراد به موافقة الكفار على كفرهم، وإظهار مودتهم، ومعاونتهم على المسلمين، وتحسين أفعالهم، وإظهار الطاعة والانقياد لهم على كفرهم .

والإمام ([61]) وفقه الله لم يقع في شيء مما ذكر، فإنه إمام المسلمين، والناظر في مصالحهم، ولابدّ له التحفظ على رعاياه وولايته من الدول الأجانب ([62]).."

6 – أدرك علماء الدعوة بنجد أهمية تقدير المصالح والمفاسد في التعامل مع الكفار، ومن ذلك ما حرره الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن قائلاً : "وأما البداءة بالسلام فلا ينبغي أن يبدأ الكافر بالسلام بل هو تحية أهل الإسلام، لكن إن خاف مفسدة راجحة وفوات مصلحة كذلك، فلا بأس بالبداءة لاسيما من ينتسب إلى الإسلام، ولكن يخفى عليه شيء من أصوله وحقوقه، وقد كان صلى الله عليه وسلم يأتي المشركين من العرب في منازلهم أيام المواسم ويدعوهم إلى توحيد الله وترك عبادة ما سواه، مع ما هم فيه من الشرك والكفر، والردّ القبيح لما في ذلك من المصلحة الراجحة على مصلحة الهجر والتباعد ([63]) .."

كما بيّن الشيخ عبداللطيف جواز مصالحة العدو إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك، وحقق ذلك عملاً وواقعاً، فسعى إلى مصالحة الأعداء محتجاً بأحداث السيرة النبوية، ومن قبله صالح علماء الدرعية إبراهيم باشا لما خيف السبي والاستئصال ([64]) .

2 – نوازل في الحكم والسياسة الشرعية

من المعلوم بداهة أن الله تعالى أكمل الدين وأتمّ النعمة، فجاء هذا الدين العظيم محققاً لمصالح الدارين، ومستوعباً لجميع شؤون الحياة سواءً كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها، والعلماء الراسخون هم أولى الناس بفقه السياسة الشرعية، ومعرفة مقاصدها، وبيان مايضادها من السياسات الفاسدة والحادثة .

وقد كان لعلماء الدعوة بنجد جهود متميزة تجاه نوازل في الحكم والسياسة الشرعية سواءً من جهة مبادرتهم إلى الصلح والسعي إلى حقن الدماء، وثبوت الولاية بطرقها الشرعية، وكذا تحذيرهم من السـياسات الوضعية وبيان فسـادها وأحكامها، والشواهد على ذلك كثيرة، منها :-

ا- كان للشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبي بطين جهود ظاهرة في هذا المجال، نذكر منها ما يلي :-

1 – خرج أقوام من أهل القصيم عن طاعة الإمام فيصل بن تركي سنة 1265هـ، فقامت وقعة (اليتيمة) بين الفريقين، وهُزم أهل القصيم، وقتل منهم الكثير، فعمد أمير بريدة عبدالعزيز آل أبو عليان ([65]) إلى حضّ الناس على القتال، فلم يستجب له، ثم جاءه الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبو بطين وكان قاضي القصيم آنذاك فقال له : يا هذا اتق الله، واربأ بنفسك فإن البلد ليست لك ولا بيدك، وأمرها بيد أهلها، وليس لك فيها أمر ولا نهي، وهم يريدون إصلاح أنفسهم مع الإمام فيصل، فإن أردت أن تكون كذلك فافعل ([66]) .

فلقد أوصاه بكلام جامع، أمره بتقوى الله تعالى، وحثّه على الصلح مع الإمام لما في ذلك من الاجتماع وحفظ الدماء .

2 – ومن جهود الشيخ أبي بطين في هذا المقام أن طوائف من أهل القصيم الذين خرجوا على الإمام فيصل فأشعلوا الفتنة، ثم هزموا في موقعة "اليتيمة " –كما سبق آنفاً – قد ندموا على ما صنعوا وخافوا من سطوة الإمام، فأتى رؤساؤهم إلى الشيخ عبدالله أبي بطين وقالوا له : إن هذه الأمور التي وقعت لا يصلحها إلا أنت، ولا يزيل غضب الإمام غيرك، فاعتذر الشيخ عبدالله عن ذلك، فألحوا عليه، فأجابهم إلى ذلك، وركب إلى الإمام فأكرمه وأجابه إلى كل ما طلب من العفو والصفح عنهم ([67]) .

فهؤلاء الرؤساء يدركون الدور الكبير الذي يضطلع به الشيخ عبدالله أبو بطين من تحقيق العفو والتجاوز عنهم، وهذا ما تمّ على يد الشيخ رحمه الله .

3 – ولما عزم أهل عنيزة على إخراج أميرهم جلوي بن تركي ([68])1270هـ، وحاصروه في قصره، بادر الشيخ أبو بطين فنصح أهل عنيزة بأن لا يخرجوا جلوي بهذه الطريقة، وقال : "أنا كفيل لكم بأن أركب إلى الإمام وأطلب منه أن يعزل أخاه "جلوي" وينصب بدله أميراً ترضونه"  لكنهم أصروا على إخراجه، فغضب الشيخ أبو بطين وخرج إلى بريدة ([69]) .

لقد بذل الشيخ وسعه وأسدى نصحه، تحقيقاً لإصلاح ذات البين، والتئام الشمل، ولما في الشغب والخروج على الولاة دون مسوغ شرعي من فساد الأحوال وتنافر القلوب .

ب – لما توفى الإمام فيصل بن تركي سنة 1282هـ، وتولى الحكم من بعده ابنه عبدالله حصل شقاق وافتراق بين عبدالله وأخيه سعود، فوقعت حروب طاحنة و فتن موجعة في جزيرة العرب .

وكان للشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن دور ظاهر في الإصلاح وتبيين الحق، وجمع الكلمة وحفظ الدماء، ودرء الفتنة، ودفع الشر والفساد بحسب الوسع، لقد أوتي الشيخ عبداللطيف قوة وبصيرة، وعلماً ورسوخاً، وحكمة ونصحاً وإشفاقاً على الراعي والرعية، حيث سطّر الشيخ عبداللطيف رسائل كثيرة – أثناء تلك الفتنة الطويلة – تضمنت عرضاً وافياً، وتحليلاً متيناً لتلك الأحداث الجسام، مع بيان موقفه من تلك النوازل.

ونختار من هذه الرسائل رسالة أحسب أن الشيخ كتبها في أخر حياته ([70])، كما أنها أوفى الرسائل عرضاً وتحليلاً لأحداث الفتنة، وهذا نصها :-

"من عبد اللطيف بن عبدالرحمن إلى الأخــوين المكرمين زيد بن محمد و صالح بن محمد الشثري ([71]) سلمهم الله تعالى .

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

وبعد :- فأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، والخط وصل أوصلكم الله إلى ما يرضيه، وما ذكرتموه كان معلوماً، موجب تحرير هذا ما بلغني بعد قدوم عبدالله ([72]) وغزوه من أهل الفرع ([73]) وما جرى لديكم من تفاصيل الخوض في أمرنا والمراء والغيبة، وإن كان قد بلغني أولاً كثير من ذلك لكن بلغني مع من ذكر تفاصيل ما ظننتها، فأما ما صدر في حقي من الغيبة والقدح والاعتراض ونسبتي إلى الهوى والعصبية، فتلك أعراض انتهكت وهتكت في ذات الله أعدها لديه جل وعلا ليوم فقري وفاقتي، وليس الكلام فيها : والقصد بيان ما أشكل على الخواص والمنتسبين من طريقتي في هذه الفتنة العمياء الصماء، فأول ذلك مفارقة سعود ([74]) لجماعة المسلمين وخروجه على أخيه ؛ وقد صدر منا الرد عليه وتسفيه رأيه ونصيحة ولد عائض ([75]) وأمثاله من الرؤساء عن متابعته والإصغاء إليه ونصرته، وذكّرناه بما ورد من الآثار النبوية والآيات القرآنية بتحريم ما فعل والتغليط على من نصره ولم نزل على ذلك إلى أن وقعت وقعة جودة ([76]) فثل عرض الولاية وانتثر نظامها، وحبس محمد بن فيصل وخرج الإمام عبدالله شارداً، وفارقه أقاربه وأنصاره، وعند وداعه وصيّته بالاعتصام بالله وطلب النصر منه وحده وعدم الركون إلى الدولة الخاسرة .

ثم قدم علينا سعود ([77]) بمن معه من العجمان والدواسر وأهل الفرع وأهل الحريق وأهل الأفلاج وأهل الوادي، ونحن في قلة وضعف وليس في بلدنا ([78]) من يبلغ الأربعين مقاتلاً، فخرجتُ إليه وبذلت جهدي ودافعت عن المسلمين ما استطعت خشية استباحة البلدة ومعه من الأشرار وفجار والقرى من يحثه على ذلك ويتفوه بتكفير بعض رؤساء أهل بلدتنا، فوقى الله شر تلك الفتنة ولطف بنا ودخلها بعد صلح وعقد، وما جرى من المظالم والنكث دون ما كنا نتوقع ([79])، وليس الكلام بصدده وإنما الكلام في بيان ما نراه ونعتقده،وصارت له ولاية بالغلبة والقهر تنفذ بها أحكامه، وتجب طاعته في المعروف كما عليه كافة أهل العلم على تقادم الأعصار ومر الدهور، فسرتُ على آثار أهل العلم واقتديت في الطاعة في المعروف وترك الفتنة وما توجب من الفساد على الدين والدنيا، والله يعلم أني بار راشد في ذلك، ومن أشكل عليه شيء من ذلك فليراجع كتب الإجماع كمصنف ابن حزم ومصنف ابن هبيرة وما ذكره الحنابلة وغيرهم، وما ظننت أن هذا يخفى على من له أدنى تحصيل وممارسة، وقد قيل: سلطان ظلوم خير من فتنة تدوم .

وأما الإمام عبدالله فقد نصحت له كما تقدم أشد النصح، وبعد مجيئه لما أخرج شيعةُ عبدالله سعوداً وقدم من الأحساء ذاكرته في النصيحة، وتذكيره بآيات الله وحقه وإيثار مرضاته، والتباعد عن أعدائه وأعداء دينه أهل التعطيل والشرك والكفر والبواح، وأظهر التوبة والندم، واضمحل أمر سعود، وصار مع شرذمة من البادية حول المرة والعجمان، وصار لعبدالله غلبة ثبتت بها ولايته ([80])  على ما قرره الحنابلة وغيرهم، كما تقدم أن عليه عمل الناس من أعصار متطاولة .

ثم ابتلينا بسعود وقدم إلينا مرة ثانية ([81])، وجرى ما بلغكم من الهزيمة على عبدالله وجنوده ومر بالبلدة منهزماً لا يلوي على أحد،وخشيت من البادية ؛ وعجلت إلى سعود كتاباً في طلب الأمان لأهل البلدة وكف البادية عنهم وباشرت بنفسي مدافعة الأعراب، مع شرذمة قليلة من أهل البلدة ابتغاء ثواب الله ومرضاته، فدخل البلدة وتوجه عبدالله إلى الشمال وصار الغلبة لسعود والحكم يدور مع علته ؛ وأما بعد وفاة سعود ([82])، فقدم الغزاة ومن معهم من الأعراب العتاة، والحضر الطغاة فخشينا الاختلاف وسفك الدماء وقطيعة الأرحام بين حمولة آل مقرن، مع غيبة عبدالله وتعذر مبايعته بل ومكاتبته، ومن ذكره يخشى على نفسه وماله أفيحسن أن يترك المسلمون وضعفاؤهم نهباً وسبياً للأعراب والفجار ؟

ومن توهم أني وأمثالي أستطيع دفع ذلك مع ضعفي وعدم سلطاني وناصري فهو من أسفه الناس وأضعفهم عقلاً وتصوراً، ومن عرف قواعد الدين وأصول الفقه وما يطلب من تحصيل المصالح ودفع المفاسد، لم يشكل عليه شيء من هذا، وليس الخطاب مع الجهلة والغوغاء، إنما الخطاب معكم معاشر القضاة والمفاتي والمتصدرين لإفادة الناس وحماية الشريعة المحمدية، وبهذا ثبتت بيعته ([83]) وانعقدت، وصار من ينتظر غائباً لا تحصل به المصالح فيه شبه ممن يقول طاعة المنتظر وأنه لا إمامة إلا به  .

