التاريخ : 9/9/1427 هـ

المعترك الفكري

د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

غياب الموضوعية في تيار مجاملة الآخر

اطلعت على الحلقة الأولى والثانية من بحث «صورة الآخر في فلسفة التربية الإسلامية»، ومع تقديري للجهد المبذول في هذا البحث إلا أن ثمة ملحوظات على ذلك الجهد أذكرها على سبيل العموم والإجمال، ثم أذكر أمثلة ونماذج تفصيلية على تلك الملحوظات.


غلب على البحث ردود الأفعال، واستحوذت تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر على تفكير الكاتب وتقريراته، فسلك مسلك التبرير والتسامح المفرط «والمبالغة» في الاحتفاء «بالآخر»، فغابت الموضوعية العلمية في تيار التسويغ والمجاملة للآخر، واستولت الانتقائية في تقرير النتائج وما خالف تلك النتائج ـ التي قررها الباحث ـ من نصوص شرعية فتؤول أو تخصص!


ومن جملة «المفقودات» في هذا البحث: غياب اللغة الشرعية في كثير من التقريرات، واستعمال الألفاظ الموهمة المجملة ـ حمّالة وجوه ـ كالتعايش وحرية الرأي...


ومن الملحوظات التفصيلية على تلك الحلقتين ما يلي:


* جاء عنوان البحث «صورة الآخر...» ولفظ «الآخر» عائم لا ينضبط، فهو بمعنى غير، ألا يسع الباحث أن يسمي «الآخر» بما أسماه الله تعالى في مثل قوله سبحانه: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} (التغابن: آية2). فالآخر هو الكافر، والله سبحانه أعلم وأحكم وأرحم حيث أطلق عليه اسم الكافر دون الآخر!
* ساق الباحث ـ في عنوان المقالة ـ قوله تعالى: {ليسوا سواء} دون أن يتم الآية الكريمة، وكان على الباحث ألا يجعل من آيات القرآن عناوين صحفية مثيرة، فتبتر الآية دون استكمالها، ما يؤدي إلى سوء فهم، لا سيما وأن الباحث قد طالب بالنظر إلى سياق الآيات.


* أشار الباحث إلى اهتمام وزارة التربية في فرنسا بصورة العرب والمسلمين من خلال اختيار نصوص من قصص ألف ليلة وليلة والأيام لطه حسين. فيقال: هل يمكن فهم الإسلام وحقيقة المسلمين من خلال كتاب سمر وأساطير، أو من خلال طه حسين الذي أشرب حب الأوروبيين فنادى بالسير على طريقة الغرب جملة وتفصيلاً؟ وهل فرنسا بهذا الغباء أو الجهل حين تقرر أساطير و«أيام»؟ وقد بلغ بها الكيد إلى إعداد فتوى تجعل الجهاد ضد الفرنسيين من باب إلقاء النفس إلى التهلكة، وضرورة الرضا بحكم الفرنسيين في الجزائر ـ زمن الاستعمار ـ(1).


* تحدث الكاتب عن القيام لجنازة الكافر بشيء من الانتقائية، وكأن الكاتب لم يكتف بهذا القيام الدؤوب للغرب من قبل حكومات المسلمين، فأراد لشعوب المسلمين أن تقوم لجيف الكفار.


كان من المهم أن تعرض هذه المسألة بموضوعية، وأن نحذر من الأحادية في التقرير، فهناك خلاف في مسألة القيام لجنازة المسلم فضلاً عن الكافر، كما أن المراد بأهل الأرض هاهنا أهل الذمة كما جاء في الصحيحين، وجاء تعليل القيام بعدة روايات لم يذكرها الباحث، منها رواية للحاكم «إنما قمنا للملائكة»، ورواية لأحمد «إنما تقومون إعظامًا للذي يقبض النفوس»، ورواية ابن حيان «إعظامًا لله الذي يقبض الأرواح»(2).


* قرر الباحث الكرامة الإنسانية بناء على قوله تعالى: {ولقد كرّمنا بني آدم..} الآية.


وكان عليه أن يقرر ما جاء في قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} (سورة التين آية 4ـ6).


فإذا انحرف الإنسان وكفر بالله تعالى، انتكس إلى أحط الدركات، بل تصبح البهائم أرفع منه.


* تحدث الكاتب عن حرية اختيار الكافر وعدم الإكراه، وكان عليه أن يجمع أطراف المسألة فيورد ـ مثلاً ـ قوله [: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.». الحديث أخرجه البخاري ومسلم.


