عنوان الفتوى

كلمة حول الأعياد ، جواباً على شبهة التفصيل في بعضها

رقم الفتوى  

41326

تاريخ الفتوى

4/6/1434 هـ -- 2013-04-15

السؤال

ورد على صفحة الفيسبوك هذا السؤال :
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته / أيها الكرام سؤالي وفقكم الله ؟ رأيت اليوم علي قناة [ اقرأ ] أحد الدعاة المشهورين سأل عن حكم الاحتفال بعيد الحب - والعيد الوطني ؟ فأجاب - لابد من تأصيل شرعي - والتأصيل الشرعي لهذه الأعياد كالآتي :

هل هذه الأعياد مبنية علي شرع أو أصل ديني عندهم - فإن كان كذلك فيحرم الاحتفال بها كعيد الحب مثلاً حرام فله أصل فاسد عند النصارى - وإن لم تكن مبنية علي أصل ديني عندهم - كالاحتفال باليوم الوطني فينظر فيه للمصلحة فإن كانت هناك مصلحة من الاحتفال مثل لم شمل الأمة فلا بأس - وإن لم تكن فيه مصلحة فالأولى تركه ؟

الإجابة


الأعياد من جملة المناسك والعبادات، فلايجوز إقامتها سواء كان عيد حبّ ، أو عيدًا وطنيًا،ونحوهما،فاليوم أو العيد الوطني من جملة الأعياد الممنوعة والمنهي عنه؛لما فيها من إحداث وابتداع في دين الله،وتشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم،كما أن في العيد الوطني تقديسا للأشخاص،وإحياء للروابط الوطنية،وإضعافا للرابطة الإيمانية.
وقد أفتى مشايخ اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية على تحريم الاحتفال باليوم الوطني،وكذا العلماء الذين من قبلهم كالعلامة محمد بن إبراهيم وغيره،والعلماء الذين جاءوا من بعدهم كالشيخ بكر أبي زيد..
كما هو مبيّن في بحث وجيز قد جمعته من قبل على النحو التالي:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:-

(1) في مطلع هذه المسألة نذكِّر بجملة أمور:-

أ- تعريف العيد وضابطه:-
العيد اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد إما بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع أو نحو ذلك، فالعيد يجمع أمورا ًمنها: يوم عائد، ومنها الاجتماع في ذلك اليوم، ومنها: أعمال تقام في ذلك اليوم من عبادات وعادات [1].

(ب) أن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك، التي قال الله سبحانه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [سورة المائدة: ٤٨]. كالقبلة والصلاة والصيام [2] فالعيد أحد أفراد النسك (العبادة) المذكور في قولة تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ} [سورة الحج: ٣٤]، وقوله سبحانه: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ} [سورة الحج: ٦٧] [3].

جـ- أن الأعياد الممنوعة والمنهي عنها لسببين:-
1- أن فيها مشابهه للكفار، وقد حرّم الإسلام التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم.

2- أن في هذه الأعياد ابتداعاً وإحداثاً في دين الله تعالى [4].

جاء في فتوى اللجنة الدائمة ما يلي:-
"ما كان من ذلك [5] مقصوداً به التنسك والتقرب أو التعظيم كسباً للأجر، أو كان فيه تشبه بأهل الجاهلية أو نحوهم من طوائف الكفار فهو بدعة محدثه ممنوعة داخلة في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» [رواه البخاري ومسلم], مثال ذلك الاحتفال بعيد المولد وعيد الأم والعيد الوطني لما في الأول من إحداث عبادة لم يأذن بها الله، وكما في ذلك التشبه بالنصارى ونحوهم من الكفرة ،ولما في الثاني والثالث من التشبه بالكفار [6]".

(2)_ نسوق - بعد هذه المقدمة - بعض أقوال أهل العلم في هذه الذكرى ومايلحق بها من نظيراتها..