ثم إن حمولة آل سعود صارت بينهم شحناء وعداوة والكل يرى له الأولوية بالولاية، وصرنا نتوقع كل يوم فتنة وكل ساعة محنة فلطف الله بنا وخرج ابن جلوي من البلدة وقتل ابن صنيتان وصار لي إقدام على محاولة عبدالرحمن في الصلح وترك الولاية لأخيه عبدالله فلم آل جهدي في تحصيل ذلك والمشورة عليه ...

فيسر الله قبل قدوم عبدالله بنحو أربعة أيام أنه وافق على تقديم عبدالله وعزل نفسه بشروط، فلما نزل الإمام عبدالله ساحتنا اجتهدت إلى أن محمد بن فيصل يظهر إلى أخيه ويأتي بأمان لعبدالرحمن وذويه وأهل البلدة، وسعيت في فتح الباب واجتهدت في ذلك، ومع ذلك كله فلما خرجت للسلام عليه وإذا أهل الفرع وجهلة البوادي، ومن معهم من المنافقين يستأذنونه في نهب نخيلنا وأموالنا، ورأيت معه بعض التغير والعبوس، ومن عامل الله ما فقد شيئاً ومن ضيّع الله ما وجد شيئاً، ولكنه بعد ذلك أظهر الكرامة ولين الجانب، وزعم أن الناس قالوا ونقلوا وبئس مطية الرجل زعموا، وتحقق عندي دعواه التوبة وأظهر لدي الاستغفار والتوبة والندم، وبايعته على كتاب الله وسنة ورسوله :

هذا مختصر القضية، ولولا أنكم من طلبة العلم والممارسين الذين يكتفون بالإشارة وأصول المسائل، لكتبت رسالة مبسوطة، ونقلت من نصوص أهل العلم وإجتماعهم ما يكشف الغمة ويزيل اللبس، ومن بقي عليه إشكال فليرشدنا رحمه الله، ولو أنكم أرسلتم بما عندكم مما يقرر هذا أو يخالفه وصارت المذاكرة، لانكشف الأمر من أول وهلة، ولكنكم صممتم على رأيكم، وَتَرك النصيحة من كان عنده علم، واغتر الجاهل، ولم يعرف ما يدين الله به في هذه القضية وتكلم بغير  علم ووقع اللبس والخلط والمراء والاعتداء في دماء المسلمين وأعراضهم، وهذا بسبب سكوت الفقيه، وعدم البحث واستغناء الجاهل بجهله واستقلاله بنفسه، وبالجملة فهذا الذي نعتقد وندين الله به، والمسترشد يذاكر ويبحث، والظالم المعتدي حسابنا وحسابه إلى الله الذي تنكشف عنده السرائر وتظهر مخبآت الصدور والضمائر يوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور : وأما ما ذكرتم من التنصل والبراءة مما نسب في حقّي إليكم فالأمر سهل والجروح جبار ولا حرج ولا عار، وأوصيكم بالصدق مع الله واستدراك ما فرطتم فيه من الغلظة على المنافقين الذين فتحوا للشرك كل باب، وركن إليهم كل منافق كذاب ؛ وتأمّل قوله بعد نهيه عن موالاة الكافرين ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ) (سورة آل عمران:30) والسلام " ([84]) .

ويمكن أن نوجز جهود الشيخ عبداللطيف في نوازل الحكم والسياسة ومن خلال هذه الرسالة ونظائرها على النحو التالي :-

1 – بيّن الشيخ – زمن تلك الفتنة العمياء – أنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمـامــة، وحقق ذلك من خلال جهود عملية، فأمر بالاجتماع على الإمام وأنكر الخروج عليه ([85]) .

يقول الشيخ عبداللطيف :- "حذرت من الفتنة والمشاقة، والرغبة عن جماعة المسلمين" ولا قصد لي إلا اجتماع المسلمين، ودفع الشر والفساد بحسب الطاقة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها " ([86]) .

2 – بذل الشيخ جهده، فدافع عن المسلمين – أكثر من مرة – تجاه من عزم على استباحة الرياض، وبادر إلى إقامة الصلح وطلب الأمان، فانكشفت الغمة، وتحقق حقن الدماء وصيانة الأموال ([87]) .

3 - قرر الشيخ ثبوت الولاية بالغلبة والقهر، وساق أدلته، فأثبت ولاية سعود بن فيصل بعد أن تغلّب على أخيه عبدالله، كما أثبت ولاية عبدالله لما حصلت له الغلبة..

4 – حذّر الشيخ – في هذه الأحداث المتوترة – من الركون إلى الكافرين وموالاتهم ووصفها بأنها الفتنة الكبرى والمصيبة العظمى، واستفرغ الشيخ وسعه في منع هذا الركون، وحذّر الولاة من مغبة ذلك الركون ([88]) .

5 - ومع أن الشيخ كابد تلك الأحداث الجسام، واجتهد في دفع الشر والفساد، وقدّم نصحه وعالج تلك الفتن بعلم وعدل إلا أنه لم يسلم من قدح وغيبة واتهامه بالهوى والعصبية.

حيث قال في مطلع الرسالة السابقة " فأما ما صدر في حقي من الغيبة والقدح والاعتراض، ونسبتي إلى الهوى والعصبية، فتلك أعراض انتهكت وهتكت في ذات الله أعدها لديه جلّ وعلا ليوم فقري وفاقتي، وليس الكلام فيها . والقصد بيان ما أشكل على الخواص من طريقتي في هذه الفتنة .."

لقد كان الشيخ عبداللطيف من أرباب النفوس الكبيرة فقد تجاوز ذلك القدح في شخصه، وخاطبهم بما يزيل الاشتباه في هذه الفتنة المدلهمة، وختم رسالته بالتأكيد على المذاكرة والمدارسة فيما قد يشكل مع العظة والوصية بالصدق مع الله عز وجل.

جـ - وأما عن العلامة عبدالرحمن السعدي، فمع تميّزه برسوخ في فقه قواعد الشريعة، وما يضادها، ودراية بقواعد المصالح والمفاسد، فقد كان صاحب وعي سياسي ومعرفة بأحوال عصره ونورد على ذلك الأمثلة الآتية:-

1 – حذّر الشيخ السعدي من القوانين الوضعية، وبيّن مفاسدها، كما وضّح عظمة الشريعة الإسلامية وملاءمتها لكل الأحوال والأزمان، فكان مما قاله :

"من أكبر الأغلاط وأعظم الأخطاء استمداد الحكومات الإسلامية والأفراد نُظُمهم من النظم الأجنبية، وهي في غاية الخلل والنقص، وتركهم الاستمداد من دينهم، وفيه الكمال والتكميل ودفع الشر والفساد .

ما بقي من الإسلام إلا اسمه، نتسمى بأننا مسلمون ونترك مقومات ديننا وأسسه، ونذهب نستمدّها من الأجانب، وسبب ذلك الجهل الكبير بالدين وإحسان الظن بالأجانب، ومشاهدة ما عليه المسلمون من الاختلال  والضعف . نشأ عن ذلك كله توجيه الوجوه إلى الاستمداد من الأجانب .." ([89])

2 – قرر الشيخ ضرورة و وجوب معرفة السياسة الدولية ومقاصدها وأحوالها، فقال:- " قد عُلم من قواعد الدين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأن الوسائل لها أحكام المقاصد، ولا يخفى أنه لا يتم التحرز من أضرار الأمم الأجنبية والتوقيّ لشرورها إلا بالوقوف على مقاصدهم ودرس أحوالهم وسياساتهم، وخصوصاً السياسة الموجهة منهم للمسلمين ؛ فإن السياسة الدولية قد أسست على المكر والخداع، وعدم الوفاء، واستبعاد الأمم الضعيفة بكل وسائل الاستعباد، فجهل المسلمين نقص كبير وضرر خطير، ومعرفتها نفعه عظيم، وفيه دفع للشر أو تخفيفه ([90]) " .

3 – ومن تحريراته المهمة في مجال السياسة الشرعية، تجويز الانتفاع  بالوسائل التي يحصل بها حماية المسلمين كالروابط القبلية مثلاً، فمن فوائده المستنبطة من قصة شعيب عليه السلام عند قوله تعالى ):قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ( (سورة هود:91)" حيث قال رحمه الله :-

"ومنها أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة، قد يعلمون بعضها، وقد لا يعلمون شيئاً منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم، وأهل وطنهم الكفار، كما دفع الله عن شعيب رجم قومه، بسبب رهطه، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين، لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعين ذلك، لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان .

فعلى هذا لو سعى المسلمون الذين تحت ولاية الكفار، وعملوا على جعل الولاية جمهورية، يتمكن فيها الأفراد من حقوقهم لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضى على حقوقهم ([91]) "

د. وأما عن الشيخ محمد بن إبراهيم ([92]) فله جهود بارزة واهتمامات ظاهرة بمسألة الحاكمية، فإن من النوازل التي عصفت بالمسلمين في عصره تحكيم القوانين الوضعية وتنحية شرع الله تعالى المنـزل، ويمكن أن نشير – بإيجاز – إلى جهود الشيخ محمد بن إبراهيم في هذا الشأن على النحو الآتي :

1 – يؤكد الشيخ على اختصاص الله وحده بالحكم، فيذكر – رحمه الله – " أن الشرع وحده المتعيِّن للحكم بين الناس، وفصل النـزاع عند ما يحصل التنازع، واعتبار شيء من القوانين للحكم بها و لو في أقل القليل لا شك أنه عدم رضا بحكم الله ورسوله " ([93]) .

وإذا كان بعض المفتونين بالقوانين الوضعية يزعمون أن الشريعة لا تستوعب حل المستجدات المعاصرة، فإن الشيخ يقرر أن الشريعة كفيلة بإصلاح كل أحوال البشرية، ولذا خاطب القضاة بوجوب النظر في جميع القضايا دون إحالتها إلى جهة أخرى فقال : "غير خاف أن الشريعة الإسلامية كفيلة بإصلاح أحوال البشرية في كل المجالات، وفيها كفاية تامة لحل النـزاع وفض الخصام وإيضاح كل مشكل، وفي الإحالة على تلك الجهات إقرار للقوانين الوضعية، وإظهار للمحاكم الشرعية بمظهر العجز والكسل " ([94]) .

ويقول – في رسالة أخرى - : "فأي نزاع كان بين متنازعين سواء البلدية أو غيرها فمرجعه إلى الحكم الشرعي، ومن رام غير هذا فقد رام شططاً وخرج عن الصراط المستقــيم " ([95]) .

ويقول – في موضع ثالث – واصفاً الشرع المنـزّل:- "وهو الشرع المطهر الصالح لكل زمان ومكان، والكفيل بحل مشاكل العالم في أمور دينهم ودنياهم، مهما طال الزمان، وتغيرت الأحوال، وتطور الإنسان ؛ لأن الشريعة قواعد شَرعها المحيطُ علمه بكل شيء، لتنظيم أحوال الناس وحل مشاكلهم على سبيل الدوام، وهو سبحانه العليم الحكيم الذي شرع الشرائع وأوضح الأحكام، وأرأف بعباده المؤمنين، وأعلم بمصالح خلقه من أنفسهم .. ([96]) "

2 – حرص الشيخ على استقلالية القضاء، وتميّز كيانه، وكونه حاكماً لا محكوماً، فمنع من إشراك غير القضاة فيما هو من اختصاصهم فقال : " فاشتراك الأمير أو غيره مع القاضي في شيء يستدعي إصدار صك شرعي لا يسوغ، ومشاركة غير القضاة الشرعيين في أمور شرعية لا يترك للمحكمة أن تستقل بنظر ما هو من اختصاصها. ([97]) "

وفي استقلالية القضاء مصالح عظيمة من قيام بالعدل، و إنفاذ للأحكام الشرعية من خلال أهل الشأن .