* لم يكن الكاتب دقيقًا في نقله حيث قال: «لا يجوز إجبار أسير أو كتابي..» وفي هذا يقول ابن حزم: «واتفقوا أن من أسر بالغًا منهم فإنه لا يجبر على مفارقة دينه» وبالرجوع إلى كتاب ابن حزم، نلحظ أنه قال: أسير كتابيّ، ولم يقل أسير أو كتابي. ولا يخفى تفاوت المعنيين، كما أن كما أن ما نقله الباحث كان مبتورًا، فقد جاء النص بتمامه على النحو الآتي: «واتفقوا أن من أسر بالغًا منهم فإنه لا يجبر على مفارقة دينه أعني إن كان كاتبيًا» هكذا قال ابن حزم في مراتب الإجماع ص120 .


وقع الكاتب في لبس وتلبيس فظن أن «التوحيد الكلي» متحقق عند اليهود والنصارى، وأطلق هذا الحكم دون أن يفصّل أو يفرّق بين اليهود الذين اتبعوا موسى عليه السلام والنصارى الذين اتبعوا المسيح عليه السلام فهؤلاء مسلمون، وأما اليهود القائلون بأن عزيرًا ابن الله، وكذا النصارى القائلون بالتثليث فهؤلاء كفار اتفاقًا، كما حكاه ابن حزم قائلاً: «واتفقوا على تسمية اليهود والنصارى كفارًا واختلفوا في تسميتهم مشركين» مراتب الإجماع ص119 .


* احتج الكاتب بخطاب رسول الله [ إلى هرقل عظيم الروم، في تسويغ مخاطبة الملوك بألقابهم المعروفة، وكان على الكاتب أن يتم الحديث ويورد نص الخطاب لهرقل حيث قال المصطفى [: «سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين» أخرجه البخاري، فالمقام مقام دعوة وهذا اللقب ـ عظيم الروم لمصلحة التألف ـ كما حرره الحافظ ابن حجر في الفتح 38/1 .


وقد قال الحافظ ابن حجر: «قوله «عظيم الروم» فيه عدول عن ذكره بالملك أو الإمرة، لأنه معزول بحكم الإسلام..»... وفي حديث دحية أن ابن أخي قيصر أنكر أيضًا كونه لم يقل ملك الروم، فتح الباري 38/1 .


* أورد الكاتب تفسير التدافع بالانتخاب الطبيعي، ويبدو أن الكاتب يتوارى من تقرير الصراع بين الحق والباطل، وجهاد أعداء الله تعالى، مع أن آية البقرة {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} (آية 251)، جاءت بعد قصة طالوت وجالوت، وانتصار المؤمنين وقتل داود جالوت، ثم بيّن الله فائدة الجهاد فقال: {ولولا دفع الله الناس..} الآية، كما حرره السعدي في تفسيره ص90، كما أن آية الحج {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع..}( آية 40)، نظير الآية السابقة، فيدفع الله بالمجاهدين في سبيله ضرر الكافرين.


يقول العلامة السعدي: «ودلّ ذلك على أن البلدان التي حصلت فيها الطمأنينة بعبادة الله، وعمرت مساجدها، وأقيمت فيها شعائر الدين كلها، من فضائل المجاهدين وبركتهم.


فإن قلت: نرى الآن مساجد المسلمين عامرة لم تخرب في ديار الكفار، أجيب بأن جواب هذا السؤال داخل في عموم هذه الآية وفرد من أفرادها.. فتراعي الحكومات مصالح ذلك الشعب الدينية والدنيوية، وتخشى إن لم تفعل ذلك أن يختل نظامها، وتفقد بعض أركانها..» أ.هـ ملخصًا، تفسير السعدي ص489 .


* زعم الكاتب أن أهل الذمة لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإنما يكون ذلك لأهل القبلة من أهل الإسلام كما في قوله [: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، وله ما لنا عليه ما علينا» أخرجه البخاري، أفتجعل ـ يا دكتور أحمد ـ المسلمين كالمجرمين!


* نقل الكاتب مقولة من قال: إن الولاء والبراء منوطان بحالتي السلم والحرب، إذًا الأصل التعايش في حال السلم، والاستثناء هو التناحر في حال الحرب. وهذه مغالطة مكشوفة؛ فالولاء والبراء أوثق عرى الإيمان، وأصل الولاء الحب، وأصل البراء البغض، والحب والبغض أمر فطري لا انفكاك عنه، فكل إنسان سواء كان برًا أو فاجرًا لديه هذه الغريزة الفطرية من مشاعر الحب والبغض، وهؤلاء الذين يسعون إلى استئصال مشاعر الكراهية تجاه الكافرين (الآخر) لا يخالفون الثوابت الشرعية فحسب، بل يصادمون الطبيعة البشرية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «أصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة، كما أن البغض والكراهة أصل كل ترك» جامع الرسائل 193/2 .


