التاريخ : 14/3/1431 هـ

مقالات علمية

د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

هل يُستعان بالجن؟

 

 

ساق القاضي عياض ترجمة لأبي خارجة عنبسة الغافقي ( ت 210 هـ ) ، و حكى عجائبه وأخباره ، ومنها أنه قيل عن عنبسة : « كان عنده عِلْم الزجر1، وبعضهم يقول : بل من خدمة الجن ، ومنهم من يزعم أنه كان صالحاً يُجري الله الحق على لسانه ؛ فينطق به »2 ثم تعقَّب ذلك القاضي قائلاً : « وأنا بريء من عُهدة هذه التأويلات إلا الأخيرة ؛ فالحديث الصريح يحتج لها »3؛ فالقاضي عياض يبرأ من عِلْم بخدمة الجان ، كما يبرأ من زَجْر الطير على سبيل التشاؤم .

ولما ترجم الحافظ ابن رجب لأحمد بن عبد الرحمن المقدسي ( ت 697 هـ ) وما لديه من غرائب ، فقال : « برع في معرفة تعبير الرؤيا ، وانفرد بذلك ؛ بحيث لم يشارَك فيه ، وكان الناس يتحيَّرون منه إذا عَبَر الرؤيا ، وله في ذلك حكايات كثيرة غريبة مشهورة ، وهي من أعجب العجب ، وكان جماعة من العلماء يقولون : إن له رئيّاً من الجن ، وكان مع ذلك كثير العبادة ، لكن يقال : إنه كان يتعبَّد على وجوه غير مشروعة ، كالصلاة في وقت النهي ! وذكر عنه بعض أقاربه أنه رأى عنده شيئاً من آثار الجن »4.

وأورد الشوكاني عجائب العباس المغربي الذي قَدِم صنعاء اليمن سنة 1200 هـ ؛ فكان إذا احتاج إلى دراهم ، أخذ بياضاً ، وقطَّعه على حجم تلك الدراهم ، ثم يجعلها في وعاء ، ويتلو عليها ( ! ) فتنقلب دراهم ! وذلك بواسطة « خادم من الجن »5.

هذه الغرائب لو علم بها بعض الرقاة لتشبثوا بها فـــي هذا التوسع المريب في الاستعانة بالجن في التداوي وحَلِّ السحر والعين وأشباهه ، إضافة إلى تعويلهم على بعض فتاوى للمعاصرين ، وما قد يفهمونه من كلام لابن تيمية في كتابه : « النبوات » وغيره .

إن هذه النازلة تستدعي جملة من الوقفات ، منها :

- أن الاستعانة بالجـن لم تكـن مـن هـدي النبـي – صلى الله عليه وسلم - ، ولا سـبيل السابقين الأولين من المهـاجرين والأنصـار ، - رضـي الله عنهم - .

قال ابن تيمية : « لم يستخدم ( النبي - صلى الله عليه وسلم - ) الجن أصلاً ، لكن دعاهم إلى الإيمان بالله ، وقرأ عليهم القرآن ، وبلَّغهم الرسالة ، وبايعهم ، كما فعل بالإنس »6.

كما أنه لم يُنقل عن جمهور الصحابة ( الاستعانة بالجن في التداوي وحَلِّ السحر والعين ) وهم أدرى الناس وأعمق هذه الأمة علماً وأتمِّها إيماناً ؛ ولو أنهم فعلوا ذلك أو قالوه لنُقِل عنهم ؛ إذ إن ذلك مما تتوفر الدواعي لنقله ؛ فدلَّ ذلك على أن مجانبة الاستعانة بالجن هو السُّنة والصراط المستقيم .