3 - فرّق الشيخ بين القوانين الوضعية وبين الأنظمة الإدارية، فسوغ الأنظمة الإدارية التي تعنى بالأحوال الإدارية وما في معناها، ولا تجاوز اختصاصها، بل كان للشيخ رأي وتوجيه لبعض الأنظم الإدارية بما ينفع الناس، ([98]) وحذّر الشيخ وغلّظ من شأن القوانين الوضعية، وكشف عن أخطارها ومفاسدها، وكان له موافق حازمة تجاه أي هيئة أو مؤسسة ذات حكم وضعي كما هو مبسوط في فتاويه ([99]) .

4 – حرر الشيخ محمد بن إبراهيم مسألة الحكم بغير ما أنزل الله تعالى تحريراً علمياً عميقاً كما هو مبسوط في رسالته الموسومة " تحكيم القوانين " حيث استوعبت هذه الرسالة الأحوال التي يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله كفراً أكبر أو أصغر، ومن تلك الأحوال المستجدة في عصره : التحاكم إلى المحاكم الوضعية أو "سلوم" القبائل وعوائدهم، حيث بيّن حالها ووصفها ثم نزّل الحكم الشرعي عليها ([100]) .

هـ - واقتفى العلامة عبدالله بن حميد ([101]) – رحمه الله – أثر شيخه محمد بن إبراهيم في الذبّ عن الشرع المطهر وبيان محاسن الشريعة، والتحذير من القوانين الوضعية وبيان فسادها، فسطّر رسالة مهمة بـعنوان "كمال الشريعة وشمولها لكل ما يحتاجه البشر " فذكر أقسام السياسة الثلاثة (شرعية، وجائزة، وشيطانية )، كما أورد بيان الشريعة للسياسة الداخلية والخارجية، وما تتميّز به الشريعة من الشمول والكمال ([102]) .

كما بيّن – في رسالة أخرى – مكانة القضاء في الإسلام، ما كان عليه قضاة الإسلام من العدل مع كل إنسان وفي كل حال ([103])، ودعا الشيخ – في رسالة ثالثة – لإصلاح القضاء، وذلك بتولية الأكفاء ممن عرف بالعلم والديانة، كما طالب بتيسير إجراءات أصحاب القضايا، وتسهيل معاملاتهم، وذلك بالتخفف من تلك الأنظمة التي من شأنها تعقيد القضايا، وتكليف الخصوم بأعباء يحصل المقصود بدونها، وألمح الشيخ إلى أن إهمال تلك المآخذ وعدم تصحيحها سبب في ميل العامة إلى القوانين الوضعية وظنهم أنها تضمن لهم حقوقهم ([104]) .

وألّف الشيخ ابن حميد رسالة في نقد بعض القوانين المعاصرة، فبيّن ما في موادها من المفاسد والأخطاء، كما كشف عن عوارها وتناقضها ([105])، وختم الرسالة بقوله :-

"أنحن في حاجة إلى تشريع أحد، وكتاب الله بين أيدينا وسنة ورسوله r بين أظهرنا؟ هل الشريعة قاصرة على حل مشاكلنا ؟ كلا والله ثم كلا، إنها والله الكافية الوافية، التي لم تدع شيئاً مما يحتاج إليه البشر في ماضي الزمان وحاضره ومستقبله إلا أتت به على الوجه الأكمل وأوضحه وأعدله .

ويا عجباً : أترمى شريعتنا بالتقصير في حل مشاكلنا، ونمد يد الفقر والحاجة إلى أعدائنا، ليعلمونا حل مشاكلنا؟ أيشهد أعداؤنا بكمال الشريعة ونضوجها وصلاحها لكل زمان ومكان، ونكذبهم بأفعالنا ؟

أيعدل عن الشريعة الكاملة العدل إلى نظم في غاية من التناقض والظلم والجور ؟ يشهد بعضها على بعض بعدم ملاءمتها، ووضوح تناقضها ؟ ([106]) " .

 

3 – نوازل المذاهب المعاصرة والأفكار الوافدة

عرض لجزيرة العرب ما عرض لسائر بلاد المسلمين، فظهرت مذاهب حادثة وأفكار وافدة، وكان لعلماء الدعوة في نجد مساعي مشكورة تجاه تلك المذاهب والأفكار، حيث تعرّفوا على حقائقها و كشفوا عن عوارها وباطلها، وكتبوا الردود والأجوبة عنها بعلم وعدل، وسنسوق نماذج من تلك المذاهب والأفكار مع بيان جهود علماء الدعوة نحوها

ا – التنصير :

1 – قدم البحرين مندوب إنجليزي – قبيل الاستعمار الانجليزي – وكان قسيساً نصرانياً، ومعه كتاب يحوي شبهات في إثبات صحة النصرانية وتوهين دين الإسلام فعرضه على حاكم البحرين عبدالله بن أحمد بن خليفة، وطلب منه عرضه على علماء البحرين ليجيبوا عنه أو يقرّوا بصحة ما فيه إن عجزوا، فعرضه عبدالله بن خليفة فقالوا لا نستطيــع الردّ عليه، ولا على دفع الشبه التي فيه، ثم بعثه إلى علماء الأحساء فكان جوابهم مثل جواب أهل البحرين، وانقطع الجميع عن الردّ عليه، فاغتم حاكم البحرين، فقال له أحد خواصه، إنه يوجد في البحرين شاب من طلبة العلم بنجد فأرى أن تعرضه عليه عسى أن يكون له عنده جواب، فأعطى ابن خليفة الكتاب لرفيقه ليدفعه إلى الشيخ عبدالعزيز بن حمد بن معمر ([107])، فعرضه عليه وقص عليه الأمر، وتصفحه ثم أمعن النظر فيه وقال: سأعطيكم الجواب عليه بعد شهر إن شاء الله تعالى، فلم يمض الشهر حتى دفع إليهم الجواب السديد واسمه "منحة القريب المجيب في الردّ على عباد الصلبيب "، ففرح بالكتاب حاكم البحرين، ثم دعا القسيس الإنجليزي وناوله الرد، فلما قرأه دهش من قوة الجواب وسداد الرأي ([108]) .

2 – جاء في رسالة خطية كتبها الشـيخ أحمـد بن إبراهيم بن عيسى سنة 1310هـ ([109]) أن له مؤلفاً بـعنوان "القول الكفيل برد البرهان الجليل " وهو ردّ على رسالة سماها صاحبها "البرهان الجليل في صحة التوراة والإنجيل " وذكر ابن عيسى أن للشيخ حسن حسين الطويراني ([110]) كتاباً بـعنوان "دليل أهل الإيمان في صحة القرآن " في الرد على البرهان الجليل، وقد أثنى ابن عيسى على هذا الكتاب كما أعقب ذلك بجملة من الملحوظات .

3 – كان الشيخ محمد رشيد رضا ([111]) قد طالب المسلمين بتأليف جمعية إسلامية في البحرين والكويت، وقال : " فعليهم أن يؤلفوا جمعية للدفاع عن دينهم يكون أول عملها مجاهدة هؤلاء الدعاة المبشرين بمثل ما يجاهدون المسلمين به.. ([112])" وقد بادر المحسن مقبل بن عبدالرحمن الذكير ([113]) فأنشأ نادياً في البحرين سنة 1330هـ باسم "النادي العربي الإسلامي" من أجل تحرير المقالات وإعداد الردود على النصاري الذين انتشروا في أطراف الجزيرة العربية، وقد تولى الشيخ محمد بن عبدالعزيز المانع ([114]) - رحمه الله – رئاسة النادي المذكور، وقام به خير قيام ([115]) .

لقد انتشر مذهب السلف الصالح في بلاد الخليج على يد علماء الدعوة وأتباعهم، وكان انتشاره سبباً في مكافحة المنصرين ومقاومتهم ([116]).

وهذا أمر معلوم تثبته وقائع التاريخ فإن ظهور السنة يلازمه عز الإسلام وأهله وذل الكافرين كما حصل في خلافة المتوكل على الله والقادر ونحوهما ([117]) .

ب – الزندقة والإلحاد :

ظهرت الشيوعية في القرن الرابع عشر الهجري، وامتد إلحادها إلى كثير من البلدان، فوجد من يدعو إلى إنكار وجود الله تعالى والانسلاخ من الدين والطعن في الغيبيات، كما وقع من عبدالله بن علي القصيمي ([118])، والذي كان معروفاً بالعلم وله تصانيف حسنة في عقيدة السلف والردّ على المخالفين، ثم انتكس وسلك طريق الزندقة والكفر البواح، وألّف كتباً إلحادية مثل  "هذه هي الأغلال، " العالم ليس عقلاً "، فقام علماء الدعوة السلفية بالذبّ عن دين الله تعالى ونقض أصول الملحدين وشبهاتهم، ومن تلك الجهود ما يلي :-

1 – ألّف الشيخ إبراهيم بن عبدالعزيز السويح ([119]) - رحمه الله- كتاباً بـعنوان "بيان الهدى من الضلال في الردّ على صاحب الأغلال " و يتكون من مجلدين، ويقارب مائتين وألف صفحــة، فهو أوسع كتاب في الرد على القصيمي، ويتميّز هذا الكتاب بمزايا مهمة منها :-

- حوى الكتاب جوانب مهمة تتعلق بحياة القصيمي مثل أسباب ردته، والحديث عن سلوكياته وأخلاقه ([120])، كما نقل حكم العلماء على القصيمي بالردة والكفر الصراح، كالشيخ محمد بن إبراهيم وعبدالله العنقري و عبدالله بن حسن آل الشيخ ([121]) .

- برع المؤلّف في كشف تناقض القصيمي في أغلاله، فربما أثبت ما نفاه، وكذا العكس ([122]) .

- حوى الكتاب على نقد لاذع وهجوم ساخر مقابلةً للقصيمي في سخريته بالدين وأهله ([123]) .

- حفل الكتاب بردود عقلية محكمة وأجوبة مسددة، فربما قلب الشيخ السويح الدليل على القصيمي فجعله حجة عليه، كما تميّز المؤلف بدقته ورسوخه في إيراد المآخذ على الأغلال ([124]) .

- تميّز المؤلّف – في هذا الكتاب – بسعة اطلاعه، ورجوعه إلى مصادر متنوعة، لاسيما فيما يتعلق بالكتب المعاصرة مثل : جمعية أم القرى للكواكبي، والفلسفة القرآنية للعقاد، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا، والعبرات للمنفلوطي، وحضارة العرب لجوستاف لوبون ونحـوه ([125]) .

- يلحظ ما تحلى به المؤلف من وعي بواقع العالم المعاصر ودراية بأحوال الأمم وثقافاتهم وسياساتهم ([126]) .

2 – وأما الشيخ عبدالرحمن السعدي فقد فاق أقرانه وأهل عصره في مجاهدة الملاحدة ونقض أصولهم، فكتب ثلاثة مؤلفات مفردة في هذا المجال .

فأما الكتاب الأول فهو "تنـزيه الدين وحملته مما افتراه القصيمي في أغلاله " حيث تميّز هذا الكتاب بأمور منها :

-  ذكر المؤلف خلاصة (الأغلال ) وأهم أصوله ومقاصده، وبيّن أن كتاب "هذه هي الأغلال " يدور على أمرين :-

1 – أن المسلمين في هذا العصر متأخرون عن غيرهم في الاختراعات والصناعات.