* نقل الباحث مقررًا أن معتنقي الإسلام في ظل السلام بعد صلح الحديبية ستون ضعفًا مقارنة بمن أسلم من قبل، وغاب عن الباحث أن هذا الصلح إنما جاء بعد جهاد مستمر وغزوات متتابعة وسرايا متوالية، والله تعالى هو الحكيم في تقديره وتشريعه، وها هم الكثير بني جلدتنا قد بحّت حناجرهم وكلّت أقدامهم في السعي نحو الغرب من أجل المناشدة بالسلام العالمي، فما زاد الكفار إلا عتوًا ونفورًا عن الإسلام.


* تكلّف الباحث في تأويل قوله تعالى: {ولتجدنّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى..} فالآية التي تليها تبين أنهم قوم من نصارى آمنوا بمحمد [، حيث قال سبحانه: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} (المائدة: 83).


ولا موجب للشغب والاحتجاج بلفظ «أقرب» و«أشد» فقد يأتي أفعل التفضيل على غير بابه كما جاء في التنزيل ولغة العرب.


* يبدو أن الباحث ـ سامحه الله ـ شرق بآية في كتاب الله تعالى تعكر مقصوده، فأشار إلى رقمها ثم تكلف في تأويلها، أما الآية فقوله تعالى: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزّل عليكم من خير من ربكم} (البقرة: آية 105)، وقد امتطى ـ الدكتور الدغشي ـ مركب التأويل المتعسف، فادعى بلا بيّنة أن هذا من إطلاق «الكل» وإرادة «البعض»، مع أن الآية جاءت باسم الموصول المفيد للعموم(3).


* بالغ الكاتب في حقوق الآخر.. وغفل عن الشروط العمرية وما فيها من الأحكام، ومنها: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشترط على نصارى الشام حين صالحهم ـ ألا يحدثوا في مدينتهم كنيسة، ولا يجددوا ما خرب، ولا يظهروا شركًا، وأن يوقروا المسلمين، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم، ولا يتقلدوا سيفًا، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزّوا مقادم رؤوسهم، ولا يظهروا صليبًا.. فإن خالفوا شيئًا مما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.


قال ابن القيم ـ عن هذه الشروط: «وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول، واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء، وعملوا بموجبها» أحكام أهل الذمة 4/2 .


وأخيرًا إن علينا أن نأخذ هذا الدين بقوة واعتزاز، ومن ذلك أن نبغض الكفار والمنافقين ونتبرأ منهم كما جاء في النصوص المحكمة، وهذا لا يتعارض مع العدل والقسط إليهم، بل يتفق معه، كما يجب أن نتأسى برسول الله [ فننظر فيه بعلم وشمول، فلا يقتصر على جانب كونه نبي الرحمة أو التسامح، كما لا يكتفي بكونه نبي الملحمة، بل إن المتعين أن نشتغل باتباع هديه في الحب والبغض، والولاء والبراء.


وإن يراعى في أثناء تطبيق الولاء والبراء أحوال المسلمين من قوة وتمكين، أو ضعف وعجز، ففي القوة لهم أن يبادروا بالجهاد لأعداء الله تعالى، وفي حال الضعف لهم أن يأخذوا بآيات الصبر والصفح والعفو كما حرر ذلك جمع من المحققين كابن تيمية في الصارم المسلول 413/2 .


اللهم اجعلنا سلمًا لأوليائك حربًا على أعدائك وبالله التوفيق.


المراجع:


(1). انظر تفصيل ذلك في الرحلات إلى شبه الجزيرة العربية (من إصدار دارة الملك عبدالعزيز) 249/1 .


(2). انظر هذه الروايات كما ساقها الحافظ ابن حجر في الفتح 180/3 .


(3). انظر الجواب الصحيح لابن تيمية 55/2 .

 

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

1  -  الاسم : عمر السنيدي لا     من :      تاريخ المشاركة : 12/9/1427 هـ
جزاكم الله خيراً 
 
وما جاء من أفكار في هذا المقال صدى لكثير من مقالات تتفق في الهدف وتختلف في العناوين ، وإن نشر شيء منها في مجلات او صحف او مواقع تنتسب الى الدعوة الاسلامية فينشرونها بدعوى حرية الراي او الكلمة . 
فجاء نقد الدكتور جزاه الله خيرا نقداً علميا موضوعيا . 
2  -  الاسم : د أحمد محمد لا     من : أين تعقيب الدغشي      تاريخ المشاركة : 3/11/1428 هـ
ليتك يافضيلة الدكتور أوردت ردّ الدكتور الدغشي على تعقيبك المنشور في العدد ذاته من مجلة المعرفة ليقف القارئ على أيّكما كان أحج وأعمق ...رجاء تكرّم وافعل ذلك رجاء

 

طباعة

6606  زائر

إرسال


الترك المطلوب : قال شريح : فو الله لا تجد فَقْد شيء تركته لوجه الله. طبقات ابن سعد 6/136
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 

الوهابية في مواجهة الغلاة
***

نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية
***

نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية
***

سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها
***

خدمة الواتس اب
***

صفة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ونفعها للعصاة
***