أ- كلام المشايخ:- محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ (ت 1367هـ) وصالح بن عبد العزيز آل الشيخ (ت1372هـ) والعلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت1389هـ) في رسالتهم إلى الملك عبدالعزيز حيث قالوا:-
"قد تحققنا ما أحدث في مكة المشرفة من العيد المسمى بعيد الجلوس في آخر شعبان، الذي هو مضارع الأعياد الجاهلية، ولم يمنعنا من الكلام فيه، ومشافهتك بذلك لما كنت عندنا، إلا أنا ظننا أن لا يفعل هذا العام، من أجل أنه تقدم من بعضنا مناصحة لك في ذلك.

وأنت فاهم سلّمك الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه الله تعالى بالملة الحنيفية، محا جميع ما عليه الجاهلية من الأعياد الزمانية والمكانية، وعوض الله عنها الحنفاء بعيد الفطر وعيد الأضحى...

وتقرر في الشريعة المطهرة أنه لا يسوغ تعظيم زمان أو مكان بنوع من أنواع التعظيم إلا زمان أو مكان جاء تعظيمه في الشرع، فكما أن تعظيم القبور، أو بقعة لم يجيء تعظيمها في الشرع من أعظم البدع, فكذلك تعظيم زمان من الأزمنة ولا فرق...[7] الخ".

ب- كلام الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -:
"وقد اتبع الجاهليةَ في تعظيم الأزمنة والأمكنة كثير من أئمة الدعوة وهي من قبور، وفي الحديث: «لا تتخذوا قبري عيداً» [حسنه الألباني] ومن تماثيل، ومن أزمنة، وقد يسمونها (الذكريات) جمع ذكرى، كل معظم يكون له ذكرى إما حولية أو مئوية أو ألفية... [8]".

- وكتب سماحته في 28/5/1375هـ هذه الفتوى:
"نشرت جريدة البلاد في عددها 240 الصادر يوم الجمعة الموافق 12 الجاري أن المشائخ توافدوا إلى قصر الحكم في الرياض لتهنئة جلالة الملك بيوم ذكرى جلوسه.

ونقول إن هذا غلط، فإننا وإخواننا المشائخ لا نرى ذلك سائغاً, فضلاً عن أن نهنئ الملك به [9]".

- ومما قاله - رحمه الله - عن العيد الوطني: "إن تخصيص يوم من أيام السنة بخصيصه دون غيره من الأيام يكون به ذلك اليوم عيداً، علاوة على ذلك أنه بدعة في نفسه ومحرم وشرع دين لم يأذن به، والواقع أصدق شاهد، وشهادة الشرع المطهر فوق ذلك وأصدق [10]".

جـ_ كلام الشيخ حمود بن عبدالله التويجري - رحمه الله - (1413هـ):
"من مشابهة أعداء الله تعالى ما ابتلي به الأكثرون من اتخاذ أعياد زمانية ومكانية كلها مبتدعة، فأما الزمانية فكثيرة، منها يوم المولد وليلة المعراج، وليلة النصف من شعبان، ومنها ما يجعل لميلاد صالح أو من يظن صلاحه.

ومنها مايجعل لولاية بعض الملوك ويسمى عيد الجلوس، وهو مأخوذ من عيد النيروز عند العجم.

ومنها ما يجعل لثورة المنازعين للملوك وانتصار بعضهم على بعض وهو مأخوذ من عيد المهرجان عند العجم.. [11]".

د- فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:-
وخلاصة السؤال: "عن حكم الاحتفال بمرور خمس وعشرين سنة على ولادة بعض الناس، وقد يسمى بالعيد أو اليوبيل الفضي، وبعد مرور خمسين سنة كذلك، ويسمى بالعيد الذهبي، وبعد مرور خمس وسبعين سنة ويسمى بالعيد الماسي وهكذا، و مثل هذا يقام أيضاً على فتح بعض الأماكن مثل بعض الإدارات أو الشركات أو المؤسسات لمرورها بمثل هذه المجموعات الآنفة الذكر من السنين... فهل هذه الاحتفالات سنة أم بدعة؟

وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأنه لا تجوز إقامة الحفلات وتوزيع الهدايا وغيرها بمناسبة مرور سنين على ولادة الشخص، أو فتح محل من المحلات، أو مدرسة من المدارس أو أي مشروع من المشاريع؛ لأن في هذا من إحداث الأعياد البدعية في الإسلام, ولأن فيها تشبهاً بالكفار في عمل مثل هذه الأشياء فالواجب ترك ذلك والحذر منه.. [12]".