2 – أن غيرهم مهر في هذه الأمور مهارة فائقة، ورتّب على ذلك أنه يجب رفض ما عليه المسلمون من عقائد وأعمال، وقرر في كتابه أن الإسلام أغلال وقيود تقيد الإنسانية عن التقدم والارتقاء، ثم نقض السعدي تلك الأصول الفاسدة، وســاق جملة من محاســن الإسلام ومزاياه ([127]) .

 - تميّز مؤلفه بالموضوعية والعدل والرحمة، فقد أشار المؤلف إلى كتب القصيمي السابقة في نصرة الحق والردّ على المبتدعين والملحدين، وقال عن الأغلال " ونحن لا ننكر ما في كلامه من المعاني الصحيحة وإن لم يكن هو أول من قالها ([128]) "

 - وقال – في موطن آخر -: "ونرجو الله أن يعيده إلى الحق والتنصل ونقض ما كتبه واجترأ عليه ([129]) "

- وجاء في آخر الكتاب :- " فوالله إننا لنأسف أشد الأسف على انقلاب هذه الرجل، ونعدّ ذلك من الخسائر علينا، حيث فقدنا هذه الرجل الذي مضى له من المقامات ونصر الحق ما لا ينكر ([130]) "

- ومع هذه الموضوعية والرحمة فإن المؤلف بيّن شناعة هذا الكتاب، وما فيه من الكفر البواح والردّة المغلّظة فقال: " من نظر فيه وتأمّله حق تأمّله عرف أنه ما كتب أشدّ وطأة وأعظم عداوة ومحاربة للدين الإسلامي ومنفراً منه، وأنه ما اجترأ أحد من الأجانب وغيرهم بمثل ما اجترأ عليه هذا الرجل، ولا افترى مفترٍ على الدين كافترائه، وما صرح أحد بالوقاحة والاستهزاء بالدين وأصوله كاستهزائه وسخريته ؛ فإن اشتمل على نبذ الدين ومنابذته ومنافقته، ثلاثة لا تبقي من الشر شيئاً إلا تضمنتــه فإنه صريح في الانحــلال عن الدين بالكلية ([131]) "

وأوضح الســعدي أن الكتاب موجهٌ إلى قلب الدين وروحه، وإلى هدم علومه وجميع مقوماته ([132]) .

ولما ساق السعدي كلام القصيمي بأن الإيمان بالله يمنع الرقي وأنه غلّ يمنع من الخير والصلاح، قال معلّقاً :- " وقول وصل إلى هذا الحدّ ليس بعده تقدم إلى الكفر وإنما هو  النهاية في الكفر والتعطيل والجحود لربّ العالمين ([133]) ".

- يتجلى وعي السعدي ودرايته بأحوال زنادقة هذا العصر حيث ألمح إلى أن القصيمي عميل من قبل جهات أجنبية ([134])، وبيّن في موطن آخر تهافت أعذاره وتفاهتها فقال السعدي : " وهذا الرجل لابد قد شعر أن الناس لا يشكون ولا يمترون في منافات كتابه وأقواله للدين، فتراه في مطاوي كتابه يعتذر ويدّعي أنه مؤمن بالله ورسوله وبرئ من الإلحاد، أفيظن أن الناس يقيمون لاعتذاره وزناً ؟ وكيف تقع اعتذاراته الطفيفة التافهة في جانب حملاته الشديدة على الدين، والحث البليغ على نبذه وعلى سلوك طريق الملحدين ([135]) "

كما أشار الشيخ إلى صفاقة القصيمي فقال : " وهذا الرجل لم يسلك مسلك الحذّاق من الملحدين الذين يموهون بأشياء تروج على كثير من الناس، ولكن جاء إلى أظهر الأشياء وأجلاها وأوضحها، فأنكره غاية الإنكار، وكابر فيه أعظم مكابرة ([136]) ".

وأما الكتاب الثاني فعنوانه : "الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين "، ويتميّز بأمور منها:

-  ذكر المؤلف أن أصل الإلحاد هو إبطال الشرائع والشك فيها، والإيمان بالمحسوس، وأشار إلى أن أصول الإلحاد تعود إلى أرسطو اليوناني ([137]) .

- تضمن الكتابُ ثلاثاً وثمانين وجهاً في الرد على الملحدين .

- استفاد السعدي من كلام شيخ الإسلام – في نقض التأسيس- في الرد على الفلاسفة الملاحدة، وأتمه بأجوبة أخرى .

- بيّن السعدي أن أعظم ما يُبطل الإلحاد معرفةُ دين الإسلام والعمل به، وأنه بطبيعته وبراهينه يضمحل معه كل باطل من كل وجه، وأن حال المسلمين اليوم في تفرقهم وتركهم جمهور مقومـات دينهم حتى انحلوا وضعفــوا صار فتنة للكفار والمنافقين وشبهة لمن يريد التلبيس ([138]) .

وأما الكتاب الثالث فهو " انتصار الحق " ([139])، وهي رسالة صغيرة لا تزيد عن سبع عشرة صفحة تحوي محاورة لطيفة بين مؤمن وشخص آخر تلبّس بالإلحاد، وساق المؤلف من خلالها شبهات الملاحدة، وبيّن حالهم، ثم أورد أجوبة جلية عن أهل الإلحاد، وبيّن محاسن الإسلام ومزاياه، وتحقيقه السعادة في الدارين، وانتهت هذه المحاورة بتوبة الملحد وعودته إلى الإسلام ..

 ولم يقتصر السعدي على هذه الكتب الثلاثة فحسب، بل تضمنت الكثير من كتبه الأخرى أجوبة محررة عن دعاوى الملحدين ([140]).

ولا غرابة أن يهتم السعدي بالردة على الملاحدة، فقد استفحل الإلحاد في عصره، واستحوذ على كثير من الناس، وكما قال السعدي مبيناً ذلك:  "ومتى تأملتَ أحوال البشر، وكيف سرى الإلحاد فيهم بصورة هائلة، وزخرفت له الأقوال، وروج بأساليب متنوعة، ونصر بالقوى المادية وجرف بفتنته وتياره الخلق الكثير ([141]) " .

وقال – في شأن الملاحدة -: "ولم تزل هذه الطائفة الخبيثة في نمو وازدياد حتى طمّ بحرهم في هذه الأوقات الأخيرة، وانسلخوا عن أديان الرسل من جميع أمور الغيب، ونشأ الإلحاد، وطغى الماديون الذين ينكرون ما لم تصل إليه عقولهم .. ([142]) " .

والمتأمل فيما كتبه العلامة السعدي عن الإلحاد وأهله، يلحظ عدة أمور منها :

- تميّز السعدي باستبانة سبيل المجرمين، ودراية بنظريات الإلحاد، ومن ذلك نقده لنظرية دارون أثناء حديثه عن الفوائد المستنبطة من قصة آدم أبي البشر عليه السلام حيث قال:- " نبغت في هذه الأزمان المتأخرة فرقة خبيثة زنادقة أنكروا جميع ما جاءت به الرسل، وأنكروا وجود الباري، ولم يثبتوا من العلوم إلا العلوم الطبيعية التي وصلت إليها معارفهم القاصرة .

فبناء على هذا المذهب الذي هو أبعد المذاهب عن الحقيقة شرعاً وعقلاً، أنكروا آدم وحواء، وما ذكره الله ورسوله عنهما، وزعموا أن هذا الإنسان كان حيواناً قرداً أو شبيهاً بالقرد، حتى ارتقى إلى هذه الحال الموجودة، وهؤلاء اغتروا بنظرياتهم الخاطئة.. ([143]) "

وقال في الردّ على القصيمي :- " فتجرّأ هذا الرجل وترك ما أخبرت به الرسل والكتب السماوية، وسلك مسلك ملاحدة الطبائعيين، الذين نظروا نظرية خرافية تسمى تظرية دراون الإنكليزي، مآلها تسلسل الإنسان عن القرد، والقرد عن كلب أو حيوان دونه، وهكذا خطّأهم فيها قومهم فضلاً عن الرسل وأتباعهم .. ([144]) " .

وتحدث  عن اضطراب نظريات الملاحدة قائلاً : "شاعت بين أهل الفلسفة كثير من النظريات التي تشبه الفوضى، وكَثُر تعظيم الملحدين وتقليدهم في منتهى نظرياتهم التي بنوها على ظنون وتخرصات وتجارب يكثر خطأها، وهم في تلك النظريات مضطربون بل هم متناقضون، ومن وقف على نظرياتهم الخاطئة أخذه العجب من كثرة اضطرابها وتناقضها، ويرى فريق منهم رأياً ثم يأتي فريق و ينقضه ويثبت له نظرية غيرها. ([145]) " .

- كانت أجوبة السعدي عن ملاحدة عصره ذات شمول واستيعاب، فلم يقتصر على مجرد إثبات وجود الله أو الردّ على من قال إن الحوادث صدفة، بل ردّ على عموم اعتراضاتهم ودعاويهم، فقرر معجزات الأنبياء عليهم السلام، وردّ على المنكرين الملحدين، كما ردّ على الماديين في موضوع السنن الكونية، وأجاب عن شبهات الملحدين كقولهم إن الحدود والعقوبات الشرعية غير لائقة، ودعواهم حرية الفكر ([146]) .

- لم يكتف السعدي بمجرد الردّ على الملاحدة، بل كان يورد حقائق مهمة وتقريرات نافعة في معالجة نازلة الإلحاد، فيبيّن أن الإيمان علاج مشاكل الحياة ([147])، ويؤلف رسالة مستقلة بـعنوان "الدين الصحيح يحل جميع المشاكل ([148]) " ويؤكد من خلالها ملائمة دين الإسلام للحياة وعلاجه لمشاكل الفقر والغنى، والمرض والصحة، والحرب والسلم ونحوها، فلما تحدّث السعدي عن مشكلة العلم – مثلاً-، حدد مفهومه قائلاً : " أما مدلول العلم النافع ومسماه الذي دلّ عليه الكتاب والسنة فهو كل علم أوصل إلى المطالب العالية، وأثمر الأمور النافعة، لا فرق بين ما تعلق بالدنيا أو الآخرة، فكل ما هدى إلى السبيل ورقّى العقائد والأخلاق والأعمال فهو من العلم " ([149]) .

- لم يكن السعدي مقتصراً على النقل من كتب ابن تيمية، بل كان متأثراً بطريقته في الردّ والاستدلال، فعلى سبيل المثال ردّ ابن تيمية على الفلاسفة والمتكلمين، والسعدي ردّ على أفراخ الفلاسفة، وهم الملاحدة الشيوعيون، كما ردّ على أفراخ المتكلمين، وهم العصريون – كما سيأتي بيانه إن شاء الله -  .

وإذا كان ابن تيمية يقول : "أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله ([150]) "، فإن السعدي يستدل بالمخترعات الحديثه على قدرة الله تعالى وإثبات المعاد، على النقيض مما توهمه الملاحدة أن هذه المخترعات والعلوم دليل على إنكار الخالق وتكذيب الرسل ([151]) .

3 – وألّف الشيخ عبدالله بن علي بن يابس ([152]) " الرد القويم على ملحد القصيم " ويتكون هذا الكتاب من ثمان وأربعين وأربعمائة صفحة، فكان يسوق النص من كتاب هذه هي الأغلال ثم يتبعه بالرد والنقض، وهي ردود تدل على سعة اطلاع مؤلفها وقوة حجته ..

كما بيّن المؤلف ردّة القصيمي من وجوه متعددة، كما ساق أمثلة من إلحاده المكشوف ومديحه للاستعمار والذندقة، وتهكمه بالإسلام وسخريته بالشريعة ([153]) .

وتميّز "الرد القويم" بأن مؤلفه قد صحب القصيمي في مصر أثناء طلبهما العلم في جامع الأزهر، وأقاما معاً في رواق واحد، كما ضمّن كتابه معلومات مشاهدة ووقائع حادثة في بيان زندقة القصيمي، كما أشار الشيخ ابن يابس أن بداية زندقة القصيمي منذ أكثر من خمسة عشر عاماً من صدور كتاب هذه هي الأغلال ([154]) .