- أن نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - كان يتصرف في الجن كتصرفه في الإنس ، تصرُّف عبــدٍ رسولٍ ، والواجب على المسلم أن يستعمل في الجن ما يستعمله في الإنس : من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والدعوة إلى الله كما شرع الله ورسوله ... ولم يتصرَّف فيهم كتصرف سليمان بن داود - عليهما السلام - إذ تصرُّف سليمان بالجن هو تصرف ملكي ؛ إذ كان رسولاً مَلِكاً ، وكان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - عبداً رسولاً ؛ والعبد الرسول أفضل من الملِك الرسول7

والجن لا تخضع بإطلاق لأحد من الناس ، ولو خدمتْ أحداً ؛ فلا يكون إلا بمعاوضة واستمتاع ، كما بيَّنه ابن تيمية بقوله : « وليس أحد من الناس تطيعه الجن طاعة مطلقة ، كما كانت تطيع سليمان بتسخير من الله وأَمْرٍ منه من غير معاوضة. قال - تعالى - : { وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ{12} يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ{13} }  سبأ .

والذي أعطاه الله لسليمان - عليه السلام - خارج عن قدرة الجن والإنس ؛ فإنه لا يستطيع أحد أن يُسخِّر الجن مطلقاً لطاعته ، ولا يستخدم أحداً منهم ؛ إلا بمعاوضة : إما عمل مذموم تحبُّه الجن ، وإما قول تخضع له الشياطين ، كالعزائم8 ؛ فإن كل جني فوقه من هو أعلى منه ؛ فقد يخدمون بعض الناس طاعة لمن فوقهم »9.

والمقصود أن الاستعانة بالجن واستخدامهم مطلقاً ليست من الشرع المحمدي ، ولا من التصرف القدري الذي كان آية لسليمان ، عليه السلام ؛ فلا هي مشروعة ولا مقدورة .

- إذا كان الأصل في سؤال الناس التحريم ، والأحاديث في النهي عن ذلك متواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لما فيه من التفات إلى غير الله - تعالى - وافتقار إلى البشر ، وهذا نوع شرك 10 ؛ فكيف بسؤال الجن الذي لا ينفك عن مفاسد متحققة ومتوقَّعة ؟ ولا سيما أن للجن من القدرات والتصرفات ما ليس للبشر ، وهو ما يزيد البلاء ، ويُعظِم الفتنة ، « والجن أعظم شيطنة ، وأقل عقلاً ، وأكثر جهلاً »11 و « والإنس أعقل وأصدق وأعدل وأوفى بالعهد ، والجن أجهل وأكذب وأظلم وأغدر »12.

- أن الاستعانة بالجن ليست سبباً ظاهراً في حصول المطلوب ؛ ولذا أمر الإمام أحمد بن حنبل بترك ذلك ، كما جاء في آخر كتاب الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلي : « وقد قال أحمد في رواية الفرج بن علي الصباح البرزاطي :  في الرجل يزعم أنه يعالج المجنون من الصراع بالرقى والعزائم ، ويزعم أنه يخاطب الجن ويكلِّمهم ، ومنهم من يخدمه ويحدِّثه ، فقال أحمد : « ما أحبُّ لأحد أن يفعله ، وتَرْكه أحبُّ إليَّ »13.

ولو كان سبباً ، فإن مفاسده تربو على مصالحه ، ومضرته أعظم من نفعه .

والاستعانة بهم هي التفات إلـى من لا تُعـرَف أحـوالهم ، ولا تُعرف أشخاصهم ولا عدالتهم ؛ فهم مجهولو العين والحال ، كما أن الاستعانة بالجن تفتح أبواباً من الشرور والبلايا ، والشريعة قد جاءت بسدِّ الذرائع وحماية جَنَاب التوحيد ، ومَنْع كل طريق يوصل إلى الشرك .

وقد جاءت فتوى اللجنة الدائمة بالسعودية بمنع الاستعانة بالجن مطلقاً14 ، وكذا منعه الشيخ ابن باز - رحمه الله - والشيخ صالح الفوزان ، وغيرهما .