هـ - كلام الشيخ بكر أبي زيد:
"لم يرتبط أيٌ من العيدين [الفطر والأضحى] بما له صلة بالعقائد الأخرى في مواقيت الأعياد لأي أمة من الأمم، وهذا لصيانة عقائد المسلمين عن أي مُعْتَقَد أبطله الإسلام، وإبعاداً للمسلمين عن ذلّ التبعية لغيرهم، واستعلاء بالإسلام على جميع الأديان... فلا ارتباط للعيد في الإسلام بالذكريات وتقديس الأشخاص، صيانة للمسلمين عن مشابهتهم للنصارى بعيد الميلاد، وعيد الغفران، وعن مشابهتهم لليهود بعيد اليوبيل.

وكمْ في تقديس الأشخاص، والولَع بالذكريات من شوب للإرادة، وكَدَر لصفاء التوحيد، والتفات إلى غير الله.

ولا ارتباط للعيد في الإسلام بالقوميات العرقية والوطنية إبقاءً لرابطة الإخاء بين المسلمين على الإسلام، وفي هذا تحطيم لروابط المخالفين، التي محاها الإسلام، وإلغاء لكيان الأعياد المدنية والقومية والوطنية بين المسلمين [13]".

إلى أن قال: "وبهذا وضح -ولله الحمد- أن الاحتفال باليوبيل على اختلاف مددة، وعلى اختلاف أغراضه، هو احتفال بدعي في الدين، ومنازعة في أمر ربّ العالمين، وتشبه بالكافرين وتعظيم لحرماتهم.

وأنه يجب على من نهى عن الاحتفالات البدعية، ومنها الاحتفال بعيد مولد النبي صلى الله عليه وسلم، والاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، والاحتفال برأس العام الهجري وغيرها من الأعياد المبتدعة لدى بعض المسلمين, التي أدخلها المضللون, يجب على الناهين عن هذه الأعياد البدعية وجوباً أولياً أن يعلنوا النهي عن الاحتفال بعيد اليوبيل: الفضي, والذهبي, والماسي, والثمانيني, لأي مدة كان, ولأي مكان, ولأي شخص, أو مناسبة, ومن لم يفعل فهو متناقض مضطرب, شاء أم أبى, وهذا من إتباع الهوى [14]".

(3) الخلاصة:
نخلص -من خلال هذا العرض الموجز لكلام أولئك العلماء- إلى أن الاحتفال بهذه "الذكرى" محرم فلا يجوز الاحتفال بهذه الذكرى سواءً سمّيت عيداً أو مهرجاناً أو مناسبة, فالأسماء لا تغيّر من الحقائق شيئاً, كما يحرم المشاركة فيها, أو التهنئة بها, لما في هذه الذكرى من المشابهة بالكفار في أعيادهم وما اختصوا به, وقد أثنى الله تعالى على عباده المؤمنين, فوصفهم بقوله عز وجل: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [سورة الفرقان: ٧٢]، قال بعض السلف: "الزور أعياد المشركين [15]", فالاحتفال بهذه الذكرى هو من عيد (اليوبيل) الذي كان يحتفل به اليهود [16], كما أن في هذه الذكرى تقديساً وغلواً وإطراء لأشخاص وحكام, وقد نهينا عن الغلو في الأنبياء والصالحين فضلاً عن غيرهم, إضافة إلى ما في هذه الذكرى من إحياء وترسيخ روابط الوطنية, وتوهين للإخوة الإيمانية بين أهل الإسلام في جميع البلدان والأمصار.

وإذا تقرر حرمة هذا العيد وعدم مشروعيته, فإنه يتعيّن الالتزام بذلك والامتناع عن الاحتفال بهذا العيد أو المشاركة فيه أو التهنئة به.