وتميّز الكتاب أيضاً بإيراده  مواقف بعض العلماء والمفكرين – في مصر – من القصيمي، فساق انتقاد حسين يوسف – زعيم شباب سيدنا محمد r - و أورد نقداً بليغاً لسيّد قطب تجاه الأغلال سنة 1365هـ حيث وصفه بالنفاق والسفسطة، وبيّن عمالته ودعايته للاستعمار، كما أورد مجادلة الشيخ عبدالعزيز بن راشد للقصيمي ([155]).

4 – وكتب الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري ([156]) - رحمه الله – عدة أجوبة في الرد على الملاحدة والاشتراكية، إذ كان على دراية بالمذاهب المعاصرة، ومعرفة بأحوال أمة الإسلام ومخططات أعدائها .

فنظم قصيدة طويلة في الرد على الشاعر القروي النصراني ([157])، ونظم قصيدة تائية في الردّ على المشككين بالقدر، وكتب الشيخ الدوسري رداّ على القوميين، والاشتراكيين، وجاء هذا الرد في حلقات متعددة نشرت في جريدة القصيم ([158])، كما ألّف كتاب "الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة " تضمن تقرير مسائل مهمة في الاعتقاد، وتفنيد مذاهب وآراء إلحادية، وحوى تفسيره عدة ردود على الماركسيين، وسائر المذاهب الإلحادية، فساق أجوبة محكمة في الرد على آراء الملاحدة كقولهم بالمادية الجدلية ونظرية دارون وغيرها ([159])، كما بيّن الشيخ أن هؤلاء الملاحدة الشيوعيين لما تركوا عبادة الله تعالى وجحدوا ربهم عز وجل، اشتغلوا بعبادة البشر، بل أسوأ البشر من أمثال لينين و أضرابه ([160]) وكان الشيخ ذا بصيرة نافذه، عزيزاً بدين الله تعالى، ومن تحذيره من حماس بعض المسلمين زمن الانبهار بالقومية والاشتراكية ونحوها إذ أطلقوا هذه المذاهب على دين الله تعالى، فقال : "وفرق عظيم بين تعبيد الله لعباده في سورة الفاتحة، وبين خيالات بعض المسلمين الذين يدفعهم حماسهم للدين إلى نسبة كل شيء مستحدث للإسلام، ففي الوقت الذي طغت فيه كلمة (الديمقراطية) على ألسنة الماديين رأينا من يسمي الإسلام (ديمقراطياً)، ثم في الوقت الذي طغت فيه القومية من يكتب عن قومية الإسلام .. والناس لا يجذبهم إلى الإسلام تسميته بهذه المسميات الجديدة ..  والقضية لا تكمن وراء تغيير الأسماء، وإنما القضية قضية تطهير للقلب وتحرير للروح من جميع الأغراض النفسية والعلائق الأرضية، وحصر للاتصال بالله تعالى فقط ([161]) ".

جـ - العصرانية (عصرانية الإسلام ):

إذا كان المتكلمون الأوائل أرادوا التوفيق بين الأدلة النقلية وبين ما أسموه أدلة عقلية فحرفوا النصوص الشرعية وخالفوا أموراً معلومة من الدين بالضرورة، فإن العصرانيين في هذا الزمان أرادوا التوفيق بين الدين وبين العلم التجريبي والمخترعات الحديثة، فغلوا في تعظيم العقل، وتأولوا الغيبيات تأويلات فاسدة، وفرّطوا في أحكام الشريعة .

وسنعرض لشيء من جهود علماء الدعوة السلفية بنجد ومواقفهم نحو العصرانيين وآرائهم .

أ – بعث الشــيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع رســالة إلى الشيخ سليمان بن سمحان ([162]) 1340هـ تضمنت انتقاداً حاداً لمحمد رشيد رضا في دعوته للتقريب بين أهل السنة والرافضة ([163])، كما عاب على تلك المدرسة الإصلاحية إنكارهم للنسخ فقال : "وينكرون النسخ في القرآن ويقولون لا ناسخ ولا منسوخ وقد صرّح بذلك صاحب المنار في مناره مراراً ([164]) " .

ب – عني العلامة السعدي بالردّ على العصريين والجواب عن شبهاتهم، ومن ذلك قوله رحمه الله:-  "فسّر طائفة من العصريين سجود الملائكة لآدم أن معناه تسخير هذا العالم للآدميين .. ولا يستريب مؤمن بالله واليوم الآخر أن هذا تحريف لكتاب الله، لا فرق بينه وبين تحريف الباطنية والقرامطة .. ([165]) " .

وردّ على العصريين الذين تأوّلوا المعجزات تأويلات فاسدة فقال :- " إن بعض أهل العلم العصريين الذين يتظاهرون بنصر الإسلام،والدخول مع هؤلاء الزنادقة في الجدال عنه يريدون باجتهادهم أو اغترارهم أن يطبقوا السنن الإلهية، وأمور الآخرة على ما يعرفه العباد بحواسهم ويدركونه بتجاربهم، فحرّفوا لذلك المعجزات، وأنكروا البينات، ولم يستفيدوا إلا الضرر على أنفسهم وعلى من قرأ كتاباتهم في هذه المباحث، إذ ضعف إيمانهم بالله بتحريفهم لمعجزات الأنبياء تحريفاً يؤول إلى إنكارها.. ولم يحصل ما زعموه من جلب الماديين إلى الهدى والدين، بل زادوهم اغراء في مذاهبهم .. ([166])  " " .

وأكّد الشيخ على وجوب التسليم للغيبيات، وبيّن غلط مسلك العصريين الخائضين بعقولهم في عالم الغيب، فلما قرر وجوب التسليم التام لأمور الغيب بلا قيد ولا شرط قال : "ونعرف بذلك غلط المجارين للماديين من العلماء العصريين، واعتذارهم بأن قصدهم التقريب للأمور الغيبية من الأمور المادية المدركة بالحواس اعتذار فيه خطل وغلط كبير، فإن الماديين الذين لا يؤمنون بغير المادة والطبيعة هم منكرون للرب ولرسله واليوم الآخر، فالواجب التكلم مع أمثال هؤلاء في براهين التوحيد والرسالة والمعاد ([167]) " .

وما أروع ذاك التقرير الذي سطّره السعدي في شأن العصريين الحريصين على تقريب شرائع الإسلام للأنظمة المعاصرة حيث قال : "وبهذا تعرف غلط من يريد نصر الإسلام بتقريب نظمه إلى النظم التي جرت عليها الحكومات ذات القوانين والنظم .. فإنها هي التي تتقوّى وتقوّى إذا وافقته في بعض نظمها، وأما الإسلام فإنه غني عنها، مستقل بأحكامه، لا يضطر إلى شيء منها، ولو فرض موافقته لها في بعض الأمور، فهذا من المصادفات التي لابدّ منها، وهو غني عنها في حال موافقتها أو مخالفتها، فعلى من أراد أن يشرح الدين ويبيّن أوصافه أن يبحث فيه بحثاً مستقلاً لا يربطه .

بغيره أو يعتز بغيره، فإن هذا نقص في معرفته وفي الطريق التي يبصر بها، وقد ابتلى بهذا كثير من العصريين بنية صالحة، ولكنهم مغترون بزخارف المدنية الغربية التي بنيت على تحكيم المادة وفصلها عن الدين ([168]) .."

وبعث العلامة السعدي إلى الشيخ محمد رشيد رضا الرسالة التالية :-

"من عنيزة إلى قاهرة مصر في رجب 1346 هـ .

(بسم الله الرحمن الرحيم)

أبعث جزيل التحيات، ووافر السلام والتشكرات، لحضرة الشيخ الفاضل السيد محمد رشيد رضا المحترم حرسه الله تعالى من جميع الشرور، ووفقه وسدده في كل أحواله آمين .

أما بعد : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فالداعي لذلك ما اقتضاه الحب ودفعه الود المبني على ما لكم من المآثر الطيبة التي تستحقون بها الشكر من جميع المسلمين، ودفع باطل الجاهلين والمعاندين، رفع الله قدركم وأعلى مقامكم، وزادكم من العلم والإيمان ما تستوجبون خير الدنيا والآخرة، وأنعم عليكم بنعمه الظاهرة والباطنة.

ثم إننا نقترح على جنابكم أن تجعلوا في مناركم المنير بحثاً واسعاً لأمر نراه أهم البحوث التي عليها تعولون، وأنفعها لشدة الحاجة، بل دعاء الضرورة إليه، ألا وهو ما وقع فيه كثير من فضلاء المصريين، وراج عليهم من أصول الملاحدة والزنادقة من أهل وحدة الوجود والفلاسفة، بسبب روجان كثير من الكتب المتضمنة لهذه الأمور ممن يحسنون بهم الظن، ككتب ابن سينا وابن رشد وابن عربي ورسائل إخوان الصفا، بل وبعض الكتب التي تنسب للغزالي وما أشبهها من الكتب المشتملة على الكفر برب العالمين، والكفر برسله وكتبه واليوم الآخر، وإنكار ما علم بالضرورة من دين الإسلام، فبعض هذه الأصول انتشرت في كثير من الصحف المصرية، بل رأيت تفسيراً طبع أخيراً منسوباً لطنطاوي  جوهري، قد ذكر في مواقع كثيرة في تفسير سورة البقرة شيئاً من ذلك، ككلامه على استخلاف آدم، وعلى قصة البقرة والطيور ونحوها، بكلام ذكر فيه من أصول وحدة الوجود، وأصول الفلسفة المبنية على أن الشرائع إنما هي تخييلات وضرب أمثال لا حقيقة لها، وأنه يمكن لآحاد الخلق ما يحصل للأنبياء، ما يجزم المؤمن البصير أنه مناقض لدين الإسلام، وتكذيب لله ورسوله، وذهاب إلى معان يعلم بالضرورة أن الله ما أرادها، وأن الله بريء منها ورسوله، ثم مع ذلك يحث الناس والمسلمين على تعلّمها وفهمها، ويلومهم على إهمالها وينسب ما حصل للمسلمين من الوهن والضعف بسبب إهمال علمها وعملها .

ويح من قال ذلك ! لقد علم كل من عرف الحقائق أن هذه العلوم هي التي أوهنت قوى المسلمين وسلطت عليهم الأعداء، وأضعفتهم لزنادقة الفرنج وملاحدة الفلاسفة، وكذلك يبحث كثير منهم في الملائكة والجن والشياطين، ويتأولون ما في الكتاب والسنة من ذلك بتأويلات تشبه تأويلات القرامطة، الذين يتأولون العقائد والشرائع، فيزعمون أن الملائكة هي القوى الخيرية التي في الإنسان فعبر عنها الشرع بالملائكة، كما أن الشياطين هي القوى الشريرة التي في الإنسان فعبر عنها الشرع بذلك، ولا يخفى أن هذا تكذيب لله ولرسله أجمعين، ويتأولون قصة آدم و إبراهيم بتأويل حاصله أن ما ذكر الله في كتابه عن آدم وإبراهيم ونحوهما لا حقيقة له وإنما قصد به ضرب الأمثال :-

وقد ذكر لي بعض أصحابي أن مناركم فيه شيء من ذلك، وإلى الآن ما تيسر لي مطالعته، ولكن الظن بكم أنكم ما تبحثون عن مثل هذه الأمور إلا على وجه الرد لها، والإبطال كما في عادتكم في رد ما هو دونها بكثير .

وهذه الأمور يكفي في ردها في حق المسلم المصدق للقرآن والرسول مجرد تصورها، فإنه إذا تصورها كما هي يجزم ببطلانها، ومناقضتها للشرع، وأنه لا يجتمع التصديق بالقرآن وتصديقها أبداً، وإن كان غير مصدق للقرآن ولا للرسول صار الكلام معه كالكلام مع سائر الكفار في أصل الرسالة وحقيقة القرآن .