كما أن الاستعانة بالجن هي استعانة بالغائبين ، والاستعانة الجائزة إنما تكون بحاضر حي قادر ، بل إن هذه الاستعانة تحاكي الاستعاذة بالجن ، وخاصة أن الاستعاذة والاستعانة متقاربة المعنى .

أورد الحافظ ابن كثير حكاية كروم الأنصار - رضي الله عنه – وفيها : أنه خرج مع أبيه من المدينة في حاجةٍ ، وذلك أول ما ذُكِر رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بمكة ، فآوانا المبيت إلى راعي غنم ، فلما انتصف الليل جاء ذئب ، فأخذ حَمَلاً من الغنم ، فوثب الراعي ، فقال: يا عامر الـــوادي جارك! فنــادى منــادٍ لا نــراه يقول : يا سِرْحان15  أرسله ! فأتى الحَمَلُ يشتد16 حتى دخل في الغنم لم تُصِبه كدمة ؛ فأنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم – بمكة :  { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْـجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا } [ الجن : 6 ] .

قال ابن كثير : « وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحَمَلَ ( وهو ولد الشاة ) كان جنيّاً حتى يُرْهب الإنسي ويخاف منه ، ثم ردَّه عليه لما استجار به ؛ ليضلَّه ويهينه ويخرجه عن دينه ، والله أعلم »17 .

ونخلص إلى أن الاســتعانة بالجن ليسـت سُــنة مأثورة ، ولا سبيل سلف الأمة الأوائل ؛ فهي لا تنفك عن تعلُّقٍ والتفاتٍ ينافي تحقيق التوحيد ، بل ربما أفضى إلى الشرك الصراح ، إضافة إلى أن الاستعانة بالجن ليست سبباً ظاهراً معقولاً ، وإنما هي تعويل على مجهول ، وتشبث بمن لا يدري عن عدالته وصدقه ؛ فهل بعد هذا يسوغ تقرير الاستعانة بالجن ؟

 

1      الزجر: هو ضرب من التطير والتشاؤم.

2     ترتيب المدارك: 1/282.

3     ترتيب المدارك: 1/282.

4     ذيل طبقات الحنابلة: 2/336، 337 = باختصار.

5     انظر البدر الطالع: 1/314.

6     الفرقان بين الحق والباطل، (مجموع الفتاوى: 13/89).

7     انظر إيضاح الدلالة لابن تيمية، (مجموع الفتاوى: 19/39، 51).

8     العزائم: من أنواع السحر.

9     النبوات: 2/1014.

10    انظر: قاعدة جليلة لابن تيمية، ص 51، 66،  ومجموع الفتاوى: 8/538، 10/182، والرد على البكري لابن تيمية، ص 341.

11    إيضاح الدلالة، (مجموع الفتاوى: 19/46).

12    النبوات: 2/1015.

13    الأحكام السلطانية، ص 308

14    انظر مجلة البيان، عدد (141).

15    السِرْحان: الذئب.

16    يشتد: يُسرِع.

17    تفسير ابن كثير: 8/267، (ط دار الشعب).

 

 

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

1  -  الاسم : ابن رواحة الجزائري لا     من : شكر      تاريخ المشاركة : 20/3/1431 هـ
السلام عليكم ورحمة الله . 
بارك الله في علمك يا شيخ على هذا التوضيح القيم لهذه المسألة . نسأل الله أن يطيل في عمرك حتى نستفيد منك أكثر ان شاء الله
2  -  الاسم : جزاكم الله خيرا الجزاء لا     من :      تاريخ المشاركة : 8/4/1431 هـ
جزاكم الله خيرا الجزاء

 

طباعة

7073  زائر

إرسال


الترك المطلوب : قال شريح : فو الله لا تجد فَقْد شيء تركته لوجه الله. طبقات ابن سعد 6/136
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 

الوهابية في مواجهة الغلاة
***

نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية
***

نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية
***

سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها
***

خدمة الواتس اب
***

صفة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ونفعها للعصاة
***