أما مسألة تعارض المصالح والمفاسد تجاه هذه المسألة, فهذا أمر وارد في كثير من المسائل, خاصة في هذه الأزمنة المتأخرة.

يقول شيخ الإسلام: "وهذا باب التعارض باب واسع جداً, لاسيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة, فإن هذه المسائل تكثر فيها, وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل, ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة، فإنه إذا اختلط الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم, فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة, وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر, وإن ترك حسنات عظيمة, والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة و المضرة, أو يتبيّن لهم فلا يجدون من يعينهم العمل بالحسنات, وترك السيئات لكون الأهواء قارنت الآراء, ولهذا جاء في الحديث: «إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات, ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات» [17] [الراوي: - المحدث: ابن تيمية - المصدر: اقتضاء الصراط المستقيم - الصفحة أو الرقم: 1/120- خلاصة الدرجة: مرسل]".

وإذا تعارضت المصالح والمفاسد فإنه ينبغي ترجيح الراجح منها, كأن يضطر الشخص إلى المشاركة أو التهنئة بهذا العيد - مع ما فيه من السيئات والمفاسد - تحقيقاً لمكاسب ومصالح, فعليه أن يأخذ بالراجح منها, كما حرر هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت, فإنه يجب ترجيح الراجح منها, فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد, وتعارضت المصالح والمفاسد, فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة, فينظر في المعارض له, فإن كان الذي يفوت من المصالح, أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمور به, بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته, لكن إعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشرع" [18]".

كما ينبغي الاهتمام بمعرفة مراتب الشرور والفساد, فإن التهنئة بالعيد أقل فساداً من المشاركة بالعيد, وإقامة هذا العيد أعظم فساداً من المشاركة فيه, فيدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما.


[1] انظر: الاقتضاء 1/441،442، وفتاوى اللجنة الدائمة 3/60

[2] الاقتضاء 1/471

[3] انظر: تفسير ابن جرير 17/198، وتفسير القرطبي 12/58، وعيد اليوبيل لبكر أبي زيد ص 5-8

[4] انظر: الاقتضاء 2/578، وفتاوى محمد بن إبراهيم 3/109، وفتاوى ابن باز 5/191(جمع الشويعر)، وعيد اليوبيل ص8،9، والمجموع الثمين لابن عثيمين 1/78

[5] أي من الأعياد

[6] فتاوى اللجنة 3/60

[7] الدرر السنية 5/62،63، وهو الطبعة القديمة 4/239

[8] فتاوى محمد بن إبراهيم 3/47 (تقرير)

[9] فتاوى محمد بن إبراهيم 3/106

[10] فتاوى محمد بن إبراهيم 3/107

[11] الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين ص 54

[12] عيد اليوبيل ص 57، 58 لبكر أبي زيد

[13] عيد اليوبيل ص 20، 22 = باختصار

[14] عيد اليوبيل ص 25 = باختصار

[15]انظر تفسير ابن جرير 19/29, والاقتضاء 1/426

[16]انظر أصل هذه الكلمة ونشأتها في (رسالة عيد اليوبيل بدعة في الإسلام) للشيخ بكر أبي زيد

[17]مجموع الفتاوى 20/57

[18]مجموع الفتاوى 28/129، وانظر الاستقامة 2/216

رجوع طباعة إرسال
الترك المطلوب : قال شريح : فو الله لا تجد فَقْد شيء تركته لوجه الله. طبقات ابن سعد 6/136
إيقاف تشغيل / السرعة الطبيعية للأعلى للأسفل زيادة السرعة تقليل السرعة  المزيد
 

الوهابية في مواجهة الغلاة
***

نبذة تاريخية عن نجد خلال القرون الثلاثة السابقة للدعوة الإصلاحية
***

نظرات في كتاب: الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية
***

سبعون فكرة بحثية في العقيدة وغيرها
***

خدمة الواتس اب
***

صفة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ونفعها للعصاة
***