وقد ثبت عندنا أن زنادقة الفلاسفة والملحدين يتأولون جميع الدين الإسلامي، التوحيد والرسالة والمعاد والأمر والنهي بتأويل يرجع  إلى أن القرآن والسنة كلها تخييلات وتمويهات لا حقيقة لها بالكلية، ويلبسون على الناس بذلك، ويتسترون بالإسلام وهم أبعد الناس عنه، كما ثبت أيضاً عندنا أنه يوجد ممن كان يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر، ويعظّم الرسول وينقاد لشرعه، وينكر على هؤلاء الفلاسفة، ويكفِّرهم في أقوالهم أنه يدخل عليه شيء من هذه التأويلات من غير قصد ولا شعور، لعدم علمه بما تؤول إليه، ولرسوخ كثير من أصول الفلسفة في قلبه، ولتقليد من يعظّمه، وخضوعاً أيضاً ومراعاة لزنادقة علماء الفرنج الذين يتهكمون بمن لم يوافقهم على كثير من أصولهم، ويخافون من نسبتهم للبلادة، وإنكار ما علم محسوساً بزعمهم ؛ فبسبب هذه الأشياء وغيرها دخل عليهم ما دخل، فالأمل قد تعلق بأمثالكم لتحقيق هذه الأمور وإبطالها، فإنها فشت وانتشرت وعمت المصيبة بها الفضلاء فضلاً عمن دونهم، ولكن لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة يهتدي به الضالون، وتقوم به الحجة على المعاندين .

وقد ذكرت لحضرتكم هذه الأشياء على وجه التنبيه والإشارة لأن مثلكم يتنبه  بأدنى تنبيه، ولعلكم تجعلونه أهم المهمات عندكم ؛ لأن فيه الخطر العظيم على المسلمين، وإذا لم ير الناس لكم فيه كلاماً كثيراً وتحقيقاً تاماً، فمن الذي يعلق به الأمل من علماء الأمصار؟ والرجاء بالله أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه ويجعلنا وإياكم من الهادين المهتدين إنه جواد كريم . وصلى الله على محمد وسلم .

                                                  محبكم الداعي

عبدالرحمن بن ناصر السعدي ([169]) " .

 

تسترعي القارىء لهذه الرسالة جملة أمور منها :

- سعة اطلاع الشيخ عبدالرحمن السعدي – رحمه الله – وبعد أفقه، حيث طالع مجلة المنار، وأثنى عليها خيراً، وأبدى شيئاً من مآثرها في نصرة الإسلام والمسلمين، مع أن المجلة تكاد تكون معدومة الانتشار في نجد آنذاك، بدليل أن الشيخ محمد رشيد رضا – في جوابه على رسالة السعدي – يقول : "كنت منذ سنين كثيرة أتمنى لو يطلع علماء نجد على المنار، ويفتح بيني وبينهم البحث والمناظرة العلمية الدينية فيما يرونه منتقداً لينجلي وجه الصواب فيها، وقد كنت كتبت إلى إمامهم ([170]) بذلك، وإنني سأرسل إليه عشر نسخ من كل جزء ليوزعها على أشهرهم، وفعلت ذلك عدة سنين، ولكن لم يأتني منه جواب، ثم ترجّح عندي أن تلك النسخ كانت تختزل من البريد البريطاني في سنيّ الحرب وما بعدها ([171]) "، بل إن الشيخ السعدي قد طالع تفسير "الجواهر في تفسير القرآن" لطنطاوي جوهري، مع أن البلاد السعودية قد منعت هذا الكتاب، ولم تسمح بدخوله إلى بلادها، لما تضمنه من مزالق وانحرافات ([172]) .

- وتكشف هذه الرسالة فقه الشيخ السعدي لواقعه، وإحاطته بتحديات عصره حيث أكّد الشيخ على أهمية الرد على الإلحاد والملاحدة، كما سبق ذكره .

- وتبيّن هذه الرسالة ما عرف عن الشيخ السعدي من خلق حسن، وأدب  رفيع، وحكمة في الدعوة، فقد كان – رحمه الله – رفيقاً متأنياً في النقد والتقويم، فقال – رحمه الله -: "وقد ذكر لي بعض أصحابي أن مناركم فيه شيء من ذلك  وإلى الآن ما تيسر لي مطالعته، ولكن الظن بكم أنكم ما تبحثون عن مثل هذه الأمور إلا على وجه الردّ لها والإبطال، كما هي عادتكم في ردّ ما هو دونها بكثير"

- أطنب الشيخ السعدي في التحذير من مزالق العصريين، وما تلبّسوا به من تحريف للعقائد والشرائع، ونبّه إلى أسباب تأثر العصريين بآراء الملاحدة، إما لعدم علمهم بما تؤول إليه تأويلات الملاحدة، وإما مجاراة لزنادقة  الغرب الذي يتهكمون بمن لم يوافقهم على كثير من أصولهم .

جـ - ألّف الشيخ عبدالله بن يابس كتاباً بـعنوان "إعلام الأنام بمخالفة شيخ الأزهر شلتوت للإسلام"، وهو ردّ على كتاب " الإسلام عقيدة وشريعة " للشيخ محمود شلتوت، حيث يورد ابن يابس كلام شلتوت نصاً، ثم يتبعه بالردّ من وجوه متعددة، ومع أن المؤلف قد تغلبه الحدة والتغليظ على المردود عليه ([173])، إلا أنه يكشف عن معرفة جيدة بالأحوال الفكرية لمصر ([174])، حيث إن المؤلف أقام مدة طويلة في مصر، ودرس في الجامع الأزهر .

وناقش ابن يابس شلتوت في مسائل في التلقي والاستدلال، كدعوى أن الأدلة النقلية لا تفيد اليقين، وأن خبر الآحاد لا يفيد العلم ولذا لا تثبت به العقائد، واحتجاج شلتوت بأحاديث لا تثبت ([175])، كما ردّ ابن يابس على شلتوت في مسائل عقدية نازلة، كقوله بحرية الفكر مطلقاً، ودعواه أن اختلاف الدين لا يبيح العداوة والبغضاء، وأن الكفر ليس مبيحاً للدم، وإنما المبيح هو مجرد المحاربة ([176]) .

ولما صدر كتاب " الوحي المحمدي لمحمد رشيد رضا، بعث الشيخ ابن يابس للمنار مقالة في تقريظ الكتاب من جهة، وانتقاده من جهة أخرى، فقد تعقّب الشيخُ ابن يابس محمد رشيد رضا في تعريفه للكلام الإلهي، كما ساق أجوبة متعددة في الرد على مقالة رضا بأن الجهاد مجرد دفاع ([177]) .

خاتمـة :

ونختم هذا البحث بجملة من النتائج الآتية :-

 1 – أن معالجة النوازل لا تحتاج إلى مجرد العلم والتنظير فحسب، بل تحتاج إلى رسوخ وبصيرة ويقين، كما تحتاج إلى فهم للواقعة، بحيث تُستصحب تلك الأدلة والمسائل أثناء تنـزيلها على الوقائع، وإلا فقد يقع الذهول عن تلك المعلومات وقت النوازل والأزمات .

2 تميّز هؤلاء العلماء بتحقيق لمقاصد الشريعة ومراعاة لقواعد المصالح والمفاسد.

3 – أن سبب التصنيف مما يعين على فهم كلام أولئك العلماء، فالأجوبة الواردة في الدرر السنية - مثلاً - قد لا يتحقق فهمها بطريقة صحيحة، حتى ينظر إلى الظروف والملابسات التي حررت فيها تلك الأجوبة.

4 – لـما كانت هذه الجهود تجاه نوازل حادثة ومستجدات عارضة، لذا غلب عليها الردّ والمنافحة وإزالة الاشتباه، ولكي تتحقق النظرة الشمولية لتراث هؤلاء العلماء، ويمكن استيعابها، فلابد من النظر إلى جهودهم الأخرى في مقام تقرير العقيدة وبيانها.

5 – ظهر من خلال تلك الجهود ما عليه هؤلاء العلماء من دراية بالحق، ورحمة بالخلق، فقد بيّنوا الحق بأدلته، ونصروا دين الله تعالى، وأجابوا عن شبهات المخالفين، كما أنهم نصحوا لأئمة المسلمين وعامتهم، وأشفقوا على الراعي والرعية ..

                        هذا ما تيسر جمعه وإعداده وبالله والتوفيق ..

 
 
 


الهوامش والتعليقات

([1])  انظر : منهج استنباط أحكام النوزال لمسفر القحطاني صـ 87 -90، وبحث سبل الاستفادة من النوازل لوهبة مصطفى الزحيلي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 11 صـ 362، وبحث سبل الاستفادة من النوازل لعبد الله الشيخ بن بيّه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 11 صـ 553، وبحث الاجتهاد في النوازل لمحمد الجيزاني، مجلة العدل، عدد 19، صـ 14-15 .

([2])  كتب الباحث عبدالله السند رسالة علمية لنيل درجة الماجستير بـعنوان "جهود علماء نجد في تقرير الولاء والبراء في القرن الثالث عشر الهجري "، كما كتب الباحث عبدالرحمن الشدي رسالة بـعنوان "جهود علماء نجد  في تقرير توحيد العبادة في القرن الثالث عشر الهجري"، وكلتا الرسالتين في قسم العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود .

([3])  هو الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن علي التميمي، صاحب الدعوة السلفية الإصلاحية الشهيرة، ولد في العيينة سنة 1115هـ،  كان عالماً كبيراً، رحل إلى عدة بلدان، وله تلاميذ ومؤلفات كثيرة، توفي بالدرعية سنة 1206 هـ .

انظر : تاريخ ابن غنام، علماء نجد للبسام 1/25 .

([4]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع عبدالرحمن بن قاسم 2/220، 221 = باختصار، وانظر: منهاج التأسيس صـ 63 .

([5])  ولد الشيخ عبدالرحمن بن حسن في الدرعية سنة 1193هـ، وطلب العلم على مشايخ الدرعية، وولي القضاء، وبعد سقوط الدرعية انتقل إلى مصر، ودرس على علمائها، ثم عاد إلى نجد، له مؤلفات، توفي بالرياض سنة 1282هـ .

([6])    الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع عبدالرحمن بن قاسم  11/572، 573 = باختصار

([7])    انظر مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الرسائل الشخصية، صـ 26، 187 .

([8])    المقصود بالمطاوعة في هذا السياق : أئمة المساجد ونحوهم من المتدينين، فتعلم التوحيد فرض عين على كل مكلف لا يختص بهذا الصنف .

([9])  مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الرسائل الشخصية، صـ 189، وانظر : صـ 271.

([10]) انظر مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الرسائل الشخصية، صـ 122، 65، 67، 124، 151 .

([11]) مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الرسائل الشخصية، صـ 20، 21 .

([12])  فتح المجيد 1/ 67

([13])  الدرر السنية 2/307

([14])    كشف الشبهات صـ 25 .

([15])    تاريخ ابن غنام 2/106، وانظر تاريخ ابن غنام 1/17

([16])    تاريخ ابن غنام 2/264، وانظر منهاج التأسيس  صـ 242 .

([17])    هو داود بن سليمان البغدادي النقشبندي، ولد وتوفي في بغداد ( 1231- 1299هـ)، وانتقل إلى نجد، ودرس عندالشيخ أبي بطين، له كتب ضد الدعوة السلفية .

انظر : ذيل المسك الأذفر صـ 259، والأعلام 2/332 .

([18]) ولد الشيخ عبداللطيف في الدرعية سنة 1225هـ، وتعلّم بها، ثم غادرها إلى مصر أثناء سقوط الدرعية، ودرس على مشايخ مصر، ثم عاد إلى الرياض، وكان له دروس وتلاميذ، كما أن له مصنفات ورسائل كثيرة، توفي في الرياض سنة 1293هـ .

انظر : مشاهير علماء نجد صـ 93، علماء نجد 1/63 .

([19])  ولد الشيخ أبو بطين في روضة سدير سنة 1194 هـ، وتوفي في شقراء 1282هـ، وتولى القضاء في كثير من البلدان، وله عدة مؤلفات، ولقب بمفتي الديار النجدية .

انظر : علماء نجد 2/567 ومشاهير علماء نجد صـ 235 .

([20])  يبدو – والله أعلم -  أن للتلاميذ أو النساخ دور في اختيار هذه العناوين المسجوعة في الردّ على داود، ولذا تتعدد العناوين، فكتاب "القول الفصل النفيس " لعبدالرحمن بن حسن له عدة عناوين، منها "الرد النفيس " و " تأسيس التقديس" و "كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس" (انظر مقال "آثار الشيخ عبدالرحمن بن حسن " لأحمد الحكمي، مجلة الداره، س 5، ع 4 ـ صـ 91) كما أن تلاميذاً للشيخ أبي بطين سموا ردّه الموجز على داود بـ " الانتصار " كما صرّح بذلك الشيخ نفسه في مقدمة رده المطول (تأسيس التقديس )، وكذا كتاب "تحفة الطالب والجليس " للشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن، جاء في بعض الطبعات تسميته بـ "دلائل الرسوخ في الردّ على المنفوخ " مع أن الشيخ عبداللطيف اقتصر على وصف هذا الكتاب بالرد المختصر، كما جاء في ردّه المطول (منهاج التأسيس) صـ 237 .

([21])  انظر تأسيس التقديس لأبي بطين صـ 2 .

([22])  انظر الدرر السنية 12/293 .

([23])  منهاج التأسيس صـ 31 .

([24])  هو عثمان بن عبدالعزيز بن منصور الناصري، ولد في أوائل القرن الثالث في بلدة الفرعة بسدير، وطلب العلم في العراق، له مؤلفات منها "فتح الحميد شرح كتاب التوحيد " وتولى القضاء، وتوفي في حوطة سدير سنة 1282هـ .

انظر : علماء نجد 3/693، وروضة الناظرين 2/76 .

([25])    انظر : الدرر السنية 11/ 512، 575 .

([26])    هو فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود، ولي الحكم بعد مقتل أبيه سنة 1249هـ، وكان إماماً شجاعاً حازماً، عُرِف بحسن التدبير و العدل في الرعية، توفي في الرياض سنة 1282هـ .

انظر : الأعلام 5/164، تاريخ ابن بشر 2/126 .

([27])  انظر : الدرر السنية 8/391 .

([28])    هو أبو البركات نعمان خير الدين الآلوسي، ولد في حديقة الورود في العراق سنة 1252هـ، طلب العلم وجلس للتدريس والوعظ، له مصنفات عديدة، توفي سنة 1317هـ .

انظر : أعلام العراق لمحمد بهجت الأثري صـ 57، المسك الأذفر لمحمود الآلوسي صـ 110 – 116 .

([29])    هكذا جاء في المطبوع، حيث سمّى نعمان الآلوسي ب "المنحة الوهابية " والمشهور تسميته بالمنحة الوهبية في الرد على الوهابية، ولعله فعلى ذلك اختصاراً أو تجوزاً .

([30])   الآيات البينات صـ 98 .

([31])    هو أبو المعالي محمود شكري الآلوسي، عالم بالشرع والتاريخ والأدب، ولد في رصافة بغداد سنة 1273هـ، له أكثر من خمسين مؤلفاً في شتى الفنون، توفي في بغداد سنة 1342هـ .

انظر : كتاب تلميذه محمد بهجت الأثري أعلام العراق صـ 36 – 241، ومقدمة محقق كتاب المسك الأذفر للآلوسي، والأعلام 7/172 .

([32])    انظر المسك الأذفر صـ 460 .

([33])    الانتصار، صـ 49 = باختصار

([34])    منهاج التأسيس، صـ 21 .

([35])    تأسيس التقديس، صـ 36 .

([36])    انظر القول الفصل النفيس، صـ 33 .

([37])    انظر تحفة الطالب والجليس، صـ 35 .

([38])    الانتصار، صـ 33، وانظر تأسيس التقديس صـ 50، 64، ومنهاج التأسيس صـ 105

([39])    الردّ على البكري لابن تيمية 2/ 649

([40])    منهاج التأسيس، صـ 95 .

([41])    منهاج التأسيس، صـ 98 .

([42])    انظر تأسيس التقديس، صـ 101 .

([43])    الانتصار، صـ 53 .

([44])    كلمة "الناس " ساقطة من أصل الكتاب، والسياق يقتضي اثباتها .

([45])    تأسيس التقديس، صـ 54 .

([46])  هو عبدالرحمن بن ناصر السعدي، من كبار علماء الجزيرة المعاصرين، ولد بـعنيزة سنة 1307هـ وله تلاميذ ومؤلفات متنوعة كثيرة، واشتغل بالتدريس، توفي بـعنيزة عام 1376هـ.

انظر : علماء نجد 2 /422، روضة الناظرين 1 / 219 .

([47])    انظر المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي، الفتاوى، صـ 68 .

([48])    زاد المعاد في هدي خير العباد 3/423

([49])    الدرر السنية 8 /268

([50])    يعني مسألة الاستعانة بالكفار .

([51])    الدرر السنية 9 /18 = باختصار، وانظر مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 4 /315، 316

([52])  يعنى قوله تعالى – في مطلع سورة الممتحنة – " ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء [ .   

([53])    مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 3/189، 190 = باختصار

([54])    انظر : مجموعة الرسائل النجدية 4 /317، تأسيس التقديس صـ 59، 60 .

([55])  المجموعة الكاملة، الفتاوى، صـ 70 .

([56])  انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية 27 / 363

([57])    هو إبراهيم باشا بن محمد علي باشا، من ولاة مصر، ولد في مصر سنة 1204هـ، قاد عدة حملات عسكرية على الحجاز ونجد، توفي في مصر سنة 1264هـ .

انظر : الأعلام 1/70، عنوان المجد 1/384 – 436 .

([58]) ولد الشيخ سليمان في الدرعية عام 1200هـ، وتتلمذ على كبار علماء بلده، وجلس للتدريس، واشتهر بعلم الحديث، وتولى قضاء مكة، له تلاميذ ومؤلفات، قتله إبراهيم باشا سنة 1233هـ .

انظر : مشاهير علماء نجد صـ 44، وعلماء نجد 1/ 293 .

([59])    ولد الشيخ حمد بن علي بن عتيق في الزلفي سنة 1227هـ، ودرس في الرياض، وتولى القضاء والتدريس، له مؤلفات وتلاميذ، توفي في الأفلاج سنة 1306هـ .

انظر مشاهير علماء نجد صـ 244، وعلماء نجد 1/228

([60])  ولد الشيخ عبدالله العنقري في ثرمداء سنة 1287هـ، وطلب العلم على مشايخ الرياض، وولي القضاء، له تلاميذ ومؤلفات، توفي في المجمعة سنة 1373 هـ .

انظر : علماء نجد 2 /582، وروضة الناظرين 2/ 9 .

([61])  وهو الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود

([62])  الدرر السنية 9/ 157، 158 .

([63])  مجموعة الرسائل والمسائل النجدية 3/ 128 .

([64])    انظر الدرر السنية 9 /22

([65])    هو عبدالعزيز بن محمد بن عبدالله آل أبي عليان، كان أمير بريدة زمن تركي بن عبدالله، هُزِم في وقعة اليتيمة أمام ابن سعود، كما هُزِم في وقعة بقعا أمام ابن رشيد، قتل سنة 1277هـ .

انظر : تذكرة أولي النهى والعرفان لابن عبيد 1/125 .

([66])  انظر عنوان المجد 2/267

([67])  انظر عنوان المجد 2/ 268، وتذكرة أولي النهى والعرفان لابن عبيد 1/126 .

([68])   هو جلوي بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود، نشأ مع أخيه فيصل بن تركي، ولي إمارة عنيزة، توفي سنة 1285هـ.

انظر: تاريخ ملوك آل سعود لسعود بن هذلول صـ 234.

([69])  انظر الأحوال السياسية في القصيم للسلمان صـ 191 .

([70])  وكون هذه الرسالة من أواخر ما كتبه الشيخ في تلك الأحداث، لأنه أشار إلى مقتل فهد بن صنيتان – وصنيتان لقب على عبدالله بن إبراهيم آل سعود – وقد ذكر ابن عبيد في تاريخه (تذكرة أولي النهى 1/ 218) أن ابن صنيتان قُتل سنة 1292هـ، وكان ذلك في المسجد وعلى يد أحد أقاربه، فأثّرت تلك القتلة على الشيخ عبداللطيف إلى أن توفي في السنة التي تليها 1293هـ .

([71])   الشيخ زيد بن محمد آل سليمان والشيخ صالح بن محمد الشثري من تلاميذ الشيخ عبداللطيف، وكانا في الحريق جنوب الرياض، انظر ترجمة للشيخ صالح الشثري في كتاب إتحاف اللبيب في سيرة الشيخ عبدالعزيز أبو حبيب صـ 49 .

([72])  عبدالله بن فيصل بن تركي آل سعود .

([73]) الفرع : يقع جنوب الرياض ويشمل حوطة بني تميم والحريق ونعام ونحوها من قرى المجاورة .

انظر : عنوان المجد (الحاشية ) 2/181، وحوطة بني تميم لعلي الصرامي صـ 40 .

([74])  سعود بن فيصل بن تركي آل سعود .

([75])  يقصد محمد بن عائض رئيس قبائل عسير .

([76]) كانت وقعة "جودة " بين عبدالله بن فيصل وأخيه سعود، عام 1287هـ، وقد هزمت جيوش عبدالله بن فيصل وقتل الكثير من رجاله، وسجن أخوه وقائد جيشه محمد بن فيصل في القطيف.

انظر تاريخ ملوك آل سعود لسعود بن هذلول صـ 31 .

([77])  كان قدوم سعود سنة 1288هـ .

([78])  الرياض .

([79])  دخل سعود الرياض دون مقاومة، ونهبت جنوده الرياض .

([80])  ثبتت ولاية عبدالله للمرة الثانية سنة 1289هـ .

([81])  ثبتت ولاية سعود للمرة الثانية سنة 1290هـ .

([82])  توفي سعود سنة 1291 هـ .

([83]) أي ثبتت البيعة لسعود بن فيصل .

([84])  الدرر السنية 9 / 31 – 37 = باختصار

([85])  انظر الدرر السنية 9/ 17، 24 .

([86])  الدرر السنية 9 / 44 .

([87])  انظر الدرر السنية 8/ 392 .

([88])  انظر الدرر السنية 8 / 383، 9/24، 28 .

([89])  المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي، ثقافة،  الرياض الناضرة 1 / 465 .

([90])  المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي، تقافة، وجوب التعاون بين المسلمين 1 /195 = باختصار

([91])  المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي، التفسير، 3 /457 – باختصار

([92]) ولد سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم عام 1311هـ  في الرياض، ودرس العلم على كبار مشايخ الرياض، وجلس للتدريس في فنون كثيرة ما يزيد عن أربعين سنة، تولى رئاسة القضاء والإفتاء، كما أشرف على تعليم البنات، له مؤلفات وتلاميذ، توفي في الرياض سنة 1389هـ

انظر : مشاهير علماء نجد صـ 169، علماء نجد 1/88 .

([93])  فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 12/251

([94])  فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 12/305

([95])  فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 8/202

([96])  فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم  8/22، 23 .

([97])  فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 12/273، انظر 12/272، 411، 266 .

([98])  انظر : فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 12 / 267، 6/ 227 .

([99])  انظر فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 12/ 250، 255، 465، 260، 262، 270 .

([100])  انظر فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 12 / 284 – 291 .

([101])  ولد الشيخ عبدالله بن محمد بن حميد في الرياض سنة 1329هـ، ودرس العلم على مشايخ الرياض، واشتغل بالتدريس، وولي القضاء، له تلاميذ ومؤلفات، توفي في الرياض سنة 1402هـ.

انظر : علماء نجد 4/431، الدرر السنية 16/ 476 .

([102])  انظر فتاوى ابن حميد صـ 323 .

([103])  انظر الدرر السنية 16 / 180 –191 .

([104])  انظر الدرر السنية 16/ 193 –195 .

([105])  انظر الدرر السنية 16/ 237 – 312 .

([106])  انظر الدرر السنية 16/ 310، 311 = باختصار

([107])  ولد الشيخ عبدالعزيز بن معمر في الدرعية  سنة 1203هـ، وطلب العلم على مشايخ الدرعية، ثم انتقل إلى البحرين بعد سقوط الدرعية، ودرس على علماء الأحساء، له مؤلفات، توفي في البحرين سنة 1244هـ .

انظر علماء نجد 2/ 445، مشاهير علماء نجد صـ 219 .

([108])  انظر تفصيل هذه القصة في ترجمة الشيخ عبدالعزيز بن معمر، والتي كتبها الشيخ محمد بن عبداللطيف آل الشيخ ( ت 1367هـ) في مقدمه كتاب منحة القريب المجيب، وانظر علماء نجد 2/446 .

([109])  ولد الشيخ ابن عيسى في شقراء عام 1253هـ، وطلب العلم على مشايخ الرياض، له مؤلفات وتلاميذ، واشتغل بالتجارة، وتولى القضاء، و جلس للفتيا، توفي في المجمعة سنة 1329هـ .

انظر : علماء نجد 1/155، ومشاهير علماء نجد صـ 266 .

([110])  هو حسن حسني بن حسين الطويراني، تركيّ الأصل، ولد في القاهرة سنة 1266هـ، ونشأ فيها، وأقام في تركيا، وكان يجيد الشعر بالعربية والتركية، له عدة مصنفات، توفي بالقسطنطينية سنة 1315هـ .

انظر : الأعلام 2/187، ومعجم المؤلفين 3/216 .

([111])  ولد محمد رشيد رضا في الشام سنة 1282هـ، وتعلّم بها، اشتغل بالصحافة، وعمل في السياسة، وزار عدة بلدان، صاحب مسلك إصلاحي تجديدي، له عدة مؤلفات، توفي بالقاهرة عام 1354هـ . انظر الأعلام 6/126

([112])  مجلة المنار، مجلد 16، صـ 382، وانظر : أصول التنصير في الخليج العربي لكونوي زيقلر ترجمة مازن المطبقاني، صـ 173 .

([113])  ولد مقبل الذكير  في المدينة عام 1300هـ، ثم سافر إلى الكويت، وعمل في التجارة، فتنقل بين عنيزة والعراق والهند، له مؤلفات في تاريخ نجد، توفي في البحرين سنة 1363هـ .

انظر  الأعلام 7 /281، وعلماء آل سليم صـ 514 .

([114])  ولد ابن مانع في عنيزة عام 1300هـ، وتلقى العلم على مشايخ في نجد و بغداد والقاهرة، واشـتغل بالتدريس، وولي القضاء في قطر، له مؤلفات وتلاميذ، توفي في بيروت سنة 1385 هـ .

انظر : علماء نجد 3/827، ومشاهير علماء نجد صـ 411 .

([115]) انظر : علماء نجد خلال ستة قرون 3/829، و التبشير في منطقة الخليج العربي لعبدالمالك التيميمي صـ 209، وفتح الجليل في ترجمة شيخ الحنابلة عبدالله بن عقيل صـ 343 .

([116])  انظر : التبشير في منطقة الخليج العربي لعبدالمالك التيميمي صـ 208، 209 .

([117])  انظر : نقض المنطق لابن تيمية صـ 19، 20 .

([118])  عبدالله بن علي القصيمي الصعيدي، ولد سنة 1323هـ في بريدة وطلب العلم على مشايخ نجد، ثم درس في الجامع الأزهر، وألّف كتباً في الذب عن الإسلام والسنة، ثم ارتد عن دين الإسلام وسوّد كتباً في الزندقة والإلحاد، هلك سنة 1416هـ بالقاهرة .

انظر : دراسة عن القصيمي لصلاح الدين المنجد، والقصيمي بين الأصولية والانشقاق ليورغن فازلا.

([119])  ولد الشيخ السويح بروضة سدير سنة 1302هـ، ودرس على علماء الرياض والحجاز، جلس للتدريس ، وتولى القضاء، توفي بمكة عام 1369هـ .

انظر : علماء نجد 1/334، روضة الناظرين 1/51 .

([120])  انظر بيان الهدى من الضلال : 1/5، 47، 142، 365 . 2/158 .

([121])  انظر بيان الهدى من الضلال 2/331 .

([122])  انظر بيان الهدى من الضلال 1/264، 313، 377، 410، 435، 558، 576، 2/7، 190، 425 .

([123])  انظر بيان الهدى من الضلال 1/255، 287، 401، 576 . 2/27، 38، 164، 380

([124])  انظر بيان الهدى من الضلال 1/ 45، 158 . 2/136، 222، 524، 537، 586، 549 .

([125])  انظر بيان الهدى من الضلال 1/3، 61، 393، 463 . 2/327، 397، 408، 499، 528 .

([126]) انظر بيان الهدى من الضلال 1/82 . 2/86، 108، 186، 407، 444، 457، 521، 581 .

([127])  انظر المجموعة الكاملة، ثقافة، تنـزيه الدين وحملته 2/434 .

([128])  المرجع السابق صـ 427 .

([129])  المرجع السابق صـ 433

([130])  المرجع السابق صـ 474

([131])  المرجع السابق صـ 429

([132])  انظر المرجع السابق صـ 433

([133])  المرجع السابق صـ 437

([134])  انظر المرجع السابق صـ 425

([135])  المرجع السابق صـ 433

([136])  المرجع السابق صـ 464

([137])  المجموعة الكاملة، ثقافة، الأدلة القواطع والبراهين 2/298 .

([138])  المجموعة الكاملة صـ 379

([139])  المجموعة الكاملة صـ 397 – 420

([140]) المجموعة الكاملة، خلاصة التفسير صـ 326، 371، 471 .  الفتاوى صـ 62، وجوب التعاون بين المسلمين صـ 251، الدلائل القرآنية صـ 286، 293، 296 . الدين الصحيح يحل جميع المشكلات صـ 336، 344 . الرياض الناضرة 539 .

([141])  رسالتان في فتنة الدجال للسعدي صـ 35 .

([142])  المجموعة الكاملة للسعدي، الفتاوى، صـ 62 .

([143])  المجموعة الكاملة للسعدي، التفسير، خلاصة التفسير، صـ 326 .

([144])  المجموعة الكاملة للسعدي، ثقافة، تنـزيه الدين وحملته، 2/460 .

([145])  المجموعة الكاملة للسعدي، ثقافة، وجوب التعاون بين المسلمين،1/251 .

([146])  انظر : المجموعة الكاملة، التفسير، خلاصة صـ 373، 471. ثقافة، الدلائل القرآنية، 1/269، 539، 246،  293 .

([147])  انظر المجموعة الكاملة، ثقافة، الأدلة القواطع 2/338 .

([148])  انظر المجموعة الكاملة، ثقافة، الدين الصحيح يحل جميع المشاكل 1/333 – 360 .

([149])  المرجع السابق 1/342

([150]) حادي الأرواح لابن القيم صـ 208، وانظر : الدرء لابن تيمية 1/374، ومجموع الفتاوى 8/29 .

([151])  انظر المجموعة الكاملة، الفتاوى صـ 62 .

([152])  ولد الشيخ عبدالله بن يابس بالقويعية سنة 1313هـ . وتتلمذ على كبار علماء الرياض، ورحل إلى القاهرة، وأقام بها، له مؤلفات، توفي بالرياض سنة 1389هـ .

انظر : علماء نجد 4/335، وروضة الناظرين 2/36 .

([153])  انظر الردّ القويم صـ 22، 23، 66، 69، 134 .

([154])  انظر المرجع السابق صـ 19، 25، 217 .

([155])  انظر المرجع السابق صـ 11 – 19 .

([156]) ولد الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري في البحرين عام 1332هـ، وانتقل مع والده إلى الكويت، فتعلم في المدرسة المباركية، ودرس على بعض العلماء، له مؤلفات كثيرة، وله ردود على  الاتجاهات الفكرية المعاصرة، توفي في الرياض سنة 1399هـ .

انظر : حياة الداعية عبدالرحمن الدوسري للطيار صـ 23 – 87، ومقدمة تفسيره صفوة الآثار والمفاهيم 1/9-21 .

([157])  انظر بعض أبيات هذه القصيدة في صفوة الآثار والمفاهيم 3/279

([158])  حياة الداعية عبدالرحمن الدوسري صـ 87، صـ 219 – 232، صـ 241 - 273

([159])  انظر صفوة الآثار والفاهيم 1/63، 68، 94، 126، 190، 242، 249 –255، 3/205 .

([160])  انظر صفوة الآثار والفاهيم 1/223

([161]) صفوة الآثار والفاهيم 1/190، 191 = باختصار

([162])  ولد الشيخ سليمان بن سحمان في إحدى قرى أبها سنة 1266هـ، وانتقل إلى الرياض، وتعلّم بها، صاحب قلم سيّال، فله مؤلفات متعددة، وقصائد كثيرة، توفي في الرياض سنة 1349هـ .

انظر : مشاهير علماء نجد صـ 290، علماء نجد 1/279 .

([163]) الرافضة من أكبر طوائف الشيعة، وهم أرباب انحراف في الصفات  وشرك في توحيد العبادة، وغلو في الأئمة وتضليل الصحابة، كما زعموا أن الإمامة أهم مسائل الدين .

انظر : مقالات الإسلاميين للأشعري 1/88، الملل والنحل للشهرستاني 1/162 .

([164])  رسالة خطية، دارة الملك عبدالعزيز بالرياض، رقم 263 .

([165])  المجموعة الكاملة، التفسير، خلاصة، صـ 326 = باختصار

([166])  المرجع السابق، صـ 373 = باختصار

([167])  المجموعة الكاملة، ثقافة، وجوب التعاون بين المسلمين  1/244، 245 = باختصار

([168])  المجموعة الكاملة، ثقافة، الرياض الناضرة 1/486

([169])  مجلة المنار، م29، ج 2، صـ 143 -145

([170])  يقصد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله -

([171])  مجلة المنار، م 29، ج2 صـ 147

([172])  انظر : التفسير والمفسرون 2/508، واتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري لفهد الرومي 2/638-378

([173])  انظر : إعلام الأنام صـ 117، 137، 245

([174])  انظر المرجع السابق صـ 22، 29، 30 .

([175])  انظر المرجع السابق صـ 51، 68، 76، 114، 136

([176])  انظر المرجع السابق صـ 22، 60، 153

([177])  انظر مجلة المنار م 4، ج 2، 3، صـ 140 – 146، صـ 216 - 226

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

1  -  الاسم : احمد الصادق لا     من : مصر      تاريخ المشاركة : 17/10/1430 هـ
بارك الله فيك يا شيخ

 

طباعة

22969  زائر

إرسال


الترك المطلوب : قال شريح : فو الله لا تجد فَقْد شيء تركته لوجه الله. طبقات ابن سعد 6/136
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 

الوهابية في مواجهة الغلاة
***

نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية
***

نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية
***

سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها
***

خدمة الواتس اب
***

صفة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ونفعها للعصاة
***